39- تحليل دقيق لكلام الميرزا وانه فتح باباً جديداً لحل معضلة الانسداد عبر تغيير مصبّه من (استخراج المراد الجدي) الى (الاحتجاج والبعث) ومناقشات ـ بيان الحل الآخر الاولى لمعضلة الانسداد
الاثنين 16 ربيع الاول 1437هـ





بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
مباحث التعارض: (التعادل والترجيح وغيرهما)
(39)
مناشئ ثلاثة لدعوى الانسداد
وتحقيق المقام بما يظهر به تحقيق مبحث الانسداد ووجه النقاش في كلام الميرزا ثم الحكومة أو الورود للخاص على العام:
ان الإشكال في دعوى انسداد باب العلم بقول مطلق([1]) ينشأ من أحد وجوه ثلاثة:
أ- العلم بوجود محتمل القرينية المتصل أو المنفصل، فهو علم تفصيلي بوجود أمر لكن مع الجهل بقرينيته أي مع احتمال كونه قرينة على المراد فهو محتمل القرينية معلوم الوجود، كما لو كان ما اتصل بالكلام – وكذا ما انفصل عنه لكن مع العلم بارتباطه وتعلقه به – مجملاً كما لو قال أكرم العلماء ثم أردفه – أو ألحق به – كلاماً جُهل انه – إذ خفت صوته – قال إلا الأطباء أو قال أعني الأطباء خاصة.
ب- العلم الإجمالي بوجود قرائن على جملة من الكلمات والأحكام، قد خفيت علينا أو ضاعت.
ج- مجرد احتمال – ضعيف تارة وقوي أخرى – وجود قرينة على الخلاف.
وفرق هذا عن الأول واضح إذ الأول من الشك في قرينية الموجود وهذا من الشك في وجود القرينة، نظير الشك في وجود المانع أو الحائل والشك في مانعية الموجود.
الجواب عن المناشئ الثلاثة
هذا ككبرى كلية، واما في خصوص أحكام الشرع ودائرة الفقه فحيث علمنا بان روايات كثيرة قد ضاعت فيمكن تصوير دعوى الانسداد باحدى الوجوه الثلاثة الآنفة فلا بد من الجواب عنها جميعاً:
أ- اما الوجه الأول فقليل الحصول على انه متحدد الموارد فلا يضر بحجية عموم الأدلة والروايات، لوضوح قِلّةِ وجود روايات اتصلت بها قرائن مجملة بحيث سرى إجمالها إلى الدليل نفسه ووضوح قلة المنفصلات كذلك.
ب- واما الوجه الثاني، فانه يجاب عن تنجز العلم الإجمالي: بانه لا يعلم ان القرائن المخالفة – إن كانت – هي في دائرة الإلزاميات، وعلى فرض العلم بانها فيها فالشبهة غير محصورة، وعلى فرض الانحصار بدعوى انها من شبهة الكثير في الكثير فليست الأطراف كلها مورد الابتلاء فليس العلم الإجمالي منجزاً.
ج- ولكن يبقى الوجه الثالث، ولا تجدي لدفعه أجوبة الاحتمال الثاني، لوضوح ابتنائه على مجرد وجود الاحتمال فانه ان كان قويا عرفاً لأخل بالوثوق الشخصي بل بالوثوق النوعي أيضاً – حسب درجة قوته -، لا على العلم الإجمالي.
فلا بد إذاً من حلّ لهذه المعضلة وإلا اضطررنا، كالمحقق القمي([2])، إلى القول بانسداد باب العلم.
حل معضلة الانسداد على مسلك النائيني
والمتدبر في كلام الميرزا النائيني يظهر له انه قد فتح بذلك باباً جديداً مبتكراً للتخلص من معضلة انسداد باب العلم في الفقه والأحكام الشرعية([3]) نظراً لضياع قرائن كثيرة لا سبيل لنا إليها.
