||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  
إتصل بنا         


  




 98- (المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) مؤسسات المجتمع المدني في منظومة الفكر الإسلامي-11 دور المؤسسات الربحية في بناء المجتمع المدني

 186- مباحث الاصول (مبحث الاطلاق) (4)

 165- ضرورة التزام منهج التحقيق الموسع والتدقيق

 14- بحث رجالي: عن الغضائريين والكتاب المنسوب اليهما

 93- فائدة قرآنية تفسيرية :كيف كانت نظرة إبراهيم (عليه السلام) إلى النجوم؟

 243- التحليل القرآني لروايات مقامات المعصومين (عليهم السلام)

 174- مباحث الأصول : (مبحث الأمر والنهي) (3)

 53- (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) 1- إنماط العلاقة بين مجاميع (السائلين) وجماعة (أهل الذكر) 2- الطريق السالك إلى الجنة إتباع (أهل البيت) لأنهم (أهل الذكر) دون ريب

 38- الجواب الحادي عشر إلى الرابع عشر عن شبهة: لماذا لم يذكر الله تعالى إسم الإمام علي عليه السلام في القرآن الكريم؟

 دراسة في كتاب "نسبية النصوص والمعرفة ... الممكن والممتنع" (12)



 استقرار العراق وتقدمه هدفان لا تراجع عنهما

 السابع عشر من ربيع الأول انبلاج نور النبوة الخاتمة في مكة المعظمة

 التشيّع مصان ومحفوظ بقوّة غيبية والتشكيك والمعادي مصيرهما الخيبة والزوال

 رزايا العنف وغلق قنوات الحوار



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 المرابطة في زمن الغيبة الكبرى (المقدمات ، المتقدمات ، المُمَهِّدَات ، المسؤوليات)

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

 204- مناشئ الانحراف والضلالة : الغرور والاستعلاء والجهل الشامل

 فقه الرشوة

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية

 حجية مراسيل الثقات المعتمدة - الصدوق و الطوسي نموذجاً -

 205- مناشيء الانحراف والضلال : المؤامرات الدولية على الاديان والمذاهب وموقع مراكز الدراسات وبلورة الرؤى في المعادلة

 203- محاكمة اسلحة الفرق الضالة : الايحاء المغناطيسي والخدع العلمية ومغالطة الكبرى والصغرى



  • الأقسام : 65

  • المواضيع : 2962

  • التصفحات : 3769685

  • التاريخ : 21/02/2018 - 01:33

 
 
  • القسم : الفوائد والبحوث .

        • الموضوع : 246- مباحث الاصول: (الحجج والأمارات) (4) .

246- مباحث الاصول: (الحجج والأمارات) (4)
18 جمادى الأولى 1439هـ

مباحث الاصول: (الحجج والأمارات)

جمع واعداد: الشيخ عطاء شاهين*

الفائدة التاسعة : تنقسم الحجة الشرعية إلى شأنية واقتضائية وفعلية؛ حيث إن الدليل تارة يكون  مجرد من هذه الثلاثة وإن رآه العرف حجة، وأخرى يكون له الحجة الشأنية ، وثالثة يكون له الحجة الشأنية واللاقتضائية، ورابعة يكون له الحجة الشأنية والاقتضائية الفعلية؛ وهنا ويصبح الدليل تام الاحتجاج  به.

