||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  
إتصل بنا         


  




 137- من فقه الحديث: في قوله (عليه السلام): ((والله إنّا لا نعد الرجل فقيهاً حتى يعرف لحن القول))

 Reviewing Hermeneutic – Relativity of Truth, Knowledge & Texts – Part 4

 43- (وءآت ذا القربى حقه) في ذكرى شهادة الإمام السجاد عليه السلام؛ (التعرف) و(التعريف) و(التأسي) و(الدفاع) من حقوق أهل البيت عليهم السلام على الناس أجمعين

 212- مباحث الاصول -الفوائد الأصولية (الدليل العقلي) (5)

 39- التبليغ مقام الأنباء ومسؤولية الجميع

 11- الإمام الحسين عليه السلام وانقاذ العباد

 228- مباحث الاصول (الواجب النفسي والغيري) (3)

 67- تعريف المبدأ التصوري والتصديقي

 75- شرعية وقدسية حركة وشعائر سيد الشهداء عليه سلام الله -2

 هل يصح السؤال: من خلق الله؟



 استقرار العراق وتقدمه هدفان لا تراجع عنهما

 السابع عشر من ربيع الأول انبلاج نور النبوة الخاتمة في مكة المعظمة

 التشيّع مصان ومحفوظ بقوّة غيبية والتشكيك والمعادي مصيرهما الخيبة والزوال

 رزايا العنف وغلق قنوات الحوار



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 المرابطة في زمن الغيبة الكبرى (المقدمات ، المتقدمات ، المُمَهِّدَات ، المسؤوليات)

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية

 204- مناشئ الانحراف والضلالة : الغرور والاستعلاء والجهل الشامل

 فقه الرشوة

 203- محاكمة اسلحة الفرق الضالة : الايحاء المغناطيسي والخدع العلمية ومغالطة الكبرى والصغرى

 205- مناشيء الانحراف والضلال : المؤامرات الدولية على الاديان والمذاهب وموقع مراكز الدراسات وبلورة الرؤى في المعادلة

 حجية مراسيل الثقات المعتمدة - الصدوق و الطوسي نموذجاً -



  • الأقسام : 65

  • المواضيع : 3090

  • التصفحات : 4499344

  • التاريخ : 25/05/2018 - 23:45

 
 
  • القسم : الفوائد والبحوث .

        • الموضوع : 109- بحث اصولي قانوني عن مقاصد الشريعة ومبادئ التشريع .

109- بحث اصولي قانوني عن مقاصد الشريعة ومبادئ التشريع
29 محرم الحرام 1438هـ

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
 
دراسة أصولية قانونية عن مقاصد الشريعة ومبادئ التشريع*
ويقصد بها الأعم من مبادئ التشريع والغايات الكبرى له، وروح القوانين وملاكات الأحكام ومناطاتها، وتدرجها القِيَمي[1].
وقد اهتم أهل الخلاف بهذا المبحث كثيراً فيما لم يلقَ ذلك الاهتمام من قبل علماء الشيعة عموماً، و لعل السبب إعواز النصوص لديهم لقلة الأحاديث الواردة عن الرسول (صلى الله عليه وآله) ما اضطرهم الى اللجوء إلى المقاصد لاكتشاف الأحكام، بخلاف الشيعة حيث استغنوا عن ذلك ببركة استمرار الارتباط بالسماء بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) عبر خلفائه الذين نص عليهم، فكانت أحاديث الأربعة عشر معصوماً حافلةً غنيةً تملأ الفراغات، خاصة ما وصل إلينا من الصادقين عليهما السلام.
كما عزز إهمال هذا المبحث التزام الشيعة تبعاً للأئمة الأطهار عليهم السلام بتحريم القياس مطلقاً، وان ملاكات الأحكام مما لا نعلمها.
ولكن لعل الأولى القول بالتفصيل فانه وإن صح ما ذكر، ولكن:
1- لم يصلنا الكثير من الروايات، لإحراقها أو دفنها أو إغراقها أو غير ذلك ،كما حدث لكتاب مدينة العلم، وأكثر الأصول الأربعمائة[2]
2- وجود علل منصوص عليها في الروايات.
3- قبول الفقهاء بقياس الأولوية كـما في قوله تعالى(فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ)، ومقطوع المناط.
4- بناءُ الأصوليين على قبول قاعدة التحسين والتقبيح العقليين[3] ، وبناء أكثرهم إلا النادر – كصاحب الفصول- على قبول قاعدة الملازمة.
 إضافة إلى ان عدداً من أبواب الفقه والألوف من مسائله، مبني على ترجيح بعض الملاكات على البعض الآخر، ومباحث أبواب الترتب والتزاحم والأهم والمهم وشبهها شاهدة، هذا ثبوتا، واما إثباتاً؛ فلأن هذا الموضوع - مقاصد الشريعة- مطروح بقوة في أوساط حوزات أهل الخلاف وجامعاتهم، وقد وصلت تموجاته إلى مجتمعاتنا وبعض حوزاتنا أيضاً، فلا بد إذن من دراسته، سلباً او ايجاباً، وسواء أرفضناه بالمرة فيكون كالشهرة - على رأي من لا يراها جابرة ولا كاسرة إلا انه مع ذلك بَحَثَها في الأصول لنفي حجيتها-، ام قبلنا بعضاً منه ضمن ضوابط – كالضابطين اللذين اشرنا إليها[4] واللذين بنى عليهما علماء الشيعة أيضاً، وكالقاعدة الآنفة.
 
من مباحث هذا العلم ونماذج من مسائله
ثم ان من مباحث هذا العلم[5]:
ما هي مبادئ التشريع ومقاصده؟
ما هي علاقة مقاصد الشريعة بالقواعد الأصولية والفقهية، كقاعدة التحسين والتقبيح العقليين وقاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع؟
ما هو الدليل على كل واحد منها، وهل دلّ الدليل على كونها علة أم هي مجرد حكمة؟[6]
وما هي نسبة كل مقصد بالقياس للآخر من حيث التدرج القيمي والأهمية؟
وما هي ضوابط الاستنباط في المقاصد، بعد ان عرفنا ضوابط الاستنباط في الظواهر والحجج في الأصول والفقه؟
واما مسائله:
فمنها: ان أسس مقاصد الشريعة مما ذكره علماء الشيعة هي ثلاثة وهي: وقاية الدماء والأعراض والأموال، وأضاف إليها علماء أهل الخلاف: الدين[7] والعقل[8]، فهل الأمر كذلك؟ وعلى فرضه فأي الخمسة هو الأهم المقدم في باب التزاحم؟[9]
ومنها: الكرامة الإنسانية استناداً إلى (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) فهل هي ضابطة قانونية أو هي قاعدة أخلاقية؟
وعلى الأول فلو دار الأمر بين قانون السلطنة (الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم وحقوقهم) وبين الكرامة الإنسانية فأيهما المقدم؟
وعلى ذلك تبتني المئات من المسائل في حقوق العامل وحقوق السجين وغيرها[10].
 
الفوارق فيما بين مبادئ التشريع و القواعد الفقهية والمسائل الاصولية
ثم ان مبادئ التشريع وغاياته الكبرى، تختلف عن القواعد الفقهية وعن المسائل الاصولية - بمجموعة من الفوارق – بما يتضح معه معناها وأهميتها أكثر -:
1- ان المبادئ هي منشأ التشريع وسببه وعلته[11]، اما القواعد فهي المشرَّعة – بالفتح –  اي: الـمُنشَأ بالتشريع ، اما المسائل الأصولية فهي بين ممضاة وبين مشرَّعة ومؤسَّسة بما تقع نتيجتها في طريق الحكم الشرعي، فالمبادئ علة – او حكمة - للقواعد وللمسائل الاصولية، دون العكس. 
2- انها لو عورضت بالقواعد فانها لا تتخصص بها وان كانت القواعد أخص مطلقاً، كما لا يصار الى التوقف أو التخيير أو التساقط لو كانت نسبتها التباين، و كذا في مورد الاجتماع لو كانت النسبة بينهما من وجه، بل انها – المبادئ – توجب صرفها عن ظهورها ، أما القواعد لو تعارضت فيعمل فيها حسب قواعد التعارض بعد ملاحظة النسب فيما بينها[12].
3- انها من المرجحات يترجح بها أحد الدليلين المتعارضين على الآخر[13] فهي كموافقة الكتاب أو مخالفته او غيرهما من المرجحات، عكس القواعد فتأمل.
4- انها واردة على الاستثناء الوارد على الحاكم على الأدلة[14].
5- ان أمرها بيد الشارع المشرِّع المكلِّف، لحاظاً[15][16] واعتباراً وأخذاً[17] وتطبيقاً، اما القواعد فيوكل تطبيقها إلى المكلَّف.
وبعبارة أخرى: ان المبادئ مما هي من شأن المشرِّع مطلقاً، أما القواعد والأصول فهي من شأن المكلف في الجملة وكذلك العلل كما سيأتي.
6- انها وسائط[18] في عملية الاستنباط[19]، كالأصول، اما القواعد فليست بوسائط بل هي كليات تنطبق على صغرياتها[20].
وتوضيح ذلك في الجملة يظهر عبر التطرق لإحدى القواعد الفقهية المعروفة؛ وهي قاعدة لا حرج على ضوء ما ربما يستظهر من صاحب الجواهر في مواطن عديدة ومسائل شتى ياتي ذكر بعضها انه اعتبر لا حرج مبدءاً من مبادئ التشريع، لا قاعدة من قواعده، فرفع رتبتها فوق رتبة العناوين الثانوية.
 
