||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  


  




 331- من فقه الآيات: الاحتمالات في قوله تعالى (كَبُرَ مَقْتًا عِنْد اللَّه أَنْ تَقُولُوا ما لَا تَفْعَلُونَ)

 260- المجاهدون والنهضويون في مرحلة بناء الأمة

 127- من فقه الآيات في قوله: (لا تحنث) في قوله تعالى: وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث انا وجدناه صابرا نعم العبد انه أواب

 15- علم فقه اللغة الأصولي

 39- فائدة روائية: عدم سؤال الرواي عن بعض خصوصيات المسالة لا يكشف عن عدم مدخليتها في الحكم

 305- الفوائد الأصولية: حجية الاحتمال (1)

 كتاب المعاريض والتورية

 318- الفوائد الأصولية: الحكم التكليفي والحكم والوضعي (5)

 294- الفوائد الأصولية (الحكومة (4))

 272- (فما زلتم في شك مما جائكم به) 10 ظاهرة الاستسلام للأقوى والتقمص لشخصيته



 مقومات القائد الإداري الناجح

 فاجعة البقيع: خطوات لمعالجة آثارها المسيئة للإسلام

 ليتني كنتُ طالباً في حوزته العلمية

 هل يتعظ المسؤول قبل فوات الأوان؟

 شهر رمضان: محاسبة النفس أيسر الطرق لتحقيق الذات



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية

 النهضة الحسينية رسالة إصلاح متجددة

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 قسوة القلب

 161- مفردات ومصاديق مبادئ الاستنباط (8): علم الاديان الفقهي والاصولي المقارن

 236- احياء أمر الامام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)

 204- مناشئ الانحراف والضلالة : الغرور والاستعلاء والجهل الشامل

 21- بحث اصولي: عن حجية قول اللغوي ومداها

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة



  • الأقسام : 73

  • المواضيع : 3498

  • التصفحات : 7280911

  • التاريخ : 26/06/2019 - 13:23

 
 
  • القسم : الفوائد والبحوث .

        • الموضوع : 312- الفوائد الأصولية: القصد (3) .

312- الفوائد الأصولية: القصد (3)
10 ربيع الثاني 1440هـ

الفوائد الأصولية: القصد

جمع و اعداد الشيخ عطاء شاهين*

الفائدة السادسة: يشترط في الانشائيات قصد اللفظ وقصد المعنى وقصد المعنى بهذا اللفظ؛ إذ بالأول يخرج  الغالط والنائم وما أشبه؛  حيث لا عبرة بلفظ الغالط عندما يريد أن يقول آجرت داري فيقول بعتها، وبالثاني يخرج من  يخرج المجاز ؛ وبالثالث  يخرج  المعاريض والكناية والتورية ؛ فإنه لا يكفي قصد اللفظ وقصد المعنى، بل لابد من قصد المعنى بهذا اللفظ ليقع الـمُنشأ به.