تنقسم الحجج[1]- أو محتملاتها[2] - حسب التحقيق إلى أربعة أقسام:
القسم الأول :  ما لا حجية شأنية له، بنظر الشارع وإن رآه العرف أو بعضهم بأنه حجة؛ وهذا كالقياس والأحلام ونظائرها،  فإنها لا حجية لها في دائرة أحكام الشرع حتى بالاقتضاء البعيد الذي عبرنا عنه بالشأنية.
القسم الثاني : ما له الحجية الشأنية دون الحجية الاقتضائية والفعلية ؛ وهذا كخبر الثقة المعارَض بالمكافئ - أو الراجح أو المرجوح-  بناءً على مسلك عدم شمول أدلة الحجية للمتعارضين.
القسم الثالث : ما له الحجية الشأنية والاقتضائية والفعلية ؛ وهذا فهو ككل دليل تمت أدلة حجيته من غير معارض أو مانع كخبر الثقة غير المعارض ولا المعرَض عنه ولا المبتلى بجهته[3] وغير ذلك.
القسم الرابع : ما له الحجية الشأنية والاقتضائية دون الفعلية ؛ وهذا فهو كالخبر المعارَض بناء على شمول أدلة الحجية للمتعارضين والقول بالتساقط بعدها.
والمراد بالحجية الشأنية وعدمها الاقتضاء وعدمه الثبوتي، وبالحجية الاقتضائية الاقتضاء الإثباتي،  أي دلالة الدليل على حجية أمرٍ الأعم من وجود مانع وعدمه، وأما الفعلية فهي مجمع الشأنية ودلالة الدليل على الحجية – إثباتاً - مع عدم معارضٍ أو مانع، ولك أن تعبر عن الشأنية بالاقتضاء البعيد وعن الاقتضائية بالاقتضاء القريب فهما طوليان مترتبان[4].
 
الفائدة العاشرة : أن محور البحث في علمي الأصول والفقه يدور حول أربعة أمور : المكلَّف والمكلِّف والتكليف والحجة؛ والرابع هو ما يناسب موضوع علم الأصول وتعريفه؛  سواء قلنا بأن (الحجة) هي الكاشف عن الحكم،  أم هي المنجز والمعذر،  أم هي الأوسط في القياس ، أم هي ما يحتج به المولى على عبده، وبالعكس، أم هي ما يلزم إتّباعه، أم غير ذلك من التعاريف المختلفة للحجة؛ فالحكم الشرعي وإن كان المقصود في كلا علمي الفقه والأصول، إلا أنه من حيث قيام الدليل عليه يكون هو محط نظر الأصولي، ومن حيث تعلقه بالمكلف يكون محط نظر الفقيه.
في كل تكليف  يوجد أمور، وهي : المكلَّف ، والمكلِّف،  والتكليف[5]،  والحجة عليه أو الدليل ،  وأن التكليف  يتوقف على بعضها ثبوتاً وعلى بعضها إثباتاً ـ في مرحلة تنجزه[6] ـ فإنه يمكن أن يجعل كل واحد منها هو المنطلق والمدخل لمباحث الأصول والفقه، وقد يكون بعضها موضوعاً[7]، فهو مبدأ تصوري وقد يعد مبدءاً تصديقياً ، فمحور البحث  يدور حول  هذه الأربعة :

المحور الأول: المكلَّف ، وهو ما صنعه الشيخ الأعظم قدس سره حيث قال: (أعلم أن المكلَّف إذا التفت إلى حكم شرعي...)؛ ولكن الظاهر أن البحث عن المكلَّف وحالاته النفسية وصفاته-  ولو كانت بالقياس للحكم الشرعي - يعدّ من المبادئ التصديقية لعلم الأصول، وينبغي أن يبحث عنه في علم سابق كعلم الكلام.
نعم،  على ما حررناه في محله[8] فإن المبادئ التصديقية تعد من أجزاء العلوم، بل على العدم يصح أيضاً الاعتماد عليها في العلم اللاحق.

المحور الثاني: المكلِّف ؛ هو بأن يقال: (أعلم أن المكلِّف بحكم شرعي إما أن يجعل إليه طريقاً تاماً أو ناقصاً أو لا يقيم طريقاً عليه،  أو  إما أن يقيم عليه حجة أو لا ، أو  إما أن يشترط العلم أو العلمي مثلاً في تنجز تكاليفه أو لا.[9]
ولكن هذا هو الأنسب بعلم الكلام دون الأصول أو الفقه، فإنه الباحث عن المبدأ جل اسمه، وأحواله وأفعاله.