1- الاستدلال على عدم وجوب تقليد الأعلم بلزوم الحرج
المسألة الأولى:
قال في الجواهر: ((و على كل حال فـهل يجوز العدول إلى المفضول مع وجود الأفضل؟ فيه تردد من الاشتراك في الأهلية، ولما هو المعلوم من إفتاء الصحابة مع اختلافهم في الفضيلة وعدم النكير عليهم، فيكون ذلك إجماعاً منهم، ولما في تكليف العامي بذلك من العسر والحرج، لعدم تأهله لمعرفة الأفضل من غيره.
ومن أن الظن بقول الأعلم أقوى فيجب اتباعه، إذ أقوال المفتين بالنسبة إلى المقلد كالأدلة بالنسبة إلى المجتهد في وجوب اتباع الراجح...)[21]
والاستدلال لأحد الوجهين بـ(ولما في تكليف العامي بذلك من العسر والحرج) مبني على القول بكونهما من مبادئ التشريع ومناشئه وعلله؛ إذ يراد استناداً إلى (نفي العسر) نفي جعل الحكم بلزوم إتباع الأعلم؛ إذ الكلام في جعل اصل الحكم وانه مجعول ام لا، وليس في رفع بعض مراتبه لكونها حرجية بعد ثبوت أصله فتدبر جيداً.
ويتضح ذلك أكثر بملاحظة انه لو كان نفي الحرج قاعدة فقهية بنظر الجواهر، لما صح الاستدلال بجهتين:
أ- ان مفاد قاعدة لا حرج رفع الحرج الشخصي، لا النوعي، كما هو المشهور، كمفاد لا ضرر، فلو كان قاعدةً فقهيةً بنظر صاحب الجواهر، للزم ان يستدل بها على رفع الحكم بوجوب تقليد الأعلم على من كان ذلك حرجياً عليه لا مطلقاً[22]
واما لو اُعتبر لا حرج مبدءاً فانه ستكون نتيجته عدم جعل هذا الحكم أصلاً؛ لأن الشارع لاحظ أن في جعله حرجاً نوعياً فلم يجعله، فلا حكم في صقع الواقع، من غير فرق بين كون الشخص ممن يقع في حرج بالالتزام بتقليد الأعلم او لا يقع[23].
ب- ان لا حرج لو كانت قاعدة لما صح هذا الاستدلال من جهة أخرى؛ وذلك لأن قاعدة لا حرج لا ترفع ما كان وارداً مورد الحرج، كالجهاد والخمس والحج[24] والحدود والديات، فيقال: ان وجوب تقليد العامي للأعلم، وارد مورد الحرج لأن معرفته للأعلم حرجية في أغلب الأحيان فلا يرفع بلا حرج، هذا لو كانت لا حرج قاعدة، عكس ما لو كانت مبدءاً من المبادئ فانه يفيد عدم جعل أصل الحكم كما هو ظاهر استدلال الجواهر على عدم وجوب تقليد الأعلم بـ(لما في تكليف العامي بذلك من العسر والحجر) وهذا يعني ان الشارع لم يكلف بتقليد الأعلم للحاظه هذا المنشأ المبدأ – حكمةً أو علةً –.
 
2- الاستدلال على جواز التيمم لو خاف ضياع مال، برفع الحرج
المسألة الثانية: 
قال في الجواهر: ((لا فرق في جواز التيمم بين أن يخاف لصاً أو سبعاً أو يخاف ضياع مال، لكن أشكل الحال على صاحب الحدائق بالنسبة للخوف على المال بعد اعترافه باتفاق الأصحاب عليه، قال: "لعدم الدليل، لظهور الروايتين في الخوف على النفس ومعارضة نفي الحرج ووجوب حفظ المال بما دل على وجوب الوضوء والغسل، بل هي أوضح فلتحكم عليها، ولو سلم فبينها تعارض العموم من وجه، وتحكيم تلك ليس أولى من العكس).[25] ثم قال (وفيه... ان أدلة العسر والحرج غير قابلة للتخصيص؛ لظهورها ان ليس في الدين ما فيه حرج، فليست هي من قبيل الأصل))
ومراده من الأصل: القاعدة لا الأصل العملي كما لا يخفى[26].
و حاصل كلامه : ان القواعد قد تتخصص، اما أدلة العسر والحرج فلا تتخصص، وذلك من خصائص العلل والغايات الكبرى للتشريع والمبادئ، فلا حرج – على كلامه – كأدلة العدل والظلم لا تتخصص. 
واما الدليل على ذلك في عالم الإثبات فهو ما ذكره من (لظهورها ان ليس في الدين ما فيه حرج). فتأمل[27].
 
3- الاستدلال بالاكتفاء بالظن مطلقاً في عدد الركعات، بنفي الحرج
المسألة الثالثة:
قال في الجواهر: ((بل عن كتاب المسائل لعلي بن جعفر الاكتفاء بالظن في أعداد الركعات وأخذ البناء عليه من المسلمات مع تقرير أخيه الحجة (عليه السلام) عليه، بل يمكن الاستدلال عليه بالأخبار الدالة على رجوع الإمام للمأموم وبالعكس بناء على أن ذلك لحصول الظن...) (... وأن الصلاة عبادة كثيرة الأفعال والتروك فالمناسب لشرعها الاكتفاء بالظن مطلقا، وإلا كانت معرضة للفساد بكل وهم، كل ذلك مع ما في التكليف بالعلم، من العسر والحرج، فإنه لا يكاد يوجد من تصدر عنه صلاة مع القطع واليقين)[28]
فان المستظهر من كلامه: (ما في التكليف بالعلم، من العسر والحرج) انه اعتبر اللاحرج سبباً لتشريع الشارع الاكتفاء بالظن مطلقاً في عدد الركعات، فانتقل بالكلام عن القاعدة، إلى ما هو شأن المشرِّع ومبادئ تشريعه.
لا يقال[29]: ان هذا التكليف – اي: تحصيل العلم في عدد الركعات – وارد مورد العسر والحرج، فلا يرفع بهما؟
إذ يقال: إنما يتم الإشكال لو كان العسر والحرج قاعدة، دون ما لو كان مبدءاً من مبادئ التشريع، كما هو ظاهر الجواهر، وكما سبق توضيحه.
ثم ان مقتضى هذا الاستدلال لو تمَّ، تعميم الاكتفاء بالظن لمطلق أفعال الصلاة مما التزم به صاحب الجواهر.[30] [31]
 
4- الاستدلال بنفي الحرج على عدم شرطية العدالة بالمعنى الضيق الأخص
المسألة الرابعة:
قال في الجواهر: ((لكن دعوى حصول الظن بالملكة العامة لسائر المعاصي كذب وافتراء وغيرهما بمجرد نقل بعض أحواله كما ترى، ومراعاة الأخبار تقضي بأن العدالة أمرها سهل كما ينبئ عنه الحث على الجماعة سفراً وحضراً، وقولهم: إذا مات الإمام أو أحدث قُدِّم شخص آخر ممن خلفه، على أن أمر العدالة محتاج إليه في كثير من الأشياء كالطلاق والديون والوصايا وسائر المعاملات، وهي على هذا الفرض في غاية الندرة، بل لا يخلو من العسر والحرج قطعاً))[32]
وهذه كسابقتها، ونضيف: حيث أن صاحب الجواهر ضيّق معنى الملكة بتفسيرها بـالملكة العامة، وعدم إمكان حصول الظن بها عادة، التزم بعدم اشتراطها نظراً للزوم العسر والحرج قطعاً – حسب كلامه.
لكن من لا يرتضي هذا التفسير بان يرى الملكة مجرد مقتض ذا مراتب من دون علية لها، أو يرى حسن الظاهر كاشفاً، أو ما أشبه، فهو بمندوحة عن ذلك؛ إذ لا عسر ولا حرج حينئذٍ. فتأمل[33].
كما نضيف: ان شرطية العدالة في شاهدي الطلاق، وغيرها، حكم وضعي ومع ذلك التزم صاحب الجواهر برَفعه مستنداً إلى نفي الحرج.
 