تغيير مصب الانسداد عبر الالتزام بالغرض الثاني
وذلك عبر اللجوء إلى تخريج (الغرض الثاني)([4]) فانه لو التزم بان الغرض هو الأول([5]) للزم القول بانسداد باب العلم إذ لا طريق لنا مع ضياع قرائن كثيرة، لاحراز عدم وجود قرينة أو عدم قرينية موجودٍ (تالفٍ) على خلاف هذا العام أو المطلق أو المعنى الحقيقي، ولا تفي الأجوبة الثلاثة المعروفة الآنفة الذكر عن هذا بدفع الانسداد؛ فان هذه الأجوبة لا تتكفل بنفي وجدانية احتمال قرينية موجودٍ تالفٍ أو وجود القرينة على الخلاف في الالزاميات في دائرة الابتلاء([6]) فلا مناص([7]) إلا من القول بانسداد باب العلم([8]) إذ لا وثوق شخصي ولا نوعي بناءً على كون الغرض استخراج واقع مراد المتكلم، اما لو كان الغرض مجرد البعث والحجاج والاحتجاج وهو ما اختاره الميرزا، فانه لا يضر الاحتمال به إذ ليس الانفتاح حينئذٍ موقوفاً على نفيه – أي على نفي احتمال إرادة المتكلم خلاف ظاهر مراده - فباب العلم منفتح على هذا المبنى الجديد هو الالتزام بالغرض الثاني فانه حتى مع عدم القدرة على نفي احتمال إرادة خلاف المراد فان باب العلم منفتح، إذ هذا الباب غير مبني عليه إذ يراد بانفتاح باب العلم – على هذا – انفتاح باب العلم ببعث المولى وزجره لا انفتاح باب العلم بمراداته الجدية، والاحتمال قد أخلّ بالعلم بمراداته الجدية لا ببعثه الظاهري ومقام الحجة والاحتجاج – كما نقلناه كلامه في ذلك –
وبعبارة أخرى ان الميرزا غيرّ بالتزامه بالغرض الثاني مصب الانفتاح والانسداد ومتعلقهما فبعد ان كان المصب هو: (انفتاح باب العلم بمراد الشارع الجدي والنفس الامري) تحول إلى: (انفتاح باب العلم ببعث الشارع وزجره) فصار هذا هو المقياس فلا يضرنا القول بالانسداد الأول([9]) نظراً لقولنا بالانفتاح الثاني([10]).
وحيث كان المقياس (الغرض الثاني) كان الانفتاح هو الحق فان الغرض الثاني هو المثمر للثمر إذ قصد المولى بعث العبد وزجره ولا يهم معرفته بمراداته من عدمها. فتدبر جيداً وتأمل
مناقشة مبنى الميرزا
ولكن: يرد على الميرزا ما أسلفناه من التلازم بين الغرضين والمقامين – فراجع ما سبق –
وبعبارة أخرى: لو كان الاحتمال قوياً جداً عرفاً لأنسد باب العلم ببعثه وزجره كما انسد باب العلم بمراده الجدي ولو ضعف انفتحا معاً؛ ألا ترى أن المولى لو قال: بِع هذا الكتاب، ثم قال قولاً خفي علينا مراده منه وانه قال (إلا لزيد) أو قال (لزيد خاصة) في المتصل وكذا لو فصلهما، فانه كما لا يعلم بمراده الجدي من قوله بع الكتاب انه أراد بعه لزيد أو بعه إلا لزيد كذلك لا يعلم ببعثه وانه بعث نحو ماذا؟([11])
واما لو كان الاحتمال ضعيفاً لا يعتني به العقلاء فانه كما يعلم بقوله (بع هذا الكتاب) مراده الجدي وانه مطلق، يعلم بعثه وانه مطلق كذلك من غير تقييد بزيد أو بغيره.
وكل ذلك جار في محتمل القرينية المتصل، وأهون منه المنفصل وان شاركه في الحكم، وأهون منه وجود القرينة المحتمل مع كون الاحتمال([12]) قوياً جداً عرفاً.
ونظيره لو قال بعدها كلاما يحتمل انه (إلا لزيد) فكما لا يعلم – إذا كان الاحتمال قوياً عرفاً – مراده الجدي حينئذٍ من (بع الكتاب) لا يعلم أيضاً انه بعث نحو غير زيد تحديداً أو بعث مطلقاً فعليه الاحتياط ببيعه لغير زيد، اما في الصورة الأولى فحيث كانت من الدوران بين المحذورين فانه يتخير في مقام العمل أو يتساقطان أو غير ذلك على المباني.
حل معضلة الانسداد على المختار
واما حل المعضلة([13]) الذي نصير إليه فهو واضح لا يحتاج إلى تجشم مزيد عناء ولا إلى تغيير المصب في الانفتاح والانسداد بل انه يحل المعضلة على كلا المصبين والغرضين، فهو:
ان احتمال وجود قرينة على الخلاف في كل خبر خبر أو قرينية ما وجد فتلف أو ضاع، ضعيف جداً ولعله لا يبلغ الواحد بالمائة، ولذا فانه لا يخل بالوثوق النوعي بمراد المولى الجدي كما لا يخل بالوثوق النوعي ببعثه وزجره، نعم لو كان احتمال وجود قرينة([14]) على خلاف هذا الخبر وهذا الحكم 50% مثلاً أو أقل وأكثر لأخل بالوثوق الشخصي والنوعي بكلا الغرضين والمصبين، لكن الوجدان شاهد باننا لا نحتمل في كل مورد مورد من موارد الأحكام الشرعية حتى بنسبة الواحد بالمائة بل لعله الواحد بالألف. فتدبر جيداً فانه به حقيق.
نعم ههنا كلام مفصل عن الفرق بين احتمال وجود القرينة فينفى بالأصل واحتمال قرينية الموجود الذي قال جمع انه لا ينفى بالأصل وفرّقوا – مثلاً - بين احتمال وجود الحائل على البشرة – في الوضوء – وبين احتمال حائلية الموجود، وسيأتي منّا التفريق بين باب الاستصحاب وباب الأدلة، فانتظر.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين
======================
الاثنين 16 ربيع الاول 1437هـ
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |