||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  


  





 239- فائدة روائية ـ ثلاثة محتملات لقوله صلى الله عليه وآله : (كل مولود يولد على الفطرة)

 نسبية النصوص والمعرفة (الممكن والممتنع)

 83- (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)-8 مناشئ تولد حق السلطة والحاكمية موقع (الجيش) في خارطة الدولة (3)

 51- فائدة منطقية: إطلاقات القضية الخارجية

 139- (قضاء التفث) بلقاء الامام (ع) ـ مقارنة بين اجرا الحج وأجر زيارة الامام الحسين

 كونوا مع الصادقين

 38- الجواب الحادي عشر إلى الرابع عشر عن شبهة: لماذا لم يذكر الله تعالى إسم الإمام علي عليه السلام في القرآن الكريم؟

 192- مباحث الاصول : (مبحث العام) (5)

 272- مباحث الأصول: (الموضوعات المستنبطة) (2)

 2- موقع الصلاة في حياة الحسين عليه السلام



 من ينهض بالمسلمين إلى الفضيلة والأخلاق؟

 لا لانتهاك الحقوق

 السلوك الانفتاحي والانقلاب على القيم

 أيام غيّرت وجه العالَم

 في ذكرى شهادة الحسين (ع): الحق والباطل ضدان لا يجتمعان



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 المرابطة في زمن الغيبة الكبرى (المقدمات ، المتقدمات ، المُمَهِّدَات ، المسؤوليات)

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

 204- مناشئ الانحراف والضلالة : الغرور والاستعلاء والجهل الشامل

 21- بحث اصولي: عن حجية قول اللغوي ومداها

 قسوة القلب

 205- مناشيء الانحراف والضلال : المؤامرات الدولية على الاديان والمذاهب وموقع مراكز الدراسات وبلورة الرؤى في المعادلة

 203- محاكمة اسلحة الفرق الضالة : الايحاء المغناطيسي والخدع العلمية ومغالطة الكبرى والصغرى



  • الأقسام : 73

  • المواضيع : 3242

  • التصفحات : 5881188

  • التاريخ : 10/12/2018 - 00:51

 
 
  • القسم : الفوائد والبحوث .

        • الموضوع : 307- الفوائد الأصولية: حجية الاحتمال (3) .

307- الفوائد الأصولية: حجية الاحتمال (3)
21 ربيع الأول 1440هـ

الفوائد الأصولية: حجية الاحتمال

جمع و اعداد الشيخ عطاء شاهين *

الفائدة الثالثة: للاحتمال  في كل طور من أطواره درجة من الكاشفية  تقدر بقدره ؛  وقد  تتراكم الاحتمالات فترتقى  إلى الظن فالاطمئنان فالعلم فيصبح منجزاً ؛ بل أن الاحتمال الضعيف  يكون منجزاً كما في الأمور الخطيرة ؛ فتبين أن الكاشفية حقيقة تشكيكية ذات مراتب متعددة ؛ ولكن هذا لا يعني أن وجودها في شيء بأنه حجة شرعاً؛ لأن ذلك بحاجة إلى متمم الجعل كما هو الحال في الظنون المعتبرة.

تفصيل الفائدة:
إن الاحتمال- وهو مقسم الشك والوهم والظن غير المعتبر-  له درجة من الكاشفية وليس ظلاماً محضاً؛ وكاشفيته في الظن أقوى وفي الوهم أضعف والشك بينهما، ولا يستلزم القول بوجود درجة من الكاشفية الحجيةَ شرعاً؛ فإنه بحاجة إلى متمم الجعل كما هو كذلك في الظنون المعتبرة.
ويمكن البرهنة على ذلك بالبراهين التالية:

منجّزية الاحتمال في الشؤون الخطيرة
الأول: أن الاحتمال الضعيف في الأمور الخطيرة منجّز أي موجب لاستحقاق العقاب بالمخالفة، وما ذلك إلا لأن له درجة وإن كانت ضعيفة من الكاشفية إذ لو كان غير كاشف ولو ضعيفاً لما كان وجه لاستحقاق العقاب بالمخالفة والفرض ان الواقع يتنجز بالاحتمال حينئذٍ.
لا يقال: لكنه في غير الخطيرة غير منجز؟
إذ يقال: أن ذلك لكذلك لكنه ليس لأنه لا توجد له الكاشفية الضعيفة بل لأن العقلاء لا يبنون على الكاشفية الضعيفة حياتهم فيهملونها للزوم العسر والحرج وشبه ذلك إذا ارادوا ان ينبعثوا حتى عن الكاشف الضعيف.
ويوضحه ان الكاشفية حقيقة تشكيكية ذات مراتب كمراتب النور؛ فإن نور الشمس نور ونور الشمعة نور ؛ ولكن أين هذا من ذاك؟ فالشمعة تكشف كشفاً ضعيفاً لا أنها غير كاشفة بالمرة؛ ألا ترى أنك كثيراً ما لا تستطيع أن تقرأ الحروف الناعمة على ضوئها بينما تسطيع قراءتها على ضوء الشمس؟ فهي كاشف بالكشف الضعيف لذا ترى شبح الحروف لا أنها ليست بكاشف بالمرة.
وإذا اتضح ذلك يتضح أن درجات الكاشفية منوطة بدرجات الاحتمال فكلما ضعف ضعفت حتى يبلغ درجة الواحد بالمائة وأقل بل حتى يصل إلى الصفر المطلق، وكلما قوي قويت حتى يبلغ درجة المائة والعلم كما سيأتي.

مورِثية تراكم الاحتمالات للكشف التام
الثاني: أن تراكم الاحتمالات يرتقي بالاحتمال إلى الظن ثم إذا ازداد قوة ارتقى إلى الاطمئنان فالعلم، وبذلك يبلغ منتهى درجة الكاشفية فالظن هو الاحتمال الراجح بدرجة 85% مثلاً فكلما ازداد درجة ازداد قوة حتى يبلغ مرتبة العلم وينتفي احتمال الخلاف.
ومن الواضح ان فاقد الشيء لا يعطيه وان الاحتمال الراجح الكاشف بدرجة 85% وصولاً إلى الكاشف المحض، يتركب من آحاد كلها يجب أن تكون واجدة لدرجة من الكاشفية وإلا استحال أن يكون المجموع كاشفاً، هذا إذا حوّلنا المرتبة التشكيكية إلى الكم المنفصل لإيضاح المقصد، وبه يتضح أن الأمر كذلك إذا ابقيناها على جهتها الكيفية فان الحقائق التشكيكية بكون فيها ما به الامتياز هو ما به الاختلاف فتكون المرتبة الضعيفة واجدة لدرجة من الكاشفية الضعيفة فكلما ازدادت المرتبة قوة ازدادت الكاشفية قوة حتى تبلغ منتهاها بالعلم.
ومما يوضح ذلك أكثر درجات الحرارة فان الماء يبلغ درجة الغليان عند الـ100 درجة مئوية لكن درجات الحرارة هذه تبدأ من درجة واحدة مئوية ولا ريب في انها واجدة لحرارة ضعيفة فإذا صارت درجتين قويت وهكذا حتى تبلغ المائة، ويستحيل ان تكون الدرجة الأولى فاقدة للحرارة مطلقاً وإلا لما كان للدرجتين حرارة كذلك إذ هي شديدتها فإذا كانت صفراً في الحرارة فكيف يكون مضاعف الصفر شيئاً؟ وهكذا المائة فانها مؤلفة من مائة درجة حرارية وليس من درجاتٍ لا حرارة لها وإلا كان الفاقد للشيء معطياً له وكان المؤلف من آحاد لا تمتلك ولو بوجود ضعيف حقيقةً، واجداً لها.

منجّزية الاحتمال المرجوح لدى الدوران بين التعيين والتخيير
الثالث: الاحتمال المرجوح في صورة دوران الأمر بين التعيين والتخيير في مقام الامتثال نظراً للتزاحم، فانه منجّز، كما لو احتمل ضعيفاً أن أحد الغريقين نبي والآخر عامي فان هذا الاحتمال منجز وليس ذلك لا لأن له درجة ضعيفة من الكاشفية وإلا فلا وجه لتنجيزه إذا كان الاحتمال فيه ظلاماً محضاً وجهلاً مطلقاً.
وكذلك الاحتمال المرجوح في صورة الدوران بينهما في مقام الحجية كما لو احتمل كون تقليد الأعلم متعيناً وكونه الحجة لا غير فان احتمال كون الأعلم هو الحجة لا غير موجب لتعينه للحجية أي لكون قسيمه غير معلوم الحجية فيكون هو الحجة اللازم الاتباع، سلمنا لكنه سيكون هو الحجة الراجح الاتباع، وكذا الحال لو علم بتعين تقليد الأعلم واحتمل أن هذا هو الأعلم.

الاحتمال في العنوان والمحصِّل
الرابع: الاحتمال المرجوح لدى الشك في العنوان والمحصل؛ فانه إذا تعلق الأمر بعنوانٍ[1] وجب الإتيان بمحصِّله ولو المحتمل[2] ؛ إذ به يحرَز تحقق العنوان المأمور به ومع عدمه لا إحراز، والاشتغال اليقيني بالعنوان يقتضي الامتثال اليقيني بإتيان كافة ما يحتمل كونه محصِّلاً له أو ذا مدخلية في تحصيله، فقد ترتب الأثر[3] على الاحتمال وإن كان موهوماً، كما له الكاشفية عن تحقق العنوان حينئذٍ وحصوله.

الاحتمال لدى احتمال الغرض الملزم
الخامس: الاحتمال المرجوح كلما علم بالغرض وشك في محصِّله، نظير ما سبق في الرابع لكن مع فارق أن العنوان هنالك وقع متعلَّقاً للأمر عكس الخامس؛ وذلك بناء على ان أغراض المولى الملزمة لازمة التحصيل وإن لم يأمر بها لغفلةٍ أو عجز أو مانع أو شبه ذلك ، والأمر كذلك لو احتمل وجود غرض للمولى ملزم، فإنه منجِّز حينئذٍ [4].  

الفائدة الرابعة: قد يُلغى الاحتمال حفاظاً على  سنّ  القانون وتشريعه؛ بل ولقيام بناء العقلاء في جريهم العملي والعلمي وفق الكشف الغالب عن الواقع ؛ لأن العمل على طبق الكشف الغالب أرجح من العمل بقسيمه وهو الوهم؛ وأن التوقف عنهما – الكشف الغالب والاحتمال- هو ترك للراجح وللمرجوح معاً؛ وهذا خلاف  المصلحة في  الوصول إلى الواقع ؛ فاتضح أن لا حاجة في كل حجة أن تكون تامة الكاشفية؛ فإن قيل الكشف الناقص كالعلة الناقصة لا يوجد  بها المعلول ؛ لذا فحيث لا كشف تام لا  انبعاث ؛ قلنا إن الاحتمال والظن والعلم كلها علل معدة ؛  والعلة التامة للانبعاث هي الإرادة الجدية ؛ فتمامية الكشف وعدمه أجنبي عن الباعثية ؛ لأن الباعثية قد لا تكون رغم تمامية الكاشفية؛ وقد تكون رغم ضعفها.

