||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  


  





 دراسة في كتاب "نسبية النصوص والمعرفة ... الممكن والممتنع" (4)

 142- رسالة محرم : الصلاح والاصلاح

 202- مباحث الاصول - (الوضع) (9)

 129- بحث اصولي: هل هناك تدافع بين النظرة العرفية في النصوص والنظرة الدقية، معاريض الكلام نموذجاً؟

 58- فائدة علمية: انقسام العلوم الى حقيقية واعتبارية وخارجية

 289- فائدة قرآنية: نزول القرآن على سبعة أحرف وحجية القراءات

 288- قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِه ِ؟ إعادة بناء النفس وبرمجة الشاكلة (4)

 Reviewing Hermeneutic. Relativity of Truth, Knowledge & Texts 5

 235- فائدة تفسيرية: إضرار الزوج بزوجته وبالعكس على ضوء قوله تعالى: ( لا تضار والدة بولدها)

 190- مباحث الاصول : (مبحث العام) (3)



 من ينهض بالمسلمين إلى الفضيلة والأخلاق؟

 لا لانتهاك الحقوق

 السلوك الانفتاحي والانقلاب على القيم

 أيام غيّرت وجه العالَم

 في ذكرى شهادة الحسين (ع): الحق والباطل ضدان لا يجتمعان



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 المرابطة في زمن الغيبة الكبرى (المقدمات ، المتقدمات ، المُمَهِّدَات ، المسؤوليات)

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

 204- مناشئ الانحراف والضلالة : الغرور والاستعلاء والجهل الشامل

 21- بحث اصولي: عن حجية قول اللغوي ومداها

 قسوة القلب

 205- مناشيء الانحراف والضلال : المؤامرات الدولية على الاديان والمذاهب وموقع مراكز الدراسات وبلورة الرؤى في المعادلة

 203- محاكمة اسلحة الفرق الضالة : الايحاء المغناطيسي والخدع العلمية ومغالطة الكبرى والصغرى



  • الأقسام : 73

  • المواضيع : 3242

  • التصفحات : 5880744

  • التاريخ : 9/12/2018 - 23:26

 
 
  • القسم : الفوائد والبحوث .

        • الموضوع : 308- الفوائد الأصولية: حجية الاحتمال (4) .

308- الفوائد الأصولية: حجية الاحتمال (4)
24 ربيع الاول 1440هـ

 

الفوائد الأصولية: حجية الاحتمال

جمع و اعداد الشيخ عطاء شاهين *

الفائدة الخامسة: أن الاحتمال لا يؤثر على الحجة المبنية على الظن النوعي والبرهان؛ بل أنه  يتعايش معها ؛ ولكنه  يؤثر على الحجة المبنية على الظن الشخصي ؛ لذا إذا ورد الاحتمال المخالف لها بطل الاستدلال بها.

تفصيل الفائدة:
ذهب الشيخ الحر العاملي والفاضل المقداد اللذين بحجية مراسيل الشيخ الطوسي، فيما ذهب العديد من علماء الأصول والفقه إلى عدم حجية مراسيله ؛ وذلك لاحتمال أن يكون استظهارنا من الرواية مغايراً لاستظهار الشيخ الطوسي ؛ ومن الواضح أنه إذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال، وبالتالي فلا تصير استظهاراته حجّة علينا.
والجواب، أولاً حلاً : بأن الحجج على قسمين:  برهانية و ظاهرية.
ومن الواضح أن الحجج البرهانية - أي القائمة على البرهان - هي التي يبطل الاستدلال بها عند ورود الاحتمال، أما الحجج الظاهرية أي المبنية على الظواهر، فإن حجية الظاهر فيها مبنية على الظن النوعي لا الشخصي فلا يؤثر فيها الاحتمال، لأنها تتعايش مع احتمال الخلاف ولا يلزم فيها سدّ باب الاحتمالات بقول مطلق، هذا كبرويا.
وأما في البحث الصغروي فنقول: إن الحجج في باب الإطاعة والمعصية وفي باب علاقة العبيد بالموالي هي من قسم الحجج الظاهرية، كالعام والمطلق والأمر الظاهر في الوجوب، والنهي الظاهر في الحرمة...إلخ، ويندر الاعتماد فيها على الحجج البرهانية، بل لو التزمنا بأن الاحتمال مخلٌ بالحجج في باب الإطاعة لاختلّ النظام؛ إذْ سنغلق عندئذ على الموالي باب حججهم.
وحجية رأي الشيخ الطوسي في استظهاراته متناً وفي التزامه بصحة السند هي من قبيل حجية الظواهر، وليست من قبيل حجية البراهين، فلا يصحّ حينئذ الاستشكال بأنه من المحتمل أن الفقيه الآخر لو اطلع على الرواية لما استظهر ما استظهره الشيخ الطوسي، فإن مثل هذا الاحتمال لا يؤثر في نفى حجية استظهار الشيخ، من هذه الجهة.
وثانياً نقضاً :
أ:  إن العام والمطلق والأمر والنهي هي حجج حتى مع احتمال الخلاف، ففي بناء العقلاء وسيرتهم لا يصحّ للفقيه أن يتعلل باحتمال الخلاف فيها حتى مع قوّته، فإنه حتى بعد الفحص يظلّ احتمال الخلاف موجودا بل قد يكون قويا، وذلك لضياع الكثير من الروايات التي قد تحوي المخصصات، أو المقيدات[1].
واحتمال أن تكون استظهارات الفقيه لو راجع الرواية مخالفة للشيخ الطوسي ليس أكثر من احتمال وجود مخصصات قد ضاعت علينا، ومع ذلك نجد الفقيه يلغي احتمال وجود المخصصات ويتمسك بالعام وسائر الظواهر، والأمر واضح في الأوامر والنواهي لكثرة ارتكاب التجوز فيها.
ب : إن الفاضل الحوزوي القريب جداً من الاجتهاد [2] يجوز له أن يقلد المجتهد، رغم ورود نفس الإشكال، إذ من المحتمل ومن الوارد جدا أن تكون استظهاراته بعد حصوله على الملكة مخالفة لكثير من فتاوى مرجعه، ومع ذلك فإن استظهارات مرجعه حجة عليه الآن واحتمال الخلاف لا يُلغي الحجية، ولا يجب عليه بذل جهد مضاعف ليحصل على الملكة فيعمل برأيه وان لم يوقعه ذلك في الحرج[3]، فكذلك احتمال اختلاف استظهار الفقيه عن استظهار الشيخ الطوسي.
ج : النقض بفتوى المجتهد بالنسبة لنفسه هو، فإن المجتهد الجامع يكون رأيه حجة رغم أنه يحتمل بينه وبين ربه أن رأيه سوف يتغير بعد مدة، فإن تغير المباني الفقهية أو تغير الاستظهار الفقهي كثير جدا، ومع ذلك فهو لا يُشكّل عائقا[4] أمام حجية رأي الفقيه قبل التغير[5].

الفائدة السادسة: أن الاحتمال والالتفات شرطا التنجز ؛ فإن فقدا كان المكلف معذوراً ؛ حيث إن شرائط الخطاب غير مجتمع فيه؛ فإن قيل من كان هكذا حاله يصبح لغواً خطابه؛ قلنا إن اللغوية   تنتفي لأنه شأناً جامعاً لشرائط الخطاب.

تفصيل الفائدة:
ذكر الشيخ قدس سره من شرائط التكليف (الالتفات)، فهل هذا هو الشرط الوحيد؟ أم هناك شروط أخرى مثل(احتمال التكليف) كما ذكره السيد العم دام ظله بقوله: (يجب على كل مكلف جمع شرائط صحة التكليف الشرعية من البلوغ وغيره، والعقلية من العقل والالتفات واحتمال التكليف وغير ذلك)[6].
مع وضوح أن قيد الالتفات لا يغني عن قيد الاحتمال؛ إذ قد يلتفت لكنه قاطع بعدم التكليف، فلا يعقل كونه مقسماً، للحالات الثلاثة، فتأمل[7].
نعم ، المراد بالاحتمال هو الاحتمال بنحو اللابشرط ليجتمع مع القطع حيث إنه متضمن له، وليس المعنى العرفي له الذي هو بشرط لا ، أو المراد الاحتمال البدوي الذي لا ينافي استقرار حالته النفسية بعده  على القطع أو الظن أو الشك، ولذا قال (فإما أن يحصل له..).
لا يقال: إن احتمال التكليف -  كالبلوغ والعقل-  متضمن في (مكلّف)؛ فإنه المأخوذ في عنوان الكلام (أن المكلف إذا التفت إلى حكم شرعي).
إذ يقال: الشروط قسمان:
القسم الأول: ما لا شأنية للعبد مع عدمها لكي يكلف، وذلك كالعقل، وهذا متضمن في (مكلف)؛ إذ لولاها لم يكن مكلفاً[8].
القسم الثاني: ما له شأنية قريبة مع عدمها إلا أنه لا يتوجه إليه التكليف الفعلي أو المنجز بدونها؛ وهذا مشترك بين غير الملتفت وغير المحتمل؛ ولذلك فسر الميرزا الشيرازي قدس سره (المكلف) في كلام الشيخ قدس سره بأنه الجامع لشرائط الخطاب؛ فقال : ومراده قدس سره من المكلف ليس الذي تنجز عليه الخطاب؛ لامتناع كونه مقسماً بين الملتفت وغيره[9].
لا يقال: إن غير الملتفت وغير المحتمل ليس جامعاً لشرائط الخطاب ولا يصح خطابه للغويته.
إذ يجاب: أنه شأناً جامع لها وهي المراد ـ أي الشأنية هي المراد ـ وأما من لا عقل له فلا شأنية له؛ ولذلك عبر الآخوند أيضاً بـ(البالغ الذي وضع عليه القلم)[10]، والعراقي بـ(كل من وضع عليه قلم التكليف)[11] ؛ فإن غير الملتفت وغير المحتمل كليهما جامع لشرائط الخطاب وقد وضع عليه القلم أو (قلم التكليف)، كما أن كليهما لم يتنجز عليه الخطاب[12] عكس غير العاقل أو غير البالغ.
والسر أن غير العاقل مثلاً لا مقتضي لتكليفه، أما العاقل البالغ فإن المقتضي فيه موجود، والاحتمال والالتفات شرطا التنجز، ولذا لو لم يحتمل أو يلتفت كان معذوراً[13].
بل قد يقال: إن قيد (إذا التفت) لا داعي له لأنه متضمن في (المكلَّف)؛ فإن ظاهره الفعلية لا الشأنية[14] ؛ فالأولى القول: (إن المكلف إما أن يحصل له القطع أو الظن أو الشك).
إلا أن يقال: ظاهره الفعلية لا التنجز وبالالتفات يتنجز وكذا بالاحتمال؛ ولذا فإن عليه القضاء لو لم يكن ملتفتاً أو محتملاً حينها [15].

بحث تطبيقي:
لو أن المقلد اطلع على فتوى المجتهد فهل فتواه هي التي توجب تنجز التكليف عليه فيستحق العقاب بالمخالفة، وهل هي معذرة لو عمل على طبقها ولم تكن مطابقة للواقع؟  وكذلك الاجتهاد فلو أدى رأي مجتهد إلى وجوب شيء أو حرمته - كما لو قال بنشر الحرمة بعشر رضعات - فهل المنجز هو الاحتمال أو الأدلة أم هو الاجتهاد والتقليد؟
قد يقال : باستحالة أن يكونا منجزين : (لأن الأحكام الشرعية تنجزت قبل الأمر بالاجتهاد والتقليد من جهة العلم الإجمالي أو الاحتمال، لا أنها تنجزت بسببهما ) [16] .

المحتملات في منجز الأحكام الإلزامية
ونذكر هنا المحتملات في منجز الأحكام الإلزامية وأدلتها ؛ لنرى  صحة  كلام التنقيح من عدمه ،  فنقول:  إن المحتملات في منجز الأحكام الإلزامية ثلاثة:

الاحتمال الأول: أن المنجز هو احتمال وجود تكاليف واقعية ، أو المنجز هو العلم الإجمالي بوجود تكاليف مولولية إلزامية [17]؛ وهذا هو الذي يقتضي وجوب الفحص في الشبهات الحكمية، ولذلك قالوا : إن الشبهات الحكمية قبل الفحص مجرى الاحتياط[18].

الاحتمال الثاني: أن تكون الحجج [19] هي  المنجزة وليس العلم الإجمالي السابق زماناً، ولا الاحتمال السابق زماناً ؛ وذلك استناداً إلى قوله تعالى :﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾[20] وغير ذلك من أدلة  ؛ فلو قام خبر الواحد على حرمة شيء أو وجوبه تنجز ذلك الحكم؛ وكذلك الظواهر لو دلت على حكم  تنجز، هذا في الظني المعتبر، وكذا في القطعي  ؛ كما لو حصل على خبر واحد محفوف بالقرائن القطعية.