المحور الثالث: التكليف ؛ وجعل المصب هو التكليف أو الحكم هو ما انتخبه السيد الوالد قدس سره حيث بدء بحث القطع بـ(الحكم له واقع، قد يكشفه الإنسان وقد لا يكشفه..). وعليه ينبغي أن يقال: (أعلم أن الحكم الشرعي إذا التفت إليه المكل فإما...) أو (الحكم الشرعي، إما أن تقوم عليه الحجة أو لا).
ولكن هذا لعله الأنسب بعلم الفقه فهو الباحث عن أحكام أفعال المكلفين وغيرها[10] تكليفية كانت أو وضعية ، فتأمل[11] .

المحور الرابع: الحجة؛ فقد يكون الأوفق بعلم الأصول جعل  الحجة – أو الدليل - هو المحور ؛ وذلك بأن يقال:  ( أعلم أن الحجة – أو الدليل -   على الحكم الشرعي قد يكون قطعياً وقد يكون ظنياً بالظن المعتبر، وقد لا يكون)، أو (قد يكون قطعياً أو ظنياً، أو مشكوكاً فيه) أو (إما أن يكون طريقاً تاماً، أو مما يحتج به لذاته، أو ناقصاً ومما يحتج به بعد اعتبار الشارع له، أو لا يكون طريقاً ولا مما يحتج به لدى الشارع كالقياس.
وهذا هو المنسجم مع موضوع علم الأصول ومع تعريفه، وذلك سواء صرنا إلى أن الحجة هي الكاشف عن الحكم،  أم هي المنجز والمعذر،  أم هي الأوسط في القياس ، أم هي ما يحتج به المولى على عبده، وبالعكس،  أم هي ما يلزم إتّباعه،  أم غير ذلك من التعاريف المختلفة للحجة والمباني حولها.
فمصب مباحث الأصول هو الحجة، وهي ذات تعلق بالمكلَّف لكونها حجة عليه ، كما لها تعلق بالحكم لكونها الطريق إليه أو المنجز له.
وهذه المحاور الأربعة اجتمعت في قوله تعالى : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا﴾[12] و ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾[13] ؛ ذلك أن  الله تعالى هو (المكلِّف)، و﴿ نفساً﴾ هي (المكلَّف)، و﴿ وسعها﴾ أو ﴿ما آتاها﴾ هو (التكليف)[14]؛ فإن (يكلف) متعد إلى مفعولين[15] ومتضمن لهما التكليف والمكلَّف.
وقد فصلنا في بحث آخر المراد من الموصول في ﴿ما آتاها﴾ وأنه (التكليف) أو الأعم منه ومن (الذات) و(الفعل).
كما فصلنا أن ﴿ما آتاها﴾ قد يراد به (ما آتاها قدرته) فتكون الآية إشارة لعالم الثبوت، وكون القدرة من الشرائط العامة للتكليف، فلو لم يؤتِ القدرة فلا تكليف إنشاءً وفعليةً.
وقد يراد به (ما آتاها علمه) فتكون إشارة لعالم الإثبات، ويكون مفادها مفاد حديث الرفع، فلو لم يؤتِ العلم فلا تنجز للتكليف.
كما يحتمل إرادة الأعم منهما، وعلى التقديرين الأخيرين، فالآية مشيرة للدليل على التكليف أيضاً، وهو موضوع علم الأصول.
كما أن الآية الشريفة بنفسها حجة ودليل على ثبوت التكليف وتحققه، وعلى بعض شرائطه العامة ، وعلى أي تقدير، فإن (التكليف) و(المكلَّف) هما المتعلَّق لموضوع علم الأصول[16].
ثم إن من وجوه المحور الأول أنه المخاطَب  والمجعول بعهدته التكليف، ومن وجوه الثالث أنه المجعول بالعهدة وأنه المقصود بالذات من البحوث.
والحق أن علم الفقه محوره التكليف ، وعلم الأصول محوره الحجة أو الدليل على التكليف ؛ إذ يبحث في الفقه عن وجوب كذا وحرمة كذا، وفي الأصول عن الأدلة المشتركة العامة عليها.
وقد يقال: لعل الأوفق[17] في علم الفقه جعل (المكلف) هو المحور   كما صنعه الشيخ إذ جعل المكلف هو المحور في مدخل الأصول، ولعله بلحاظ مقدميته للفقه أو بلحاظ كون المكلف هو مخاطب الأدلة الشرعية، وهو طرف خطاب الأصولي والفقيه، و أما الأوفق في علم  الأصول جعل (الحكم) هو المحور  كما صنعه الوالد، ولعله بلحاظ كونه العلة الغائية للأصول، وكون الأصول باحثاً عن الأدلة على الحكم؛ ولوجوه أخرى ستأتي.
وأما وجه الأوفقية: لأنه يبحث في الفقه عن (المكلَّف) من حيث أحكامه الشرعية، أو فقل (فعل المكلف)[18] من جهتها؛ فإنه موضوع علم الفقه[19]، وقد بيّنا في موضع آخر أن موضوع الفقه، أعم[20].
بالإضافة إلى أن موضوع علم الأصول هو الأدلة الأربعة بذواتها ،  أو بوصف دليليتها، أو هو الحجة [21] ، ومتعلق هذه هو الحكم؛ فإن (الأدلة) أدلة على الحكم، وكذا الحجة.