تفصيل الفائدة [5]:
هناك  عدة مباني ومسالك  في حجية خبر الثقة :  

الحجية بمعنى المنجزية والمعذرية أو صحة الاحتجاج
المسلك الأول والثاني: أن الحجية تعني المنجزية والمعذرية ؛ حيث إن العقلاء يرون خبر الثقة – بحدوده – منجِّزاً قطعاً ؛ أي موجباً لاستحقاق العقاب بالمخالفة إن طابق الواقع فخالفه؛ ومعذِّراً قطعاً إن لم يطابق فوافق[6]؛ ألا ترى أنهم لا يشكون في استحقاق العبد للعقاب إذا خالف الأمر الواصل إليه بحجة عقلائية متذرعاً بأنه يحتمل الخلاف؟.
وكذلك الحال لو ذهبنا إلى ان الحجية باقية على معناها اللغوي: من ما يصحّ به احتجاج المولى على عبده أو العكس إذ يرى العقلاء صحة الاحتجاج بخبر الثقة قطعاً.

الحجية بمعنى الكاشفية التامة
المسلك الثالث: أن الحجية تعني الكاشفية التامة هذا كبرى؛ وأما صغرى فخبر الثقة كاشف تام عن الواقع ولو بزعم العقلاء فيكون كالقطع[7] مما هو كاشف تام عن الواقع بنظر القاطع؛ فلا يعقل أن يحتاج في حجيته إلى جعل أو إمضاء ولو بعدم الردع؛ ولم يقل أحد[8] بحاجة القطع إلى الإمضاء ولو بعدم الردع.
وهذا المسلك - في خبر الثقة - هو ما التزمه الميرزا النائيني بنفسه؛ ونص كلامه في ذلك : (وأمّا السيرة العقلائية فيمكن بوجه أن تكون نسبتها إلى الآيات الناهية[9] نسبة الورود بل التخصص؛ لأن عمل العقلاء بخبر الثقة ليس من العمل بالظن، لعدم التفاتهم إلى احتمال مخالفة الخبر للواقع، فالعمل بخبر الثقة خارج بالتخصص عن العمل بالظن، فلا تصلح الآيات الناهية عن العمل به لأن تكون رادعة عن السيرة العقلائية القائمة على العمل بخبر الثقة؛ فإنّه مضافاً إلى خروج العمل به عن موضوع الآيات الناهية يلزم الدور المحال؛ لأن الردع عن السيرة بالآيات الناهية يتوقف على أن لا تكون السيرة مخصصة لعمومها، وعدم كونها مخصصة لها يتوقف على أن تكون رادعة عنها)[10].
فالتزامه قدس سره بالتخصص صريح في أنه يرى خبر الثقة من دائرة القطع لا الظن ؛ إذ لا يعقل بعد أن اخرجه من الظن أن يراه من الشك أو الاحتمال ؛ وكذا هو صريح قوله (لأن عمل العقلاء بخبر الثقة ليس من العمل بالظن)؛ وقوله (فالعمل بخبر الثقة خارج بالتخصص عن العمل بالظن)؛ وقوله (فانّه مضافا إلى خروج العمل به عن موضوع الآيات الناهية).
والحاصل: أنهم حيث لم يلتفتوا إلى احتمال مخالفة الخبر للواقع فهم قاطعون بالفعل ؛ وهذا حال ككل قاطع حيث لا يلتفت إلى احتمال مخالفة قطعه للواقع وإلا لما كان قاطعاً، فإذا ضممنا مسلكه ههنا إلى كبراه في المقام من أن الطريقة العقلائية:( ناشئة عن فطرتهم المرتكزة في أذهانهم حسب ما أودعها الله تعالى في طباعهم بمقتضى الحكمة البالغة حفظا للنظام) ظهر أنه لا يعقل مع الالتزام بالكبرى والصغرى القول بحاجة خبر الثقة إلى الإمضاء ولو بعدم الردع ؛ إلا لو قلنا بحاجة القطع أو الدليل القطعي إلى الإمضاء، وسيأتي إشكال على ما ذكرناه وجواب عنه بإذن الله تعالى.
ويمكن تقريب دعواه بملاحظة حال الناس؛  فعندما يخبر الأخ أخاه - مثلاً - بأن أباه قال له أفعل كذا، فإنه لو لم توجد قرينة خارجية فإنه لا يكاد يشك ولا يكاد يحتمل الخلاف ؛ بل لا يخطر بباله إلا لو وجد عامل خارجي.
نعم، نحن لا نقبل هذا المسلك؛  فإنه وإن صح في الجملة لكنه لا يصح بالجملة، ولعله يأتي نقده لاحقاً.

الحجية بمعنى الكاشفية الأعم من الناقصة
المسلك الرابع: أن الحجية تعني الكاشفية الأعم من الناقصة النوعية فتحتاج إلى متمِّم الكشف؛ وعليه فحجية مثل خبر الثقة تحتاج إلى متمِّم الكشف ؛ لأنها طرق ظنية فيحتاج إلى إمضاء الشارع ولو بعدم الردع لتتميم الكشف.

والجواب :
عدم الحاجة إلى متمم الكشف في الحجج العقلائية
أولاً : إن خبر الثقة على فرض كاشفيته الظنية عن الواقع- مما عبّر عنه بالكشف الناقص- يلزم العقلاء بالعمل به لكشفه الغالبي عن الواقع؛ ولدوران الأمر[11] بين الإلزام بالعمل به أو العمل بقسيمه وهو الوهم ؛ ولا شك أن الأرجح هو العمل بالراجح منهما دون المرجوح ودون التوقف؛ فإن التوقف إلغاء للراجح وللمرجوح معاً[12]؛ ولا وجه لإلغاء الراجح واللجوء إلى ما لا يلجأ إليه العقلاء ؛  إلا لدى الحيرة مما لا يكون إلا في صورة الشك أو مطلق ما لم يقم ظن نوعي عليه.
وبعبارة أخرى: أن خبر الثقة حجة من باب سنّ القانون، ولا يشترط في سنّ القانون أن يوجد في كل أفراده الملاك؛ ألا ترى وجوب العدة للمدخول بها وإن قطع كونها حائلاً ؟ ووجوب التوقف عند الإشارة الحمراء وإن قطع بعدم مرور سيارة في الأثناء؟
فكذلك قول الخبير وخبر الثقة ؛ فإن العقلاء يرون وجوب إتباعهما وإن شك شكاً شخصياً بل وإن ظن ظناً شخصياً بالخلاف سنّاً للقانون، فرغم أنه يحتمل الخلاف - بل يظنه - يراه العقلاء ملزَماً بإتباع ما دلت عليه الحجة لأجل سنّ القانون؛ ولا فرق لديهم في سنّ القانون بين كونه في الأحكام أو في الطرق. وحِكمة الحِكمة في بنائهم هذا وسيرتهم:  أن في ذلك -حجية كافة أخبار الثقات- إحرازاً لمصلحة الإيصال للواقع في أغلبها ترجيحاً له على مفسدة خطأها قد يحصل  في بعض الأحايين.
والحاصل: أنه لا حاجة إلى متمِّم الكشف بعد كفاية محركية الظن الغالبيّ المطابَقة بضميمة الدوران بين الراجح والمرجوح كما سبق، بل حتى من دون هذه الضميمة، فتدبر.
إشكال: لا معلول بلا علة تامة والكاشف الناقص علة ناقصة فلا بد من تتميم الكشف
لا يقال: أن الوجه في الحاجة إليه هو وجه فلسفي ؛ وهو أن المعلول لا يمكن أن يوجد إلا بعد تحقق العلة التامة ؛ إذ الشيء ما لم يجب لم يوجد ؛ والعلة الناقصة يستحيل أن يوجد معها المعلول إلا إذا سُدّت أبواب العدم من جميع الجهات فتكون كاملة حينئذٍ؛ وحيث إن الظن كاشف ناقص عن الواقع فلا يعقل أن يكون محركاً للمكلف إلا بتتميم الكشف لتتوفر العلة التامة للجري على طبقها؛ فبدون تتميم الكشف يكون الانبعاث عن علة ناقصة وهو محال.

الجواب: الظن الكاشف علة معدّة، والعلة الإرادة
إذ يقال: إن الظن الخاص ليس علة للانبعاث كي يلزم من عدم كمال كاشفيته تأثير العلة الناقصة في المعلول ليحتاج إلى تتميم الكشف لتكون العلة تامة؛ وإنما الظن علة معدة ؛ والعلة المعدة علة ناقصة لا يشترط فيها الكمال؛ بل يشترط فيها عدم الكمال وإلا كانت علة تامة لا علة معدة، هذا خلف.
بل نقول: إن العلم ليس علة تامة للانبعاث فكيف بالظن؟ ألا ترى كثيراً ممن يعلم الوجوب لا ينبعث عنه ولا يعمل به؟ فمتممية الكشف غير مجدية في حل معضلة التحول إلى علة تامة ؛ إذ غاية الأمر أن يكون كالعلم؛ والعلم علة ناقصة.
وأما العلة التامة للانبعاث وتحريك العضلات فهي الإرادة الجدية؛ وعللها المعدة هي التصور والتصديق بالفائدة ثم العزم فالجزم فتحريك العضلات الذي به يبدأ أو يتمُّ الامتثال.
والتصديق بالفائدة- الذي كان من سلسلة العلل المعدة-  هو المعتمد على إحراز الكاشفية النوعية وغالبية المطابقة؛ فإذا وجد العقلاء تلك الطرق - كذلك غالبة المطابقة-  أحرزوا الفائدة الراجحة بإتباعها والخسران الأكبر بإهمالها أو بإتباع قسيمها وهو الوهم، فعزموا فجزموا فأرادوا فتحركت عضلاتهم وانبعثوا.
نعم، لو كان الطريق - خبر الثقة مثلاً- هو العلة التامة للانبعاث لكان اللازم أن يكون تام المحركية؛  إذ كيف يكون ناقص المحركية محركاً؟ فتأمل[13].

تفسيران لتتميم الكشف:
ثم إن تتميم الكشف يمكن تفسيره بنحوين:
الأول: إلغاء احتمال الخلاف؛ إذ خبر الثقة ظني ؛ وهو يعني أن احتمال المطابقة هو مثلاً 90% واحتمال الخلاف هو 10% فيلغى العقلاء احتمال الخلاف ليكون تام الكاشفية اعتباراً، ولعل هذا هو ظاهر الميرزا النائيني.
الثاني: تنزيل الكاشف الناقص منزلة الكاشف التام ؛ وذلك بأن يقول العقلاء - أي يعتبروا-  أن خبر الثقة وإن كان كاشفاً ناقصاً عن الواقع إلا أننا ننزّله منزلة الكاشف التام[14]؛ فإذا نُزّل كان علة تامة اعتبارية فيجب - أو يقع-  الانبعاث عن العلة التامة.
والظاهر تلازمهما، إلا أن الكلام في المصبّ وأنه الأول فيلزمه الثاني، أو العكس، فتأمل[15].

متمِّم الكشف لغوٌ
وبعبارة أخرى: أن متمِّم الكشف لغو؛ إذ لا حاجة إليه مع كفاية نفس المصلحة الغالبة في الطريق للبعث ؛ ولإيجاب الإتباع وللانبعاث من غير حاجة إلى توسيط جعلٍ وإيجاد حكم وضعي[16] أو اعتباري بمتمم الكشف.
وبعبارة ثالثة: أن العقلاء يجرون عملياً على طبق خبر الثقة وينبعثون عنه بما احرزوه فيه من كونه غالب الايصال للواقع ؛ ولا يجدون حاجة لتتميم الكشف واعتبار الظن كالعلم أو اعتبار احتمال الخلاف كالعدم ؛ ولا يرون توقف انبعاثهم عنه وكونه مقتضى الحكمة على جعلٍ متوسطٍ منهم للحجية أو تتميمها؛ فإنه وإن مكنهم ذلك إلا أنه لا حاجة إليه، فدعوى توسيطهم متمم الكشف بلا وجه.

والدليل الوجدان
ويدل على ذلك الوجدان؛ ألا ترى ان الثقة لو اخبرك بخبر كمجيء والدك من السفر فإنك وإن احتملت فيه -كأي خبر آخر-  الخطأ؛ ولكنك تنبعث عن نفس الظن بمطابقة الخبر للواقع من دون أن ترى حاجة لأن تتمم الكشف وتقول - ولو في قرارة نفسك- إن هذا الخبر يحتمل فيه 10% مخالفة الواقع؛  فيجب عليَّ إلغاء هذا الاحتمال كي يمكنني الانبعاث [17]! أو تقول: يجب عليَّ أن ألاحظ هل تمم العقلاء الكشف أو لا : حتى انبعث! ، بل الانبعاث عنه فطري كما سبق.
أو تقول: إن هذا الخبر ظني فيجب علىَّ أن أنزّله منزلة العلم أولاً كي يمكنني الانبعاث ؛ أو على العقلاء ذلك ؛ وأنه لو لم يُتمَّم الكشف لما امكنني الانبعاث أو لقبح عليَّ.

وباعثية الاحتمال دليل آخر
ومما يؤكد ذلك بل يدل عليه: باعثية الاحتمال في العديد من الصور التي أشرنا إلى مجموعة منها سابقاً[18]؛ فإنه لو احتمل 20% كون هذه التجارة مربحة ربحاً بالغاً [19] فلا شك في أن هذا الاحتمال باعث - وإن كانت حيثية كون متعلّقه شأناً خطيراً مثلاً حيثية تقييدية- وهو لم يُتمَّم كشفه بإلغاء احتمال الخلاف؛ أي الـ80%  ، أو أنه نزّل الـ20% منزلة الـ100%.
والحاصل: أن عدم كون العلم علة تامة للانبعاث رغم تمامية كاشفيته من جهة؛ وكون الاحتمال علة معدة للانبعاث بدون تتميم لكاشفيته - بل والاكتفاء به فيه[20]- من جهة أخرى؛ يدلّان على ان تتميم الكشف وعدمه أجنبي عن الباعثية بل انها[21] قد لا تكون رغم تمامية الكاشفية وقد تكون رغم ضعفها، فتدبر وتأمل.

متمِّم كشف الحجج العقلية هو العقل نفسه
ثانياً: سلمنا[22] ؛ ولكن متمِّم كشف الحجج العقلية هو العقل نفسه؛ فكما رأي العقلاء بما هم عقلاء - مما يعود لإدراك العقل أو حكمه كما سبق-  طرقاً ككواشف عن الواقع ومشوا عليها؛ فإنهم يتمِّمون كشفها أيضاً من غير توقف على تتميم الشارع؛ ألا ترى أنهم يمشون عليها مطمئنين سواء أوجد الشارع أم لا، أعلموا به أو لا، وكان بمتناولهم السؤال منه أو لا؟ ولذا لا نجد العقلاء سألوا الرسول والأئمة (عليهم السلام) عن حجية خبر الثقة المخبِر عن أحكامهم وأقوالهم (عليهم السلام) ؛ وما ذلك إلا لقطعهم بأنه هو الطريق الكاشف التام [23]،أو لتتميمهم الكشف ووضوحه لديهم بالبداهة العقلية بحيث لم يجدوا حاجة أبداً للسؤال عن حجيته؛ بل الواقع في الروايات هو السؤال عن الصغرى الذي يؤكد ارتكازية الكبرى لديهم وغنائها عن السؤال وتقرير الإمام عليه السلام؛ بل بناؤه على ما قاله السائل مؤكد لارتكازهم؛ فلاحظ مثلاً قوله "قَالَ: قُلْتُ لَا أَكَادُ أَصِلُ إِلَيْكَ أَسْأَلُكَ عَنْ كُلِّ مَا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَعَالِمِ دِينِي، أَفَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثِقَةٌ آخُذُ عَنْهُ مَا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَعَالِمِ دِينِي؟ فَقَالَ: نَعَمْ [24].
ولاحظ تفريعه عليه السلام الأخذ عنه على كونه ثقة في (الْعَمْرِيُّ ثِقَتِي فَمَا أَدَّى إِلَيْكَ عَنِّي فَعَنِّي يُؤَدِّي)[25] مما يظهر منه مفروغية مدارية الوثاقة[26].