الاحتمال الثالث: أن يكون الاجتهاد والتقليد هما المنجزان  ، أي أن العبد يستحق العقاب بالمخالفة بعد أن وصل إليه الحكم اجتهادا أو تقليداً، لا بمجرد وجود الظواهر أو خبر الثقة، من غير أن تصل [21] للمكلف،  فهذه احتمالات ثلاث.

الإشكال بلزوم تحصيل الحاصل من منجزية الاجتهاد :
وقد استدل للاحتمال الأول بأن الأحكام الواقعية قد تنجزت بالعلم الإجمالي،  بل حتى باحتمال التكاليف الملزمة في الشبهات الحكمية  ؛ فإنها مجرى الاحتياط عقلاً ؛ لأن العقل يحكم بالاحتياط نظراً لإمكان وجود تحريم أو وجوب ، كما يوضحه مبحث حق الطاعة ،  أما البراءة فتجري على رأي في الشبهات الموضوعية دون الشبهات الحكمية وإن ناقش فيه بعض الأعلام.
إذن  الأحكام قد تنجزت بالعلم الاجمالي أو الاحتمال ؛ فتنجزها ثانية بالاجتهاد أو التقليد أو بخبر الواحد يكون تحصيلاً للحاصل .
ولكن الظاهر عدم تمامية هذا الجواب ؛ وأنه يصح القول بالتنجز بالاجتهاد والتقليد ،  أو التنجز بالظنون النوعية ، وذلك لوجهين [22]:

الوجه الأول: أن الاجتهاد منجز بنحو العلة المبقية
ما ثبت في بحث العلل المتعاقبة : من إمكان أن يكون شيئاً واحداً علة لشيء بنحو العلة المحدثة ، ثم يكون شيئاً  آخر علة له بنحو العلة المبقية ؛ فكون التكليف الواقعي منجزاً  بـ(العلم الإجمالي ) أو بـ ( الاحتمال) لا ينفي كون تنجزه بعد ذلك بنحو العلة المبقية بـ(الظن المعتبر)  أو (الاجتهاد أو التقليد أو الدليل القطعي ) على نفس مؤدى العلم الاجمالي أو المحتمل  ؛ فيكون التنجز قد استند حدوثاً للعلم الاجمالي واستند بقاءً إلى خبر الواحد أو الاجتهاد أو التقليد ،  وهذا مما لا ريب فيه ثبوتاً عقلاً.
نعم، أن القول بأن الظن المعتبر أو الاجتهاد أو التقليد منجزان لنفس ما تنجز سابقاً في ظرفه السابق غير صحيح لكونه تحصيلاً للحاصل .
وأما الدليل على ذلك إثباتاً، فهو صحة الاسناد حقيقة بنظر العقل والعقلاء ؛ فإنه لو علم العبد إجمالاً أن المولى يريد منه فعل أمر واحد من ثلاثة، وجب عليه الاحتياط بالجمع للعلم الاجمالي، ثم إذا قام خبر الواحد على وجوب أحدها بعينه ؛ فإن فعل العبد فله أن يستند حقيقة إلى خبر الواحد والاستناد حقيقي لا مجازي، كما أنه بالحمل الشائع الصناعي يصح اسناد استحقاقه للعقاب بقاءً إلى قيام خبر الثقة الحجة عليه.
وكذلك هو الحال في الاحتمال ؛ كما لو احتمل وجود عدة تكاليف فتنجزت به  فاحتاط بالإتيان بها، ثم وصل إليه خبر ثقة فعمل استناداً  لذلك الخبر لا استناداً للاحتمال.