تفصيل الفائدة:
لا بد في الإنشائيات مطلقاً من أمور ثلاثة:
أولاً: قصد اللفظ، أو مطلق ما به يتقوم الإنشاء كالفعل فيما يقبل المعاطاة، وذلك عكس الغالط أو النائم أو مطلق الساهي.
ثانياً: قصد المعنى، عكس قاصد غيره مجازاً، خلافاً للميرزا النائيني في قوله: فإنّه بعد قصده اللفظ وعلمه بمعناه لا يعقل عدم قصده معناه)[1] إذ  سبق أن أجبناه : بأنه يعقل ذلك كما في التجوّز باستعمال العام وإرادة بعضه ؛ فانه إذا قال (أكرم العلماء إلا زيداً) لم يكن متجوّزاً ؛ إذ أنه استعمل (العلماء) في معناه الموضوع له وهو كل العلماء ثم أخرج منه في مرحلة الإرادة الجدية زيداً، ولكنه إذا قال ( أكرم العلماء)  قاصداً بعضهم فإنه متجوّز، ومصحّحه علاقة الجزئي والكلي نظير التجوّز بعلاقة الجزء والكل كقوله (رأيت زيداً ) وقد رأى رقبته مثلاً.
والحاصل: أنه إذا قصد من العلماء بعضهم فقد قصد اللفظ وقد علم بمعناه لكنه لم يقصد معناه؛  إذ أنه قد قصد بعض معناه؛ فإن القصد أمر زائد على العلم كما أن الإيمان زائد عليه وكما أن عقد القلب زائد عليه [2].
ومما يوضح أنّ قصد الشيء غير العلم به: أن قصد جهة الكعبة غير العلم بجهتها[3]؛ وكذا العالم بأن السفر موجب لقصر الصلاة غير القاصد للسفر  فإن مجرد علمه من غير قصد غير موجب للقصر..
وبعبارة أخرى: ان القصد يستدعي المقصود والعلم يستدعي المعلوم وكونه معلوماً أعم من كونه مقصوداً.
ثالثاً: قصد المعنى بهذا اللفظ؛ فإنه لا يكفي قصد اللفظ وقصد المعنى، بل يجب قصد المعنى بهذا اللفظ ليقع الـمُنشأ به.
وقد يُتوَهَّم أنه لا يعقل اشتراط الثالث ؛ فإنه مستدرك بعد اشتراط الأولين؛ إذ أنه إذا قصد اللفظ وقصد المعنى فإنه يكون قاصداً المعنى به لا محالة.
ولكنه توهم باطل؛ إذ قد يقصد المعنى مع اللفظ وبموازاته، لا به وبسببه، وذلك مما لا ريب فيه في عناوين ثلاثة:

المعاريض
العنوان الأول: المعاريض، فإن اللفظ لا يدل على معاريض الكلام بذاته ؛ إذ هي في عرضه ؛ بل الدلالة بالانتقال لا بالاستعمال ، وقد ذكرنا في كتاب المعاريض والتورية بأن (المعاريض: جمع معراض، والظاهر أنه مأخوذ من العَرْض؛ لأنّ المعنى المراد يقع في عرض المعنى الذي وضع له اللفظ من غير أنْ يوضع له كي يكون مشتركاً، وقيل: إنّه مأخوذ من العُرضة، والعرضة تعني الحجاب والحاجز...)[4].
ولتعريف دقيق للمعاريض بأن يقال إنها : (ما وقع في عرض المعنى ولم يكن موضوعاً له ولا مستعملاً فيه، بل قُصِد من اللفظ بالتقارن وكان اللفظ داعياً للانتقال إلى المعنى الآخر الموازي، أو محفِّزاً ومثيراً مع وجود نوع خفاء ذاتي أو عرضي شخصي أو صنفي أو نوعي، وقد دُلّ عليه بإحدى الحجج العامة على المعاريض أو بإحدى القرائن الخاصة)، وعليه فهناك قصد انتقال لكن بدون وضع ولا استعمال)[5].

التورية
العنوان الثاني: التورية في بعض أقسامها ؛ فإنه قد لا يستعمل اللفظ في المعنى (المورى عنه) وإلا كان مجازاً ، بل ينتقل منه إليه وقد استعمله في الموضوع له الحقيقي ؛ وقد ذكرنا: (وأما التورية فالظاهر أنها مأخوذة من الوراء؛ لأنّ المعنى المراد يقع في طول المعنى الذي وضع له اللفظ، فكأنّه من ورائة،  فالبطون ـ على هذا ـ هي مما وُرّي بالكلام عنها وليست من المعاريض إلا على المعنى الثاني، فإنّه أعم، فتأمل وسيأتي وجهه .
والتورية: تفعِلة مثل تكملة، تقول: ورّى يورّي تورية، وهي مأخوذة من الوراء؛ إذ ورّاه أي أخفاه وستره، أي: إنه ستر قصده الواقعي وراء ظاهر الكلام، وهذا أحد أنواعها، وسنشير لاحقاً للأنواع الأخرى، فكأن المورّي ينظر إلى ما وراء ظاهر كلامه)[6].
ومن ذلك ما نقل أن أبا الأنبياء إبراهيم عليه وعلى الرسول وآله السلام، أجاب فرعون عندما سأله عن زوجته من هي فقال: (إنها أختي) فإن الأخت موضوعة للأخت النسبية ؛ لكنه قصد الأخت في الإسلام والدين؛ فإذا كان استعمل الأخت في الأخت في الإسلام كان مجازاً لأنه استعمال اللفظ في غير الموضوع له[7] ، أما لو استعملها في معناها الموضوع له وقصد[8] الأخت في الدين بالانتقال لا الاستعمال فهو قاصد للمعنى لكن لا باللفظ ، بل مع اللفظ، فتأمل.