بحث تطبيقي:
إن العقلاء حيث لاحظوا خطورة المحتمل بنوا على حجية قول الأعلم فقط؛ لأنه الأقرب للإصابة والأبعد عن احتمال الخطأ، فلو فرض أن احتمال الخطأ في الأعلم هو واحد بالمائة، واحتماله في المفضول هو اثنان بالمائة، فإن واحداً بالمائة الزائد في قول غير الأعلم منجزّ؛ لأن المحتمل خطير وإن ضعف الاحتمال؛ لذا يجد العقلاء في ارتكازهم لزوم تقليد الأعلم.
ثم إن سببَ حكم العقل والعقلاء بالاحتياط- ومطلق وجوب فعل أو ترك والزاميته ومنشأَه، وإن لم يكن في البين إلا الاحتمال وتعد مستنداً لإصالة الحظر-  هو أحد الأمور التالية:

الأمر الأول:  تعلق الأمر بالعنوان والنتيجة والمعنى الاسم المصدري مما اصطلح عليه بالعنوان والمحصّل؛  فإذا تعلَق أمر المولى بالعنوان  ـ كما في ما ذكره الشيخ من تعلق الأمر في الغسل بالطهارة الحاصلة من هذه الأفعال لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا... ﴾[27] ـ وجب الاحتياط في محصِّله، فكل ما شك في كونه جزءاً أو شرطاً للمحصّل ـ وهو الغسل ـ وجب الإتيان به؛ إذ الاشتغال اليقيني بالعنوان يستدعي البراءة اليقينية منه، ولا يحصل اليقين بالبراءة إلا باليقين بحصول العنوان، ولا يحصل اليقين بحصوله إلا بالإتيان بكافة محتملات وشرائط وأجزاء محصِّله.
هذا في عالم الأصول، وأما في عالم الأدلة فالأمر كذلك إذا كان المستند هو بناء العقلاء ونظائره، فإنهم إذا وجدوا الأمر متعلقاً بالعنوان بنوا على لزوم اتباع الطريق الأقرب للواقع، والأبعد عن احتمال الخطأ في الإيصال للعنوان المأمور به، وهو الأعلم في مورد البحث، كما بنوا على لزوم الاحتياط في محصّله، والفرق بينهما أن أحدهما محصل ثبوتي والآخر كاشف وموصل إثباتي، فتأمل.

الأمر الثاني: إحراز غرض المولى أو محتمله ؛ فإنها وإن لم تقع متعلَّقاً للأمر إلا أنه يجب على العبد تحصيلها مادام لم يصله من المولى ما يرفعها عن عهدته ويؤمنه من جهتها؛ ولذا وجب على العبد المسارعة لإنقاذ ابن المولى إذا سقط في البئر حتى إذا لم يأمره المولى بذلك لعدم علمه به أو لشبه ذلك، وحينئذٍ فكلما احتمل مدخليته في تحصيل هذا الغرض وجب الإتيان به كي يحرز تحقيق غرض مولاه الملزم، بل إنّه حتى لو احتمل سقوط ابنه في البئر وجب أن يحتاط بالفحص، وإذا لم يمكنه الفحص وجب أن يسارع لما يحتمل أن به نجاته على فرض سقوطه فيها.
والحاصل: إن احتمال وجود غرض ملزم للمولى منجِّز لولا المؤمِّن، وهو ما نبحث عنه.

الأمر الثالث: حق الطاعة ؛ إما لكون مَن يحتمل صدور الأمر منه مولى حقيقياً فيكون وجوب طاعته لازماً ذاتياً لمولويته[28]، والمولى الحقيقي هو الخالق جل اسمه ؛ أو لأنه منعِماً وإن لم يكن مولى حقيقياً.
ووجه كون الاحتمال منجزاً أو ملزماً ـ وإن كان ضعيفاً ـ أن الموالي العرفيين حيث كانت مولويتها بالدرجة النازلة أمكن القول بأنه لا يجب امتثال أوامرها إلا لو وصلت بالعلم أو العلمي، أما وصولها الظني  ـ بالظن المطلق غير المعتبر  ـ أو الاحتمالي فلا، وأما المولى الحقيقي وكذا المنعِم علينا بما لا يحصى من النعم فإن حقه أعظم من أن نهمل أوامره المحتملة، بل يُلزمنا العقل والعقلاء بتحرِّي مواطن رضاه وتجنب محالّ بغضه وإن وصلت إلينا بالاحتمال.

الأمر الرابع: حق المملكة وهو غير الأوَّلين ؛ فإن مَن يعيش في ملك غيره[29] لا يجوز له أن يتصرف فيه بأي نحوٍ من أنحاء التصرف إلا بعد إحراز رضاه، وإن لم يكن صاحب الدار ـ والمملكة ـ مولى له ولا منعماً عليه بأية نعمة[30].
والحاصل: إنه لا يكفي أن يحتمل رضاه بتصرفه في ملكه، بل لا بد من إحرازه رضاه، فكلما احتمل عدم رضاه حرم التصرف، إلا لو وسّع المولى فنزّل الظن[31] منزلة العلم، أو جعل الأصل جواز التصرف إلا لو قام دليل على العكس، وهذا هو ما سنبحثه عند التطرق للآيات والروايات التي أقاموها على حجية قول غير الأعلم، فإن تمّت فإنها الحجة من قبل المولى، وإلا فلو كنّا وبناء العقلاء فإنه لا يجوز أي نوع من التصرف في ملك الغير إلا بإحراز إذنه، عبر ما أحرز أنه من طرقه وحججه تأسيساً أو إمضاءً.
وحيث كان الأعلم أقرب للإصابة وأبعد عن الخطأ ولو بنسبة واحد بالمائة وجب اتباعه، وحرم اتباع المفضول إذا كان ملاك حجية قولهما الطريقية المحضة  ـ كما هو كذلك  ـ وكان غير الأعلم أقرب للخطأ وأكثر خطأ [32].