والنتيجة: أن إشكال التنقيح غير تام نظراً لبرهان العلل المتعاقبة.
الوجه الثاني : أن الاجتهاد منجز للمرتبة الأعلى
إن التنجيز[23] حقيقة تشكيكية كاستحقاق العقاب وكنفس العقاب؛ وبذلك يندفع الإشكال أيضاً ؛ لأنه بالاحتمال  قد تنجزت التكاليف في الشبهات الحكمية  بدرجة  أصبح مستحقاً للعقاب به  ، ثم  إذا جاءه الخبر أو الظاهر ثبتت درجة أشد من التنجز ،  واستحق درجة أعلى من العقاب، هذا ثبوتاً .
وأما إثباتاً ؛ فإن بناء العقلاء خير شاهد ؛ فإنه لو احتمل العبد أن المولى يريد منه فعل شيء ،   لكنه لم يفعل ولم يفحص ولم يحتط فقد استحق العقاب، ولكنه لو بعث المولى إليه من أخبره بأمره فلم يفعل كان استحقاقه للعقاب أشد ، بل استحق عقاباً أشد ؛ لأن المخالف للتكاليف المحتملة يُعاقب ،  فكيف بالقاطع؟
وكذلك هو الحال في العلم الاجمالي ؛ فلو علم العبد بحرمة شرب أحد السوائل العشرة فشرب أحدها، وكان واقعاً هو المحرم فقد استحق عقاباً بسيطًاً  ، أما لو علمهُ بعينه فشرب كان استحقاقه للعقاب أشد ، فتأمل .
والجوابان لا يجتمعان ؛ لأن الجواب الثاني مبني على تسليم بقاء علّية الاحتمال والعلم الاجمالي للتنجز لكن لمرتبةٍ، أما الجواب الأول فمبني على زوال تأثير العلة المحدثة بمجيء الاحتمال باعتباره علة مبقية.

ثم إن هذا البحث يجري في صور ثلاث:  
الصورة الأولى: جريانه في الاحتمال البدوي في الشبهة الحكمية قبل الفحص .
الصورة الثانية:  جريانه في العلم الإجمالي قبل الانحلال .
الصورة الثانية: جريانه في العلم الإجمالي بعد الانحلال ، كما لو علم أن للمولى في الألف قضية هناك تكاليف إلزامية ،  ثم حقق فعرف أن هناك مئة حكم  إلزامي منها ، فهنا  قد انحل العلم الإجمالي ولكن بقي الاحتمال بحاله .

هل أن الأمر بالاجتهاد والتقليد هو المنجز ههنا أم لا ؟
وذلك كما لو  حصلت عندنا ألف واقعة ونعلم إجمالاً بوجود تكاليف إلزامية فيها ، ففحصنا فحصاً جزئياً وعثرنا على مئة حكم  ، فهل الباقي  يحتاج تنجز أحكامها - على فرض ثبوتها واقعاً -  إلى الأمر بالاجتهاد والتقليد أم لا؟ أم أن المنجز أمر آخر؟

وهنا يوجد ثلاثة وجوه :
الوجه الأول:  المنجز هو الاجتهاد والتقليد والاحتياط
وهو ما ذهب إليه  السيد الخوئي قدس سره من أن المنجز[24] هو الأمر بالاجتهاد والتقليد أو الأمر بالاحتياط  بحيث لو لم يكن هذا الأمر -  ﴿لِّيَتَفَقَّهُوا﴾[25] - لما كانت التكاليف الثبوتية منجزة ؛ لأنه لو كانت لدينا ألف واقعة [26]  مثلاً   ،  وعلمنا إجمالاً بوجود تكاليف إلزامية فيها ،  ففحصنا ووجدنا مئة حكم إلزامي ؛  ففي الباقي -  وعند الرجوع للوجدان - لا نرى وجود علم إجمالي بتكاليف أخرى في البين ؛ فلا يجب علينا الفحص ولا التعلم لو لم ترد أوامر التعلم ؛ لأن حديث الرفع  غير قاصر عن شموله لموارد الشبهات الحكمية قبل الفحص [27].
وبتعبير أشمل :  أن أدلة الأصول الشرعية غير قاصرة عن الشمول لموارد الشبهات الحكمية قبل الفحص ،  فكيف بما بعد الفحص ولو الناقص [28] والانحلال [29]؟  فلو كان هناك حكم إلزامي خارج دائرة المئة حكم فإنه يشمله (ما لا يعلمون) ، لكن الذي يحول دون شمول أدلة البراءة هو وجود الأمر بالاجتهاد والتقليد أو الأمر بالاحتياط  وهي حاكمة على (رفع ما لا يعلمون )  ؛ إذ يقول الشارع:  أمرتك بالتعلم ؛  فلا تستطيع على هذا التمسك بما لا يعلمون ؛  فـ(رفع ما لا يعلمون)  وإن شمل الشبهة البدوية قبل الفحص و تسعمائة مورد بعد الانحلال لكن ﴿ لِّيَتَفَقَّهُوا ﴾[30] حكم عام يشمل جميع الموارد  ؛ فهو حاكم على (رفع ما لا يعلمون).
والنتيجة :أن الأمر بالاجتهاد والتقليد منجز، أي أنه الموجب لاستحقاق العقاب باقتحام الشبهات البدوية ، وفي اقتحام التسعمائة واقعة الباقية بعد الفحص.