الكناية
العنوان الثالث: الكناية: ولها أمثلة وأنواع ومنها: ما لو قال للقبيح ما أجملك؟ أو قال للجاهل ما أعلمك؟ مستهزءاً به مكنياً به عن جهله، فانه لم يستعمل (ما أعلمك) في ما أجهلك وإلا كان مجازاً أو غلطاً بل أراد الانتقال منه إليه فقد قصد هذا المعنى مع قوله (ما أجهلك) لا به، وقد ذكرنا في كتاب المعاريض (النوع الثاني: الكناية ومن المعاريض الكناية ـ من قسم ما قصد معناه الموازي دون معناه الظاهر ـ فإنّ الكنايات كذلك لم تستعمل في المعنى الكنائي، بل يُنتقل من المعنى الحقيقي إلى الكنائي عبرها، فإنّ قولك: فلان مهزول الفصيل أو جبان الكلب أو كثير الرماد، لا يراد به استعمال الفصيل أو المهزول في جود الشخص وكرمه، بل يراد الانتقال منه إليه، وقد استعملت تلك الثلاثة في مداليلها الحقيقية، وإن لم تكن بنفسها مرادة بالإرادة الجدية)[9]
وقد يناقش في بعض الأمثلة كما لا يخفى.

الثمرة الفقهية للشروط الثلاثة
والثمرة الفقهية من ذلك: فأما أنه يجب قصد اللفظ ليقع العقد فلا عبرة بالغالط في لفظه بأن أراد ان يقول آجرت داري فقال بعت داري، وكما يجب قصد المعنى فلا يكفي قصد اللفظ (ولو آلياً) دون قصد المعنى كما في المتجوّز كما لو قال بعت داري مريداً بعضها فان قصده اللفظ وعلمه بالمعنى لا يكفي لتحقق البيع بل لا بد من قصده المعنى، والكلام في صورة ما لو أقام القرينة على إرادة البعض[10] بل حتى لو لم يُقمها فانه ثبوتاً لا يقع بيع الكل ولا يكون بائعاً له فلو اطلع على نيته لاحقاً ظهر عدم صحة بيع ما لم يقصده، واما صورة النزاع فانه يؤخذ بظاهر كلامه وهو أجنبي عن البحث، كذلك قد يقال بانه يلزم ان يقصد هذا المعنى بهذا اللفظ، فلو قصد المعنى لا بهذا اللفظ أو قصد بهذا اللفظ معنى آخر لم يكفِ.
والثاني: كما لو قالت بعتك نفسي كناية عن النكاح فانه لا يقع أو قال: أنت حرة كناية عن الطلاق.
والأول: كما لو قصد الطلاق بالإشارة الصادرة منه المقترنة بقوله: (أنت طالق) فقد يقال إنه لا يقع ؛ فإنه وإن قَصَد لفظ الطلاق إذ الفرض عدم كونه غالطاً، وقَصَدَ معناه أيضاً لكنه لم يقصد تحققه بهذا اللفظ[11] بل قصد تحققه بأمر آخر [12]، فتأمل[13].

الفائدة السابعة: أن التردد في الانشاء تارة يكون في الإيجاد وأخرى في الموجد وثالثة  في نوع الموجد؛ فلو تردد في الإيجاد  فلا يوجد به ؛ لأن الإنشاء إيجاد والإيجاد غير ممكن مع الشك؛ ولو تردد بالمنشأ فتردده غير مُخل بوجوده سواء أكان تكوينياً أم باعتبار المعتبرين ؛ نعم إذا كان باعتباره الشخصي فقد يقال: كيف يوجِد في عالم اعتباره أمراً يشك أنه يوجَد بإنشائه؟ ويجاب بأنه ليس من شروط الإيجاد العلم بأنه موجِد؛ كما في التكوينيات ؛ إذ أنه لو حرك إناءً تحرك وليس لعلمه في ذلك تأثير؛ وأما لو تردد في نوعِ الموجَد فيشكل في تحققه ؛ لأن وجود أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح، ووجودهما معاً به محال؛ حيث إنه لا يوجَد بإيجاد واحد وجودان.

تفصيل الفائدة:
إن الترديد عند الإنشاء على أنواع:
فانه تارة: يتردد في أن يُوجِد أو لا يوجد ، أو في أن يُوجِد هذا الاعتبار – كالنقل- بهذا اللفظ[14]  أو لا؟
وتارة أخرى: يتردد لا في الإيجاد بل في الوجود ؛ أي في الموجَد وأنه هل يوجَد ما انشأه بالذي[15] انشأه أو لا؟
وتارة ثالثة: يتردد في نوعَ الموجَد بإنشائه ؛ وذلك إذا قصد الإيجاد وعلم أن هذا الإنشاء مما يوجَد به الاعتبار- أي انه علّة لوجوده - ولكن لا يعلم ماهية الذي تحقق به أو نوعه وصفته ؛ بأن أراد بإنشائه (ملّكتك الكتاب بدينار) أمراً لا يعلم أنه البيع أو الهبة.
ويتضح حال الإنشاء في المعاملات بقياسه بحال الطلب: فإنه تارة يتردد في أن يطلب أو لا، وتارة يطلب لكن لا يعلم أن الطلب بهذا اللفظ هل يوجَد أو لا؛ أي يتردد في أن الطلب يوجد بهذا اللفظ - كما لو قال فرضاً: من الحسن أن يأتيني أحد بماء - وشك في أنه هل الطلب يتحقق بذلك أو لا؟ وثالثة يعلم تحقق الطلب به لكن يشك في نوع الذي تحقق به وصفته.
وعلى أية حال: فلو تردد في الإيجاد والإنشاء، فلا يوجد كما سبق[16] ؛ وأما ولو تردد في أن الاعتبار هل يوجد بإيجاده أو لا، فإنه قد يقال: إن تردده غير مُخِلٍّ بوجوده كما ليس جزمه سبباً لوجود؛ وذلك لأن تأثير قول القائل (بعت) مثلاً في حدوث النقل بعد جامعيته لكل الشرائط عدا تردده في أنه هل يوجد بإيجاده:
أ- إن كان تكوينياً فجهله بكونه إيجاداً لا يضر حتى إذا كان الموجَد اعتباره[17] هو.
ب- وإن كان باعتبار المعتبرين فلا يضر كذلك ؛ إذ إذا بنوا على اعتباره ناقلاً فلا يضر جهله باعتبارهم في تحقق النقل بعد أن أوجد ما هو العلة التامة بنظرهم.
وبعبارة أخرى: لا يضر قصده قصداً متزلزلاً [18] في اعتبارهم لكذا مبنيّاً على قصده المتزلزل؛ لأن اعتبارهم بيدهم وهو تابع للحكم والمصالح التي يرونها.
ج- وإن كان باعتباره هو، فذلك الذي ينبغي أن يقع مورد الإشكال بأن يقال: كيف يوجِد في عالم اعتباره أمراً لا يعلم بأنه يوجَد بإنشائه أم لا؟
وقد يجاب: بأنه ليس من شروط الإيجاد العلم بأنه موجِد، ويظهر ذلك بلحاظ سائر التكوينيات فأنه إذا حرّك حجراً تحرّك[19] ولا يشترط في كون تحريكه محرِّكاً علمه بأنه محرك ، فكذلك لا يشترط في كون إنشائه موجداً للمعنى الاعتباري علمه بأنه موجِد له.
بل هو أولى بالإمكان ؛ لأن الإنشاء من أدنى أنواع الفعل ومراتبه.

التردد في نوع الـمُنشَأ
وأما لو تردد في نوعِ الموجَد باعتباره أو صفته وأنه البيع أو الهبة فقد يشكل على تحقق هذا الاعتبار؛ بأنه إذا قال مثلاً: (ملّكتك الكتاب بدينار) متردداً في أنه يوجِد بهذا البيع أو الهبة، فإن وجود أحدهما المعيّن به دون الآخر هو ترجيح بلا مرجح، ووجودهما معاً به محال أولاً ؛ لتضاد فصولهما ،وثانياً على فرض عدم التضاد فلأنه لم يقصد إلا إيجاد أحدهما فكيف يوجدان؟ أي كيف يوجَد بإيجاد واحد وجودان؟ وتحقيق جواب ذلك على المباني سيأتي بإذن الله تعالى[20].

بحث تطبيقي:
وهنا نذكر عدة مسائل تطبيقية وأمثلة تمرينية
المسألة الأولى: لو صلى عن نفسه إن كانت بذمته وإلا كانت قضاء عن أبيه إن كانت عليه صلوات وإلا فعن أخيه ثم عن عمه ثم عن جاره ثم عن آخر وهكذا  - كل منهم على تقدير عدم تعلق الصلاة بذمة من سبقه -  فهل صلاته صحيحة؟ وهل هو من الترديد في النية أو المنوي أو مصداق المنوي؟
المسألة الثانية: لو صلى مع الترديد أنها باطلة أو لا، أو مع الترديد في أن هذا الفعل شرط أو مانع، كما لو تردد أثناء الصلاة في أن وظيفته القصر أو التمام ، أو تردد أن حكم متجاوز المحل العودة أو لا ، أو شك أنه تجاوز المحل أو لا؟ والكلام بالعنوان الأولي ، وإلا فإنه ينبغي أن يبني على أحد الطرفين بانياً على السؤال بعدها؛ فإن ظهر صحة ما فعله فهو صحيح على تفصيل[21].
المسألة الثالثة: في صوم يوم الشك بأنه إن كان من شعبان فبنحو الندب أو من شهر رمضان فبنحو الوجوب، أو صامه بنية الجامع؛ وقد ذكرنا ذلك فراجع .
المسألة الرابعة: لو ترددت حين قولها انكحتك نفسي في أن تنشأ المتعة بذلك أو الدوام، أو ترددت في أن هذا اللفظ ينشئ أيهما فقالته؟ وذلك بناءً على أن الدوام والمتعة حقيقتان مختلفتان، وأما بناء على أن المتعة هي نفس حقيقة النكاح الدائم بقيد ذكر الزمن فإنه إذا لم تذكره وقع دواماً ، فتأمل.
وأما الروايات فمختلفة فبعضها يفيد البطلان وبعضها يفيد انقلاب المتعة دواماً، ولكنّ ذلك إذا كان ارتكازهما وبناؤهما على الدوام فنسيا ذكر الأجل عند العقد، فمسألتنا غير ذلك.
المسألة الخامسة: لو تردّد حين قوله (ملّكتك الكتاب بدرهم) على أنه يبيعه بذلك أو يهبه هبة معوّضة؟ فإيهما يقع؟ أو لا يقع شيء منهما؟ أو يقع ما اختاره لاحقاً؟ وكذلك المئات من الفروع المشابهة.
المسألة السادسة: لو قال: (زوّجتك إحدى ابنتي هاتين) فإنه من الترديد في متعلّق النكاح[22]، فتارة يجري الكلام في استحالة تحقق الإنشاء للأمر المردد ذاتاً أو متعلّقاً، أو إمكانه وهذا هو محل الكلام، وتارة يجري في أنه بعد تسليم إمكانه فما هو مقتضى الأدلة، فإنه إذا قلنا بالامتناع فلا مجال للرجوع للأدلة وعالم الإثبات، وإذا قلنا بالإمكان فقد يفصل بحسب الأدلة في عالم الإثبات ، ومنها ما دلّ على اشتراط التعيين.
ونظير ذلك ما لو قال: (بعتك احد هذين الكتابين).
المسألة السابعة: لو قال: (بعت أحدكما هذا الكتاب) والترديد فيه في طرف العقد -  أي أحد المتعاقدين- وأما في سابقه ففي متعلقه، أو قالا: (باع أحدنا كتابه لك).
المسألة الثامنة: لو قال: (بعتك أو وهبتك هذا الكتاب) - والترديد هنا في نفس العقد-  فهل لا يقع شيء منهما لتضاد الفصول وعدم إمكان الجمع بينهما، والترجح بلا مرجح، أو يقع الأول منها لسبقه فلم يبق محل للثاني؟ أو له أن يختار؛ إذ العقد لا يقع بالإيجاب فقط ليقال بسبق البيع على الهبة في المثال ؛  بل يقع بعد القبول فله أن يقول قبلت البيع أو الهبة؟
المسألة التاسعة: لو قال: (وكّلت أحدكما) قاصداً- ثبوتاً- الترديدَ، فقد يقال إن العقلاء لا يرون به بأساً ، والعقود إمضائيات فإيهما قَبِل كان وكيلاً، ولكن هذا لا يتم[23] إلا بعد الفراغ عن إمكان إنشاء الوكالة المرددة.
المسألة العاشرة: لو رمى الشبح من بعيد متردداً في أنه منافسه أو عدوه -المحقون الدم-  أو شجرة فرماه برجاء أو باحتمال كونه عدوه فهل هو عمد أو من شبه العمد؟ وهل من شبه العمد أن يرمي بآلة قاتلة غير ناوٍ للقتل متصوراً أنه لا يقتله به أو لا[24] ؟ [25].

بحث تطبيقي آخر:
إن الفرق بين الترديد في الإنشاء والترديد في الـمُنشَأ أو متعلقه ومصداقه: يتضح بملاحظة حال الترديد في النية أو المنوي في صوم يوم الشك في أنه من شهر شعبان أو من شهر رمضان؛  فبعد الفراغ عن بطلان أن يصوم بعنوان أنه من شهر رمضان -  للروايات الخاصة الرادعة ولأنه تشريع محرم من الملتفت، وصحة أن يصوم بعنوان أنه من شعبان ندباً أو قضاء أو غيرهما لاستصحاب بقائه- فإن الصور متعددة:

التردد في النية
الصورة الأولى: أن يكون متردداً في نيته ، بأن يتردد في أن يصوم أو لا، وهذا لا شك في بطلانه ؛ لتوقف الصوم على النية وهي لم توجد على الفرض؛ إذ تردد أن يصوم أو لا.

التردد في المنويِّ
الصورة الثانية: أن يكون متردداً في المنوي ، بأن يصوم بنية الأمر المردد وأنه إن كان من شعبان فبنحو الندب وإن كان من شهر رمضان فبنحو الوجوب، وذلك لا يكون إلا بأن لا يتصور جامعاً فيقصده ، بل يتصور الفردين المتباينين فيقصد أحدهما على سبيل البدل، وربما عدّه بعضهم من الترديد في النية لكنه لدى التحقيق هو من الترديد في المنوي، إلا أن يراد أن النية بذاتها مرددة نظراً لتردد المنوي وعدم الجامع ، فإن النية قائمة بالمنوي؛ لأنها من المعاني الإضافية ،  فالتردد في المنوي يعود إلى التردد في النية.
والجواب: أن التردد ليس في وجودها بل في نوعها، فتأمل.

التردد في متعلقه
الصورة الثالثة: أن يكون متردداً في متعلَّق المنوي، وذلك إذا نوى الجامع كأن ينوي أن يصوم الصوم المقرِّب إلى الله تعالى الأعم من الواجب والمندوب ، أو يصوم الصوم المطلوب للمولى لكنه لا يعلم أن صوم هذا اليوم هل هو مصداق[26] - فهنا لا ترديد في النية ولا في المنوي إذ المنوي هو الجنس أو الجامع وهو المقرِّب إلا أن مصداقه غير معلوم-  ولا إشكال في صحة ذلك.
قال في العروة: الرابع: أن يصومه بنية القربة المطلقة بقصد ما في الذمة وكان في ذهنه أنه إما من رمضان أو غيره، بأن يكون الترديد في المنوي لا في نيته فالأقوى صحته وإن كان الأحوط خلافه[27].
وقد ظهر أن الأدقّ أن يقول بأن الترديد في مصداق المنوي؛ إذ مع نيته (ما في الذمة) فإنه جامع لا ترديد فيه إلاأانه لا يعلم مصداقه.

أقسام الترديد في الإنشاء
إذا عرفت هذا فنقول: إن حال الإنشاء هو كذلك ؛ فإنه إذا أجرى معاملة - كالبيع - وشك في أنها تتحقق بغير العربية أو من غير المميز أو على الحقير أو الخسيس ، أو شك أنه ملكه أو ملك الغير أو موقوف فإنه:

التردد في الإنشاء
تارة: يتردد في الإنشاء، ولا شك في أنه لا يتحقق حينئذٍ؛ إذ تردد في أنه هل يُنشأ البيع أو لا أو هل يُنشِأ البيع  بهذا اللفظ أو لا، لا أنه هل أُنشأ اعتبارٌ ما بهذا أو لا ، فإنه الفرض اللاحق.

التردد في الـمُنشَأ
وتارة أخرى: يتردد في الـمُنشَأ ، أي في وجوده بأن يقصد الإنشاء لكن يشك في أن المعتبر والمنشَأ النوعي هل يقع بهذا الإنشاء أو لا[28] ؟
قد يقال: إنه يقع إذا كان المعتبر لدى النوع مما يقع بهذا اللفظ أو بهذا النحو، وعلمُهُ بوقوعه به وعدمه ليس شرط الإيجاد، ويظهر ذلك بقياس حال الإنشاء بسائر التكوينيات فإنه إذا حرّك الحجر تحرّك حتى إذا كان متردداً في ان تحريكه محرّك له أو لا، وكذلك لو أنشأ البيع تحقّق حتى إذا تردد انه تحقق أو لا، عكس ما إذا تردد في أن يحرك أو لا فإنه لا يتحرك؛  إذ تردد فلم يحرك، فكذلك إذا تردد أن ينشئ أو لا ؛ فإنه إذ تردد لم ينشئ.
الإشكال بسراية التردد من المنشَأ إلى الإنشاء
ولكن قد يجاب بالسراية؛ وأنه إذا تردد في الـمُنشَأ فقد تردد في الإنشاء.
ويمكن الجواب عنه:
الجواب: أولاً: تردد المنشئ في إنشائه غير مانع عن اعتبار العقلاء
أولاً: حتى لو فرضت السراية فإنها غير مُخلّة؛ وذلك لأن الاعتبار الموجَد لو كان مرتهناً في المعاملات بالشخص لكان ما ذكر كما ذكر، لكنه مرتهن بالنوع والاعتبار العقلائي ؛ فيمكن أن يعتبروا حصول الملكية من أي لفظ حتى وإن صدر من المتردد في الإنشاء [29]،  بل حتى من الغالط والنائم، فكما أن المعتبِر له أن يعتبر الضمان بالكسر حتى من النائم فله أن يعتبر حصول النقل والملكية للآخر إذا قال (بعت) متردداً في تأثيره ، أو حتى لو كان قاطعاً بعدم تأثيره أو متصوراً أثراً آخر له أو حتى غالطاً بقوله بعت ؛ وذلك لأن للعقلاء أن يبنوا على أنه إن قال بعت ولو غلطاً فإن البيع يقع.
والكلام الآن لا في أنهم فعلوا أو لا ، ولا في أنه مطابق للحكمة أو لا؛ وإنما الكلام  في  الإمكان؛ لأن الإشكال العقلي يقتضي الاستحالة ؛ وأنه –مثلاً-  يقال: لا وجود للفرد المردد فكيف يتعلق الإيجاد به، فتأمل وتدبر[30].


----------

* هذه المباحث الاصولية تجميع لما طرحه سماحة السيد في مختلف كتبه وبحوثه، قام باعدادها وجمعها و ترتيبها مشكوراً فضيلة الشيخ عطاء شاهين وفقه الله تعالى
[1] تقرير بحث الميرزا النائيني، الشيخ موسى النجفي الخوانساري، منية الطالب في شرح المكاسب، مؤسسة النشر الاسلامي - قم المشرفة، ج1 ص367.
[2] راجع الدرس (268) بتصرف.
[3] كما لو صلى متجهاً إلى القبلة عالماً جهتها لكنه كان غير قاصد الصلاة إليها بل إلى صنم أمامه، والعياذ بالله، مثلاً.
[4]  المعاريض والتورية: ص27.
[5] المصدر نفسه: ص29.
[6] المصدر نفسه: ص29.
[7] إلا على دعوى وضعها للأعم، وفيه: انه لغة وعرفاً اخص، نعم الإطلاق الثاني أعم. فتدبر.
[8] أي ثبوتاً وفي نفسه، إذ الفرض انه ورّى وأخفى.
[9] المصدر نفسه: ص82.
[10] بان قال (بعتك داري) قاصداً بعضها، وألحق به فوراً: وأقصد بذلك بعضها، مثلاً.
[11] لاعتقاده فرضاً ان الألفاظ لا يقع بها الطلاق، بل الأفعال كالإشارة فقط.
[12] كالإشارة.
[13] مباحث البيع : الدرس 269.
[14] كما في بعت أو وهبت.
[15] الباء سببية.
[16] لأن الإنشاء إيجاد والإيجاد غير ممكن مع الشك أي بالإنشاء شاكاً في انه يوجد به البيع أو لا؟.
[17] أي الشخصي.
[18] أو اعتباره اعتباراً متزلزلاً.
[19] إذا كان تحريكه بالقوة الكافية وبدون مانع,
[20] مباحث البيع : الدرس 281.
[21] قال في وسيلة النجاة : ج1 ص185: إذا عرض له أحد الشكوك ولم يعلم الوظيفة، فإن لم يسع الوقت أو لم يتمكن من التعلم في الوقت تعين عليه العمل على الراجح من المحتملات لو كان أو أحدها لو لم يكن ويتم صلاته، وإذا تبين له بعد ذلك أن العمل مخالف للواقع استأنف الصلاة ولو قضاءاً وأما إذا اتسع الوقت وتمكن من التعلم في الوقت يقطع الصلاة، وإن جاز له إتمام العمل على طبق بعض المحتملات ثم التعلم، فإن كان موافقاً اكتفى به وإلا أعاد، وإن كان الأحوط الإعادة حتى مع الموافقة.
[22] أي المزوّجة.
[23] إن تمّ فرضاً.
[24] إذ صرح بعضهم بأنه من العمد ، بعد وضوح أنه لو رمى بآلة غير قاتلة ناوياً قتله بها ظاناً أنها لا تقتله لكنها قتلته ،  فهو شبه عمد.
[25] مباحث البيع : الدرس 181، 182.
[26] أي منها.
[27] السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، العروة الوثقى – جماعة المدرسين، مؤسسة النشر الإسلامي – قم، ج3 ص537.
[28] وليس هذا نظير التردد في المنوي ، فتدبر.
[29] كما لو تردد في قوله (بعت) بين الإخبار والإنشاء فرضاً.
[30] مباحث البيع : الدرس 280.

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : 10 ربيع الثاني 1440هـ  ||  القرّاء : 634



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net