الأمر الخامس: خوف العقوبة البالغة أو مطلقاً؛ فإن العبد لو خاف أو لو احتمل العقوبة بمخالفته الأمر الواصل بالاحتمال وجب التحرز عنها عقلاً، إلا لو وُجِد مؤمّن من قبل المولى، والفرض أن الكلام عمّا قبل المؤمّن الشرعي، فإذا احتمل العقلاء العقوبة حكموا بمنجزية الاحتمال، إلا لو وصلهم مؤمن، وهو ما نبحث عنه للتخلص عن أصالة الحظر.
والفرق بين الخوف والاحتمال هو أن الأول حالة نفسية، والثاني أمر عقلي،  أي: الأول قائم بالنفس، والثاني بالعقل أو الفكر، والنسبة التباين مفهوماً والعموم من وجه مصداقاً.
والفرق بين الخامس وما سبقه: أن خوف العقوبة منجز للتكاليف على فرضه، أي: إنه موجب لاستحقاق العقاب بالمخالفة، أما حق الطاعة وحق المملكة فهي ملزمة من دون ضرورة لأن تكون منجزة؛ إذ التنجيز يعني اصطلاحاً استحقاق العقاب بالمخالفة في مقابل الأعذار .
أما حق الطاعة والمملكة فإنه ملزم حتى مع قطع النظر عن استحقاق العقاب، فلو فرض أن لا عقاب ـ لعدم قدرة المولى عليه أو لغير ذلك ـ فإنه لا يُسقط ذلك حق المولى ووجوب إطاعته مادام مولى حقيقياً، أو منعِماً له حق الطاعة، أو مادام المكلف في مملكته.
فهذه وجوه أربعة تصلح مستنداً لوجوب الاحتياط ولأصالة الحظر في الأفعال غير الضرورية قبل الشرع[33]، فإذا تمت الكبرى ضمت صغرى المقام، وهي: إن رأي الأعلم أقرب للواقع، ورأي المفضول أقل قرباً، فبه إحراز أقوى لأغراض المولى،  ويقتضي حق الطاعة وحق المملكة اتباعه تعييناً لأقربيته للطاعة والامتثال، واحتمال العقوبة فيه أقل؛ لاحتمال مخالفته الواقع، بل لا احتمال فيه؛ لفرض كونه الأعلم (مع عدم كونه مقصراً في المقدمات) إنما الاحتمال في المفضول، فيحرم اتباعه.

الجواب العام[34] لا أقربية لرأي الأعلم
وقد يجاب عن الوجوه الخمسة السابقة بوجوه خاصة، وقد يجاب بوجه ـ أو أكثر ـ عام ـ وقد مضى بعضها[35] ـ  فلنبدأ بالوجه العام فنقول: إن مبنى الوجوه الخمسة السابقة هو أن رأي الأعلم أقل خطأً من غيره، وأنه الأقرب للإصابة؛ ولذا اقتضى حق الطاعة وحق المملكة تعيينه، كما اقتضاه أقوائية احتمال العقوبة، والغرض أيضاً اقتضاه؛ لأن رأي الأعلم أكثر إحرازاً له، وأقرب للإيصال إليه، بل وحتى العنوان والمحصل؛ لأنه أقرب من حيث محصليته للعنوان.
وحينئذٍ يكون الجواب تارة بإنكار الصغرى وأخرى بإنكار الكبرى، أما إنكار الكبرى فسيأتي في ضمن ذكر (الأقربية) كدليل مستقل على تعيّن تقليد الأعلم.
وأما الصغرى فقد يقال: إنه لا إطلاق لكون الأعلم أقرب للإصابة من المفضول، ولا تعلم الأقربية في بعض الصور ؛ وعليه فهما سيان من حيث الأقربية للواقع.
قال شريف العلماء في تقريرات أصوله[36]: (إن المقلّد إذا تتبّع أقوال القدماء والسلف يجد كثيراً منهم موافقين للأدون في الفتوى وهم أعلم من هذا الأعلم المقابل لهذا الأدون، فبعد ملاحظة تلك الموافقة لم يحصل الوصف من قول الأعلم [37].
أي: لم يحصل كون فتوى الأعلم أقرب إلى الواقع[38].
وتوضيح كلامه مع بعض الإضافات: إنه لو قصرنا النظر على ملاحظة رأي الأعلم والمفضول فقط لكان لما ذكر وجه، لكنه ليس بصحيح؛ إذ إنه إذا كان الملاك الأقربية للإيصال للواقع، فيجب أن نلاحظ الصورة الكلية بعد الكسر والانكسار، أي: مجموع أقوال العلماء على مر التاريخ؛ إذ لا يكون الأعلم أقرب للإصابة لو خالفه رأي الأعلم من الأموات، بل يكون رأي المفضول المطابق لرأي الأعلم من الأموات ـ أي: الأعلم من هذا الأعلم الحي ـ هو الأقرب للإصابة.
والحاصل: إنه لا موضوعية لرأي الأعلم، بل تعيُّنه إنما هو لطريقيته وأقربيته، ولا إطلاق لكون رأي الأعلم أقرب، بل لا يكون أقرب إلا لو لم يخالفه الأعلم منه من الأموات، ونضيف: أو الأعلم من غير العدول أو من غير الذكور أو من غير الأحرار،  فإنه على الطريقية وكون الملاك الأقربية فإنه لا فرق في الأقربية بين كون القائل رجلاً أم امرأة عادلاً أم فاسقاً. نعم، حيث دل الدليل النقلي على اشتراط هذه الشرائط تعينت في المقلَّد، لكن حيث يريد المكلف تقليد الجامع للشرائط كلها ـ ومنها الذكورة ـ إلا الأعلمية فإنه لو طابق رأي المفضول رأي الأعلم من الأعلم القسيم له، وإن كان فاقداً[39] للشرائط، فإن رأي المفضول يكون أقرب للإصابة أيضاً، وحيث جَمَع سائر الشروط كالعدالة والذكورة و... تعيّن تقليده، وحيث[40] جُهِل مطابقة أي منهما ـ الأعلم والمفضول ـ للأعلم من الأموات فكما يحتمل كون هذا مطابقاً احتمل كون ذاك مطابقاً، فلا نعلم أقربية رأي الأعلم  ولا المفضول؛ لذا يتخير المكلف بينهما، أو يتساقطان على رأي مَن يقول بالتساقط، وعلى أي فهما سيان ولا ترجيح للأعلم الحي على المفضول.
هذا كله إضافة إلى وجه كبروي لنفي منجزّية الاحتمال[41] على كل الوجوه الأربعة - أو الخمسة السابقة - وإجماله: إلحاقه بالوهم الملغى لدى العقلاء حتى في الشؤون الخطيرة، وإن احتمال الخطأ في هذه المسألة لدى المفضول وإن كان ظاهراً هو واحد بالمائة، لكنه لدى التحقيق يرجع إلى الواحد بالمائة ألف (مثلاً) وهو احتمال نادر لا يعبأ به حتى في الشؤون الخطيرة جداً، حتى مثل احتمال الموت[42].