5- الاستدلال بنفي الحرج على عدم تنجس البئر بالميتة و...
المسألة الخامسة:
وفي مسألة تنجس البئر بوقوع الفأرة وشبهها وعدمها وان النزح غير لازم قال: ((وربما يظهر من العلة ان تنجيس البئر بالملاقاة ربما يكون سبباً للحرج المنفي، وأنت خبير ان الترجيح لهذه الأخبار لكثرتها وصحة أسانيدها وصراحة دلالة بعضها مع مخالفتها للعامة وموافقتها للأصول وعمومات الطهارة وموافقتها لسهولة الحنيفية وسماحتها وانه لا حرج فيها))[34].
فقد رجَّح إحدى الطائفتين المتعارضتين، بموافقتها اليسر والسهولة وانه لا حرج فيها، وذلك من خصائص المبادئ لا القواعد، وهو من شأن المشرِّع لا المكلَّف، وذلك كترجيح بعض بنود القانون إذا تعارضت مع بندٍ آخر، بموافقته للدستور.
ثم ان من الواضح ان النجاسة اما أمر تكويني كشف عنه الشارع أو حكم وضعي، ومع ذلك اعتبر صاحب الجواهر نفي الحرج رافعاً لها.
 
6- الاستدلال بنفي الحرج على عدم نجاسة الغسالة
المسألة السادسة
قال ايضاً: ((قال في المدارك: "اختلف القائلون بعدم نجاسة الغسالة في أن ذلك هل هو على سبيل العفو بمعنى الطهارة دون الطهورية، أو تكون باقية على ما كانت عليه من الطهورية، أو يكون حكمها حكم رافع الحدث الأكبر؟ فقال بكل قائل، والمراد بالآخر انه رافع للخبث دون الحدث" انتهى وكيف كان فالأقوى في النظر عدم جواز رفع الحدث به)) ثم قال: ((ومثل هذا النزاع يجري على القول بالنجاسة أيضاً في المتخلف من الماء في الثوب والبدن، ضرورة جريان الاحتمالات الثلاثة فيه، لكن لعل المتجه على مذهبهم[35] القول بأنه طاهر لا يرفع حدثاً ولا خبثاً، وذلك لأن القاعدة تقضي بتنجيسه، لكن لمكان العسر والحرج والمشقة التزم بالطهارة))[36].
فانه قدس سره قدَّم ما هو من مبادئ التشريع على ظواهر الألفاظ أو نصوصها[37] فحكم بالطهارة لقاعدة نفي العسر والحرج خلافاً لظاهر أدلة نجاسة الملاقي للنجاسة.
 
7- كفاية قوت البلد في زكاة الفطرة لنفي الحرج
المسألة السابعة:
ذهب صاحب الجواهر إلى عدم انحصار جنس الفطرة فيما ذكرته الروايات من تمر وزبيب وحنطة وشعير وسلت وشبهها، والاكتفاء بقوت البلد مستدلاً بـ: ((هذا كله مضافاً إلى ما في تكليف الإنسان من شراء غير قوته وصرفه إلى الفقراء من الحرج والمشقة والضرر المنفية بالآية[38]والرواية [39]))[40]
 