الوجه الثاني: أن المنجز  هو الاحتمال  ، وحديث الرفع لا يشمل الصورتين
وهذا مبني على نقاش مبنائي مع السيد الخوئي قدس سره ؛ لأنه  يبني على منجزية التكاليف ببركة الأمر بالاجتهاد والتقليد بناءً على أن (رفع ما لا يعلمون ) يشمل هذه الموارد ،  فلولا الأمر بالاجتهاد والتقليد لما تنجزت .
ولكننا لا نقبل هذا المبنى ؛  لأن المستظهر  أن أدلة البراءة النقلية - مثل ( رفع ما لا يعلمون )-  لا تشمل الشبهة الحكمية البدوية قبل الفحص ،  وكذا تشمل لا سائر القضايا المتبقية بعد انحلال العلم الإجمالي؛ لأن (رفع ما لا يعلمون)  منصرف عن ذلك [31]، ولا يجري إلا بعد الفحص التفصيلي في كل مورد مورد ، ولا يكفي الفحص الإجمالي في بعض الموارد وإن عثرنا على مقدار معتد به.
والحاصل: أن الاحتمال المتبقي -  في سائر الموارد بعد انحلال العلم الإجمالي بالعثور على مقدار معتد به - وكذا الاحتمال البدوي كلاهما منجز في بناء العقلاء  ؛ وحديث الرفع غير ناظر لهاتين الصورتين ؛ بل هو منصرف عنهما إلى الشبهات الحكمية بعد الفحص واليأس عن العثور على دليل وحجة ؛ وعلى ذلك بناء العقلاء وسيرتهم وسيرة المتشرعة، بل أن العرف –وهم الملقى إليهم الكلام -  لا يحتملون في حديث الرفع شموله للصورتين .
وبعبارة أخرى: أن المولى لو أمر عبده بأوامر كثيرة معلومة إجمالاً في ضمن وقائع أكثر منها عدداً ،  ففحص العبد ووجد مئة مورد - مثلاً - ؛   فإن ( رفع ما لا يعلمون)  لا تشمل بقية الموارد.
وعلى هذا المبنى نكون في غنى عن الأمر بالتعلم للالتزام بالتنجز ؛ إذ حتى لو لم يأمر المولى بالتعلم فإن التكاليف الباقية  - في التسعمائة [32] واقعة -  منجزة بالاحتمال من غير أن يرفعها حديث الرفع.

الوجه الثالث: أن المنجز هو الحجج
أن يقال: إن هذه التكاليف المحتملة في القضايا الباقية بعد الانحلال بالبحث الناقص [33] منجزة لا بالأمر بالاجتهاد والتقليد، ولا بالاحتمال المتبقي في الشبهة الحكمية بعد الفحص الإجمالي؛ وإنما هي منجزة بأدلة الأمارات والحجج كخبر الواحد والظواهر ؛ فالتكاليف قد تنجزت ببركة نصب هذه الحجج.
وقد يورد عليه : بأن الحجج بوجوداتها الثبوتية لا يعقل أن تكون منجزة ، نعم  هي منجزة بعد وصولها ؛ فلولا وصول الحجج بالاجتهاد والتقليد لما تنجزت الأحكام أو التنجز بالاحتمال.
ولكن فيه: أن التنجز هو بوصول التكاليف ، والوصول تارة يكون بالاجتهاد والتقليد  ، وأخرى يكون بالحجج والأمارات إذا وصلت وإن لم يكن الوصول عن طريق الاجتهاد والتقليد، وثالثة يكون بالاحتمال ؛ فهو نحو من أنحاء الوصول، فتأمل.
وهنا نسأل : أنه لو اجتمعت هذه الثلاثة فما هو المنجز حينئذ؟
الجواب : المنجزية لتداخل الأسباب؛ إذ يمكن إسناد المنجزية لكل منها[34]، وقد تقدم أنه يصح بنحو تعاقب العلل ،  وبنحو الالتزام بالمشككية[35] .