ولكنه يمكن العكس لوجوه واعتبارات أخرى تظهر مما سبق وسيأتي؛ فإن الأدلة الأربعة أدلة على المكلف، والفقه باحث عن الأعراض الذاتية له ولأفعاله، وهي الأحكام؛ ولأن تعريفه هو (ما يبحث فيه عن القواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية) حسب تعريف القدماء، أو (القواعد التي يمكن أن تقع في طريق الاستنباط أو التي ينتهي إليها الفقيه في مقام العمل) كما ذكره الآخوند قدس سره، ومتعلق (القواعد) أو مؤداها هو (الحكم)[22].
وحيث كان مصب القواعد أولاً وبالذات هو الحكم كان الأنسب جعله هو المحور للأصول[23]؛ فإن حديث الأدلة الأربعة عن (الحكم الشرعي) إما مباشرة كـ(ما أسكر كثيره فقليله حرام) و﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾[24] و﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً﴾[25]، أو بتوسط توجيه الخطاب (للمكلف)؛ فإنه بلحاظ ما عليه من (التكليف) بفعل من الأفعال كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾[26] و﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾[27] و﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾[28][29] .
نعم، قد يكون (التكليف) أحياناً صفة من الصفات كـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[30] فإن الصبر صفة نفسية، ثم تتجلى على الجوارح، والصابر هو مَن يتصف بحبس النفس عن إظهار الجزع[31] وهي حالة باطنية.
 و ﴿يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا﴾[32] معناها ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ في الظاهر ﴿آمِنوا﴾ إيماناً قلبياً واقعياً ﴿بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [33] و﴿ يا أيها الذين آمنوا﴾ بألسنتهم وظاهرهم ﴿آمنوا﴾ بقلوبكم وباطنكم [34].
وقد يقال: إن أمثال هذه تعود إلى الأفعال؛ فإن التكليف بها أيضاً - بل مطلق التكليف بالصفة-  يعود للتكليف بالفعل؛ لأنها غير مقدورة، وهو  المقدور، وإن صح مسامحة إطلاق التكليف عليها،  والمراد بـ(المسامحة) بنظر العقل والدقة وليس بنظر العرف؛ ولذا لم يكن التكليف بالصفة مجازياً عندهم كقوله (كن حليماً) أو (راضياً بقضاء الله) أو ما أشبه.
ولكن الحق أن المقدور بالواسطة مقدور، فالتكليف به حقيقي من غير حاجة إلى إرجاعه إلى التكليف بالأفعال من مقدماته، فليس التكليف بـ(اصبروا) يعني افعلوا فعل الصابرين أو فعلاً يدل على الصبر، بل يعني (تحلوا) بهذه الصفة، ولعل الظاهر إفادته الأعم[35] أو يختلف بحسب اختلاف الموارد نظراً لما هو المحصِّل للغرض، وعلى أي فإن ذلك لا يضر بالمقصود.
فإن الجامع هو أن المحور هو (الحكم) و(التكليف) سواء تعلق بفعل أم بصفة وهو المقصد والغاية لعلم الأصول، و(الحجة) أو (الأدلة الأربعة) هي الطريق لهذه الغاية والموصِل أو الكاشف؛ إذ لا موضوعية لها كما لا يخفى.
والتحقيق : أن الحكم الشرعي هو المقصود والمطلوب في كلا علمي الفقه والأصول، إلا أنه من حيث قيام الدليل عليه يكون هو محط نظر الأصولي، ومن حيث تعلقه بالمكلف، يكون محط نظر الفقيه، فهو متعلَّق موضوع علم الأصول، وهو من الأعراض الذاتية لموضوع علم الفقه.
ثم إن السبب الآخر الذي دعا السيد الوالد قدس سره للتحول من محور (المكلف) إلى محور (الحكم) هو: بيان (الجامع) والقاسم المشترك بين المحور الذي اعتمده الشيخ وأتباعه قدست أسرارهم، وهو (القطع والظن والشك) والمحور الذي اعتمده الأصفهاني والبروجردي قدس سرهما ، وهو (الطريق التام والناقص واللاطريق) أو (الحجة واللاحجة) فإن كلا المحورين يبحث عن الموصِل للحكم أو الكاشف عنه، وعدمه، وهو المقصد الأول والمطلوب بالذات، والمحوران هما الطريق إليه[36]، ولذا قال: (الحكم له واقع قد يكشفه الإنسان وقد لا يكشفه ... فإذا لوحظ بالنسبة إلى الحالة النفسية فقد يكون قطعاً أو ظناً أو شكاً، وإذا لوحظ بالنسبة إلى الحجة أو اللاحجة كانت الأقسام اثنين..)[37].
والحاصل: أن (الحكم) ثبوتي والمحوران الآخران[38] إثباتيان  موصِلان له، فيصلح جامعاً بأن يقال : (أعلم أن الحكم الشرعي إما أن تقوم عليه الحجة أو لا، أو إما أن يحصل به العلم أو الظن أو الشك) بدل من  (أعلم أن المكلف إذا التفت... فإما أن يحصل له الشك به أو القطع أو الظن) أو (إن الطريق إلى الحكم الشرعي إما طريق تام أو ناقص أو لا طريق...)، ان صح هذا أيضاً[39]، ولكن ذاك هو الأقرب[40].
 