8- جواز إعطاء الزكاة لمن يدعي الفقر بدون بينة ولا يمين، لنفي الحرج
المسألة الثامنة:
نقل صاحب الجواهر عن المدارك قوله: (والمسألة محل إشكال من اتفاق الأصحاب ظاهراً على جواز الدفع إلى مدعي الفقر إذا لم يعلم له أصل مال من غير تكليف له ببينة ولا يمين، وورود بعض الأخبار بذلك، وكونه موافقاً للأصل، واستلزام التكليف بإقامة البينة على الفقر الحرج والعسر في أكثر الموارد، ومن ان الشرط إتصاف المدفوع إليه بأحد الأوصاف الثمانية، فلا بد من تحقق الشرط كما في نظائره))[41]
وذلك رغم ((بخلاف المقام الذي قد كلف فيه المسلم بإيصال الزكاة للفقير المتوقف ذلك على العلم بفقره ولو بالبينة الشرعية وما يقوم مقامها، وليس دعوى الفقير من ذلك، بل المقام أشبه شيء بدعوى العدالة أو دعوى الاجتهاد في جواز الصلاة خلفه أو الأخذ منه))[42] هذا من غير ان يناقش صاحب الجواهر صاحب المدارك في استدلاله لأحد الوجهين بلاحرج. فتأمل
 
9- عدم بطلان الصوم بابتلاع النخامة، لنفي الحرج
المسألة التاسعة:
ذهب صاحب الجواهر إلى عدم مبطلية النخامة والبصاق الكثير للصوم، نظراً للاحرج قال: ((و لا البصاق المجموع في الفم أولاً ولو كان عمداً ما لم ينفصل عن الفم بل في التذكرة نسبة الثانية إلى علمائنا قال: "سواء جمعه في فمه ثم ابتلعه أو لم يجمعه" وفي الخلاف نفي الخلاف فيه بل ظاهره ذلك في النخامة أيضاً للأصل في الجميع والسِيرة في بعض والحرج فيه))[43]
أقول: لا يضر بذلك استدلاله أيضاً – هنا وفي مسائل أخرى – بالروايات؛ إذ الكلام نفس ما سبق بيانه؛ من حيث انه استدل بلاحرج على عدم جعل الحكم اصلا، مما يدلنا على انه اعتبر اللاحرج مبدءاً من مبادئ التشريع.
كما انه ينبغي ان يلحق به في الاستدلال بلا حرج ما لو أدخل حصاة أو فصاً أو خيطاً في فمه وأخرجه وعليه رطوبة ثم أعاده وابتلع الريق، وإن لم يستهلك فتدبر.
 
10- عدم اعتبار الإيمان في الذابح، لنفي الحرج
المسألة العاشرة:
قال في الجواهر: ((وكيف كان فلا يشترط الإيمان بالمعنى الأخص وفاقا للمشهور، للأصل وظاهر التعليل السابق المستفاد منه أن المسلم هو الذي يؤمن على الاسم، والسيرة القطعية المستمرة، ونفي الحرج)[44]
 
11- عدم وجوب الاستنابة للعاجز عن الجهاد، لنفي الحرج
المسألة الحادية عشرة:
قال في الجواهر: ((ولكن هو[45] أشبه بأصول المذهب وقواعده التي منها أصل البراءة وإطلاق نفي الحرج الشامل للنفس والمال))[46]
أقول: ان البراءة حكم ظاهري، ولا حرج حكم واقعي ثانوي فهما من مرتبتين[47].
 
12- اجزاء الهدي المهزول لو علم بعد الذبح، لنفي الحرج
المسألة الثانية عشرة:
قال في الجواهر: ((وكذا تجزي لو اشتراها على أنها سمينة فخرجت مهزولة بعد الذبح...) (وبانتفاء العسر والحرج وصدق الامتثال، نعم لو ظهر الهزال قبل الذبح لم يجز))[48]
 
13- عدم وجوب الحج على من لا يجد مالاً للضيافات والمصانعات، لنفي الحرج
المسألة الثالثة عشرة: 
قال في الجواهر: ((بل الظاهر استثناء ما يحتاج إليه من مؤونة أضيافه ومصانعاته وغيرها من مؤنة له، ضرورة كون المراد بالاستطاعة على ما يظهر من هذه النصوص وما تقدم في المسكن والخادم ونحوهما وجدان ما يزيد على ما يحتاجه من أمثال ذلك اللازمة له أولاً وبالذات أو ثانياً وبالعرض، كالحفظ لعرضه ودفع النقص عنه أو ظلم الجائر أو نحو ذلك)).[49]
والشاهد في كلامه اللاحق حيث قال: ((بل قد يندرج التكليف بالحج مع عدم ملاحظة ذلك في الحرج والضرر والعسر المنفية عقلا وآية ورواية، فهي حينئذٍ الدليل له كنظائره مما تقدم سابقا في استثناء المسكن والخادم ونحوهما فلاحظ وتأمل جيدا)[50]
14- عدم سقوط حضانة الأم لو طلبت أجرة زائدة عن غيرها أو مع وجود المتبرعة، لنفي الحرج
كما جاء في الجواهر أيضاً[51] فراجع
أقول: وهناك العشرات من المسائل الأخرى التي استدل فيها صاحب الجواهر على عدم تشريع حكم، بلا حرج، فلاحظ[52]
 
مناقشة كلام صاحب الجواهر
ولكن قد يورد على صاحب الجواهر بإشكالات صغروية وأخرى كبروية[53]
 
تنقيح معنى (الحرج) 
 ان الاستدلال – صغرى – إنما يتم، لو أريد بالحرج، مطلق الضيق، لكن قد يقال:
أ- الحرج هو الضيق الذي لا مخرج منه قال في مجمع البيان: (( (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) أي من ضيق منه لا مخرج منه ولا مخلص من عقابه بل جعل التوبة والكفارات ورد المظالم مخلصاً من الذنوب فليس في دين الإسلام ما لا سبيل إلى الخلاص من العقاب به، فلا عذر لأحد في ترك الاستعداد للقيامة)) [54].
وقال في التبيان: (( (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) معناه: لم يجعل عليكم ضيقاً في دينكم ولا ما لا مخرج منه وذلك ان منه ما يتخلص منه بالتوبة ومنها ما يتخلص برد المظلمة وليس في دين الإسلام ما لا سبيل إلى الخلاص من عقابه) وقال ما مضمونه انه يدل على فساد مذهب المجبرة في العدل مثل ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ) و(لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا)
وقال في مجمع البحرين (وفي كلام الشيخ علي بن إبراهيم: الحرج الذي لا مدخل له، والضيق ما يكون له مدخل)
وحينئذٍ نقول: ان أكثر ما ذكره صاحب الجواهر هو من قبيل الحرج[55] الذي منه المخرج، كما في إيجاب تقليد الأعلم على العامي، فانه ليس حرجاً لا مخرج منه ؛ لوجود المخرج منه وهو لجوؤه إلى البينة أو الشياع وما أشبه، وعلى فرض تعارض البينتين وعدم تحقق الشياع وغير ذلك، فإن (لا حرج) هنا ترفع الحكم بوجوب تقليد الأعلم عن المكلف بخصوصه[56]، لا انها توجب عدم جعل الحكم[57] أصلاً.
ب- الحرج هو المشقة التي لا تتحمل عادة كما هو ظاهر آخر كلام مجمع البيان:
(وقيل معناه: ان الله سبحانه لم يضيق عليكم أمر الدين فلم يكلفكم ما لا تطيقونه بل كلّف دون الوسع فلا عذر لكم في تركه).
 وكما هو لعلّه أو سابقه ظاهر قولك: انه – أي المريض – في حالة حرجة وشبهها.
وقال في مجمع البحرين ("من حرج" أي من ضيق بان يكلفكم ما لا طاقة لكم به وما تعجزون عنه) والحاصل: ان الحرج يساوي ما لا يطيقه الإنسان.
ومن الواضح ان أكثر الموارد السابقة التي ذكرها صاحب الجواهر ليس فيها مشقة لا تتحمل عادة فلاحظ عدم ابتلاع الصائم النخامة فانه ليس في أكثر المكلفين مشقة شديدة لا تتحمل عادة، وكذلك اشتراط دفع الزكاة من التمر والزبيب والحنطة والشعير وشبهها وإن كان القوت الغالب للبلد غيرها، وإقامة الفقير البينة على فقره فان أهل المحل يعرفون الفقراء عادة وليس في إقامة البينة مشقة لا تتحمل عادة..
 