-------------

* هذه المباحث الاصولية تجميع لما طرحه سماحة السيد في مختلف كتبه وبحوثه، قام باعدادها وجمعها و ترتيبها مشكوراً فضيلة الشيخ عطاء شاهين وفقه الله تعالى
[1] ككتاب مدينة العلم (الذي كان المفترض ان يكون خامس الكتب الأربعة) وكأكثر الأصول الأربعمائة إذ الموجود بالأيدي منها هو ثمانون على قول المكثرين.
[2]  الذي لم يجتهد بعد .
[3] ولم نجد من افتى بوجوب تحصيله الملكة واجتهاده تعيينا إذا لم يكن حرجيا عليه.
[4] أو أن اعاد النظر في المسألة بدقة وتثبت أكثر، كما قال البعض بلزوم ذلك ، وفصلنا ذلك في كتاب :الاجتهاد والتقليد.
[5] حجية مراسيل الثقات: ص 95.
[6] بيان الفقه في شرح العروة الوثقى: الاجتهاد والتقليد، ج1، ص18.
[7] إذ كون بعض (من التفت) قاطعاً، لا يضر بكون (الملتفت) مقسماً للحالات الثلاثة.
[8] لا فعلاً ولا شأناً.
[9] تقريرات المجدد الشيرازي: ج3 ص221.
[10] كفاية الأصول:  أول المقصد السادس.
[11] مقالات الأصول: ج2 ص10.
[12] فيما لو لم يكن مقصراً في المقدمات؛ وإلا فإن ما بالاختيار لا ينافي الاختيار.
[13] إلا لو كان مقصراً كما سبق.
[14] فتأمل.
[15] المبادئ التصورية للفقه والأصول: ص 157.
[16] التنقيح شرح العروة الوثقى : ج1  ص14، وقال قبل ذلك  : وأما الاجتهاد والتقليد فقد يبدو للنظر أنهما كالاحتياط لا معنى للوجوب الطريقي فيهما، بالإضافة إلى التنجيز، لأن الأحكام الشرعية تنجزت قبل الأمر...)).
[17] وهذا  سبق ذكره عن التنقيح قبل قليل.
[18] وأما الدليل على ذلك فهو ما ذكره في فرائد الأصول : ج4 ص277  بقوله :  إنه في الشبهات الموضوعية يجوز الأخذ بالبراءة والعمل على طبقها بلا فحص ، وقد ادعي لإجماع على ذلك مضافاً إلى إطلاق الأدلة ، وسيأتي أن ذلك على إطلاقه ممنوع .
وأما في الشبهات الحكمية : فلا يجوز العمل بالبراءة فيها إلا بعد الفحص واليأس عن الظفر بما يخالفها ؛ وقد استدل على ذلك بالأدلة الأربعة : من الكتاب والسنة والاجماع والعقل ، وهو العمدة ، لاستقلال العقل باستحقاق عقاب من ترك التعلم مع القدرة عليه بعد الالتفات إلى الشريعة وأن بنائها على تبليغ الأحكام على النحو المتعارف بين العقلاء في تبليغ مقاصدهم ، فمن ترك التعلم والحال هذه كان عند العقل كتارك التكاليف عن عمد وعلم في استحقاق العقاب .

[19] الحجج أعم من كونها قطعية أو ظنية بالظن المعتبر.
[20] سورة الإسراء : 15.
[21] فعلاً أو شأناً .
[22] وسيأتي بعد صفحات وجه ثالث
[23] بمعنى الموجبية لاستحقاق العقاب.
[24] في موارد عدم العلم الاجمالي من الابتداء ، وفي موارد وجوده وانحلاله بالظفر بمقدار معتد به من الأحكام.
[25] سورة التوبة : 122.
[26] وكذا لو لم يكن علم اجمالي من الابتداء.
[27] انظر: التنقيح  ج1 ص15.
[28]  وهو الاستقراء الناقص.
[29] وهو الانحلال بالعلم الاجمالي ، كما تقدم الإشارة إليه .
[30] سورة التوبة : 122.
[31] سيأتي تفصيل الكلام حول ذلك بإذن الله تعالى.
[32] الباقية من الألف واقعة  في المثال المتقدم .
[33] وكذا في صورة الاحتمال البدوي قبل الفحص.
[34] الثلاثة المتقدمة .
[35] الاجتهاد والتقليد : ص 132.

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : 24 ربيع الاول 1440هـ  ||  القرّاء : 70



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net