الفائدة الحادية عشر: تنقسم الحجج إلى ظاهرية وبرهانية ؛ والأولى ما  لا يبطل الاستدلال بها عند ورود الاحتمال؛ لأنها مبنية على حجية الظن النوعي فلا يؤثر فيها الاحتمال، بل هي تتعايش مع الاحتمال، بخلاف الثانية فإنه عند ورد الاحتمال يبطل الاستدلال بها.  

بحث تطبيقي:
ذهب الشيخ الحر العاملي والفاضل المقداد اللذين بحجية مراسيل الشيخ الطوسي، فيما ذهب العديد من علماء الأصول والفقه إلى عدم حجية مراسيله ؛ وذلك لاحتمال أن يكون استظهارنا من الرواية مغايراً لاستظهار الشيخ الطوسي ؛ ومن الواضح أنه إذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال، وبالتالي فلا تصير استظهاراته حجّة علينا.
والجواب، أولاً حلاً : بأن الحجج على قسمين:  برهانية و ظاهرية.
ومن الواضح أن الحجج البرهانية - أي القائمة على البرهان - هي التي يبطل الاستدلال بها عند ورود الاحتمال، أما الحجج الظاهرية أي المبنية على الظواهر، فإن حجية الظاهر فيها مبنية على الظن النوعي لا الشخصي فلا يؤثر فيها الاحتمال، لأنها تتعايش مع احتمال الخلاف ولا يلزم فيها سدّ باب الاحتمالات بقول مطلق، هذا كبرويا.
وأما في البحث الصغروي فنقول: إن الحجج في باب الإطاعة والمعصية وفي باب علاقة العبيد بالموالي هي من قسم الحجج الظاهرية، كالعام والمطلق والأمر الظاهر في الوجوب، والنهي الظاهر في الحرمة...إلخ، ويندر الاعتماد فيها على الحجج البرهانية، بل لو التزمنا بأن الاحتمال مخلٌ بالحجج في باب الإطاعة لاختلّ النظام؛ إذْ سنغلق عندئذ على الموالي باب حججهم.
وحجية رأي الشيخ الطوسي في استظهاراته متناً وفي التزامه بصحة السند هي من قبيل حجية الظواهر، وليست من قبيل حجية البراهين، فلا يصحّ حينئذ الاستشكال بأنه من المحتمل أن الفقيه الآخر لو اطلع على الرواية لما استظهر ما استظهره الشيخ الطوسي، فإن مثل هذا الاحتمال لا يؤثر في نفى حجية استظهار الشيخ، من هذه الجهة.