 

-----------------

* هذه المباحث الاصولية تجميع لما طرحه سماحة السيد في مختلف كتبه وبحوثه، قام باعدادها وجمعها و ترتيبها مشكوراً فضيلة الشيخ عطاء شاهين وفقه الله تعالى

[1] كالتطّهر على ما ذكره الشيخ.
[2] أي كلما احتملت مدخليته في تحصيله، أو فقل كل ما كان ذا مدخلية -ولو احتمالية- وجب تحصيله.
[3] وهو وجوب الانبعاث.
[4] مباحث التعارض: الدرس 224- 245.
[5]  هذه الفائدة مستلة ومستخرجة من ثنايا  هذا  البحث ؛ لأن  الكلام في هذا البحث  منصب عليها بالعارض.
[6] وهذا المسلك اختاره الآخوند قدس سره .
[7] بل هو منه على ظاهر هذا المسلك.
[8] أي من الأصوليين وإن نسب إلى بعض الاخباريين.
[9] عن إتباع الظن، كـ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ سورة الإسراء: آية 36. و﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ سورة النجم: آية 28.
[10]  فوائد الأصول:  ج3 ص161-162.
[11] هذه حكمة بنائهم على العمل به بالخصوص، ليكون حجة من باب الظن الخاص لا المطلق. فتدبر
[12] وإن طابق أحدهما عملاً.
[13] إذ تمامية المحركية لا تتوقف على تمامية الكاشفية كما سبق.
[14] وهو العلم.
[15] بحث التعارض : الدرس 193.
[16] هو الحجية أو الطريقية.
[17]أو كي انبعث.
[18] كالاحتمال في الشأن الخطير، أو في أطراف العلم الإجمالي، أو في العنوان والمحصّل وغير ذلك.
[19] من غير ضرر كي لا يدخل في باب التزاحم أو معه إذا غلبه احتمال الربح احتمالاً أو محتملاً.
[20] بالاحتمال في الانبعاث.
[21] الباعثية.
[22] بأن الحجية - على المسلك الرابع- بحاجة إلى متمم الكشف.
[23] حسب مسلك الميرزا .
[24] وسائل الشيعة: ج27 ص147.
[25]  الكافي: ج1 ص329.
[26] بحث التعارض:  الدرس 192.
[27]  سورة المائدة: 6.
[28] المراد بالذاتي هنا أنه ليس باعتبار معتبر ولا بجعل جاعل، لا ذاتي باب البرهان.
[29] ومثاله المبسّط: مَن دخل داره غيره.
[30] بل وإن كان وجوده في داره بلا اختيار منه ـ بأن سجنه ظالم في دار غيره ـ فإنه في غير التصرفات اللابدية الضرورية لا يجوز له التصرف إلا بإذن مالك الدار.
[31] الظن برضاه، رغم احتماله الخلاف.
[32] وينبغي أن لا يتوهم أن حق الطاعة وحق المملكة في طول الأخريات لا في عرضها، وإن كان في بعض الصور في طولها، فتدبر جيداً.
[33] وأما أولها ـ وهو تمام الخمسة ـ فالمفروض فيه أنه بعد الشرع.
[34] عن الوجوه الخمسة (بل الأربعة) السابقة بعد افتراض أقربية نظر الأعلم للإصابة، وأبعديته عن الخطأ.
[35] من الأجوبة العامة والخاصة.
[36] كما نقل عنه السيد العم في بيان الفقه : ج2ص 17 ـ18.
[37] تقرير بحث شريف العلماء : ج 2ص 382، مخطوط.
[38] بيان الفقه : ج2ص 18.
[39] أي: الأعلم من الأعلم.
[40] وهنا محل كلام شريف العلماء.
[41] أي: حتى على فرض كون احتمال الخطأ في الأعلم أقل واحتمال إصابته أقوى.
[42] تقليد الأعلم : ص65 ، مع بعض التصرف.

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : 21 ربيع الأول 1440هـ  ||  القرّاء : 79



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net