وثانياً نقضاً:
أ :  إن العام والمطلق والأمر والنهي هي حجج حتى مع احتمال الخلاف، ففي بناء العقلاء وسيرتهم لا يصحّ للفقيه أن يتعلل باحتمال الخلاف فيها حتى مع قوّته، فإنه حتى بعد الفحص يظلّ احتمال الخلاف موجودا بل قد يكون قويا، وذلك لضياع الكثير من الروايات التي قد تحوي المخصصات، أو المقيدات[41].
واحتمال أن تكون استظهارات الفقيه لو راجع الرواية مخالفة للشيخ الطوسي ليس أكثر من احتمال وجود مخصصات قد ضاعت علينا، ومع ذلك نجد الفقيه يلغي احتمال وجود المخصصات ويتمسك بالعام وسائر الظواهر، والأمر واضح في الأوامر والنواهي لكثرة ارتكاب التجوز فيها.
ب : إن الفاضل الحوزوي القريب جداً من الاجتهاد [42] يجوز له أن يقلد المجتهد، رغم ورود نفس الإشكال، إذ من المحتمل ومن الوارد جدا أن تكون استظهاراته بعد حصوله على الملكة مخالفة لكثير من فتاوى مرجعه، ومع ذلك فإن استظهارات مرجعه حجة عليه الآن واحتمال الخلاف لا يُلغي الحجية، ولا يجب عليه بذل جهد مضاعف ليحصل على الملكة فيعمل برأيه وان لم يوقعه ذلك في الحرج[43]، فكذلك احتمال اختلاف استظهار الفقيه عن استظهار الشيخ الطوسي.
ج : النقض بفتوى المجتهد بالنسبة لنفسه هو، فإن المجتهد الجامع يكون رأيه حجة رغم أنه يحتمل بينه وبين ربه أن رأيه سوف يتغير بعد مدة، فإن تغير المباني الفقهية أو تغير الاستظهار الفقهي كثير جدا، ومع ذلك فهو لا يُشكّل عائقا[44] أمام حجية رأي الفقيه قبل التغير[45].


------------------

* هذه المباحث الاصولية تجميع لما طرحه سماحة السيد في مختلف كتبه وبحوثه، قام باعدادها وجمعها و ترتيبها مشكوراً فضيلة الشيخ عطاء شاهين وفقه الله تعالى
[1] أو ما يحتمل الحجية . .
[2] أي ما يحتمل الحجية، أو المقسم: ما عدّ حجة.
[3] ككونه تقية.
[4] بحث التعارض : الدرس 17.
[5] ومتعلَّقه وهو المأمور به ، ولم نذكره لأبعديته عن كونه محور البحث، فإن المتعلقات هي موضوعات المسائل وكل منها خاص ببابه، وإن أمكن جعل العنوان الانتزاعي وهو (المكلف به) محوراً.
[6] فإن التكليف يتقوم بالمكلِّف والمكلَّف ـ في ظرفه ـ ثبوتاً، وأما الحجة  عليه فإن تنجز التكليف يتوقف عليها، أي استحقاق العقاب بالمخالفة،لا أصل التكليف؛ وإلا للزم الدور.
[7] كـ(الحجة في الفقه) فإنه موضوع الأصول على رأي السيد البروجردي قدس سره.
[8] في المبحث الأول، وفي (رسالة في أجزاء العلوم ومكوناتها).
[9] كأن يعتبر حتى الاحتمال منجزاً لتكاليفه.
[10] أي غير الأفعال، كأحكام الذوات كـ(الكعب نجس) و(المرتد تبين زوجته).
[11] إذ ليس البحث عن حكم المكلف من حيث الاقتضاء أو التخيير مثلاً، بل من حيث قيام الحجة عليه أو لا، وهو بهذا اللحاظ محط نظر الأصولي.
[12] سورة الطلاق: 7.
[13] سورة الأنعام: 152.
[14] أي لا يكلف الله نفساً إلا تكليفاً يسعها.
[15] المفعول الأول (نفساً) والمفعول الثاني (حكماً)، ويمكن عكسه، إلا أن مقتضى الطبع هو الأول.
[16] فإن موضوعه على ما صرنا إليه (الحجة  المشتركة القريبة في الفقه) والحجة تتعلق بهما معاً، إذ يقال: الحجة على المكلف، على حكمه الشرعي، أو فقل الدليل للمكلف على الحكم الشرعي، بل الأمر كذلك حتى على رأي صاحب الفصول والقوانين، في موضوع علم الأصول.
[17] أقول: ذلك الأوفق لو لاحظنا (المكلف) و(الحكم) وأردنا جعل أحدهما محور الفقه والآخر محور الأصول،  وإلا فإن الأوفق هو ما ذكرناه في (والحق).
[18] فقد وقع (المكلف) مضافاً إليه للموضوع.
[19] قال في المنظومة:   (موضوعه فعل مكلفينا           غايته الفوز بعِلِّييِّنا).
[20] فقد يقع (المكلف) موضوعاً، أو بعض المقولات الأخرى.
[21] وقد فصلنا الحديث عن موضوع علم الأصول في موضع آخر.
[22] والوظيفة، إلا أن ترجع إليه.
[23] وفيه تأمل واضح، إذ لو كان (الحكم) متعلق موضوع الأصول، فإنه بنفسه محمول علم الفقه وعرضه الذاتي، فهو أقرب إليه.
[24] سورة المائدة :3.
[25] سورة النساء: 103.
[26] سورة النساء: 58.
[27]سورة الإسراء: 78.
[28] سورة المؤمنون: 4.
[29] اللف والنشر مرتب فإن الاثنين الأوليين مثال لـ(مباشرة) والأخيرتين مثال لـ(أو بتوسط).
[30]سورة  آل عمران: 200.
[31] مجمع البحرين مادة صبر، وقال: وعن بعض الأعلام : الصبر هو  حبس النفس على المكروه امتثالاً لأمر الله تعالى.
[32] سورة النساء: 136.
[33] سورة النساء: 136.
[34] انظر :  تفسير الصافي: ج1، ص376، وتفسير تبيين القرآن: ص111.
[35] فاصبروا يعني تحلوا بصفة الصبر وافعلوا فعل الصابرين.
[36] تكويناً أو تشريعاً.
[37] الأصول: ج2 ص7 أول بحث القطع.
[38] أي العلم وقسيماه، والطريق التام وقسيماه.
[39] بأن يقال :فإما أن يقوم له عليه طريق تام..).
[40] المبادئ التصورية والتصديقية للفقه والأصول: ص17.
[41] ككتاب مدينة العلم (الذي كان المفترض ان يكون خامس الكتب الأربعة) وكأكثر الأصول الأربعمائة إذ الموجود بالأيدي منها هو ثمانون على قول المكثرين.
[42]  الذي لم يجتهد بعد .
[43] ولم نجد من افتى بوجوب تحصيله الملكة واجتهاده تعيينا إذا لم يكن حرجيا عليه.
[44] أو أن اعاد النظر في المسألة بدقة وتثبت أكثر، كما قال البعض بلزوم ذلك ، وفصلنا ذلك في كتاب :الاجتهاد والتقليد.
[45] حجية مراسيل الثقات: ص 95.

 

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : 18 جمادى الأولى 1439هـ  ||  القرّاء : 144



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net