2- (لا حرج) قابل للتخصيص
كما قد يورد على قوله (ان أدلة العسر والحرج غير قابلة للتخصيص لظهورها ان ليس في الدين ما فيه حرج فليست هي من قبيل الأصل)[58] بان دليل لا حرج قابل للتخصيص، كسائر الأدلة وذلك لـوجوه:
أ- ان نص الآية ولسانها هو (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) وليس ما فسرها به من كونه (ان ليس في الدين ما فيه حرج)، والبون شاسع بين المعنيين؛ فان ظاهر (ليس في الدين ما فيه حرج) ان الكلام عن النتيجة النهائية فهو كقول القائل (ليس في الدار أحد) الظاهر في كونه الخبر الأخير فهنا يمكن ان يقال: ان لسانه آبٍ عن التخصيص، أما ظاهر الآية فهو الكلام عن الفعل وعدمه وان الله لم يجعل ما فيه الحرج فهو أسهل لقبول الاستثناء.
ب- بل نقول: كلا التعبيرين مما يقبل الاستثناء عرفاً بان يقال: ما جعل عليكم في الدين من حرج إلا الجهاد مثلاً) أو (ليس في الدين ما فيه حرج إلا الصوم والزكاة والخمس والهجرة والأمر بالمعروف و...).
والحاصل: ان العرف لا يرى تعارضاً أو تناقضاً بين الصدر والذيل أي بين المستثنى منه والمستثنى.
التقييم العام لمبحث (مبادئ التشريع) وانه غير مجدٍ في عملية الاستنباط
وهنا وقبل ان نكمل نقاشنا مع صاحب الجواهر، نرجع إلى مبدأ البحث وكليِّه لنذكر الرأي المنصور والذي سيتضح به وجه ثالث فرابع فخامس فسادس لمناقشة صاحب الجواهر باعتبار ان كلامه واستنباطاته صغرى كبرى مبحثنا فما يقال في مناقشته ينفع لتحقيق الحال في كبرى مبادئ التشريع ومقاصد الشريعة وانها ليست مما تدخل في عملية استنباط الأحكام الفرعية[59]، فنقول:
ان وجود مبادئ عامة للتشريع وغايات كبرى وقِيَم عليا وإن صح لبداهة ورود (لِيَعْبُدُونِ) و(لِذَلِكَ[60] خَلَقَهُمْ) و(لا حرج)[61] و(لَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) وغيرها، إلا ان ذلك لا ينفع إلا في مباحث فلسفة الأديان وإثبات عقلانية الشريعة الإسلامية وما شابهها، وهو هدف هام وأمر ضروري، لكنه لا ينفع في عملية الاستنباط في الفقه؛ إذ لا تصلح المبادئ للاستدلال بها على ثبوت حكم أو نفيه[62] فكيف يجعلها صاحب الجواهر سبباً لطرح الظواهر أو النصوص؟
وسنوضح ذلك ضمن إكمال أجوبتنا على كلام الجواهر.
 
3- لا حرج مبدأ قد يزاحمه مبدأ آخر
إن لا حرج وان فرض كونه مبدءاً من مبادئ التشريع وقيمة عامة يلاحظها الشارع الأقدس لدى التشريع[63] لكن لا يعلم كونها العلة المنحصرة، بل لا يعلم كونها مقتضياً؛ إذ لعلها جزء المقتضي للحكم فقد يوجد مبدأ آخر مزاحم لها ولعله أقوى، فلا يصح الاستدلال بها على تشريع الحكم فعلاً، فانه استدلال بالأعم على الأخص.
ويتضح ذلك أكثر بملاحظة المسائل التي بناها الجواهر على الحرج:
أ- اللا حرج في تقليد الأعلم مزاحَم بمصلحة إصابة الواقع فيه.
فمنها: استدلاله في عدم تشريع وجوب تقليد الأعلم بلا حرج.
وفيه: انه مزاحم بمبدأ آخر من مبادئ التشريع وهو كون نظر الأعلم أقرب للاصابة[64]، وقد يقال ان هذا أرجح من ذاك؛ إذ يرجُح ان يشق العامي على نفسه أياماً أو أسابيع لمعرفة الأعلم - وان واجهه حرج- ، كي يحرز ألوف الأحكام المطابقة للواقع على امتداد عشرات السنين فيصل بذلك إلى المصالح الواقعية ويتجنب من المفاسد الواقعية في الواجبات والمحرمات التي لا شك انها أرجح من مشقة حرج البحث أياماً وأسابيع، سلمنا لكن لا أقل من الاحتمال فلا مجال لاكتشاف ان الشارع حكم بعدم الوجوب لمجرد وجود الحرج إلا بعد احراز انتفاء وجود مزاحمات أخرى بالمرة، أو اثبات كونها أضعف.
ب- اللاحرج في اشتراط العدالة بالمعنى الأخص مزاحَم بإرادة التشديد
ومنها: استدلاله على عدم شرطية العدالة بالمعنى الأخص، في شاهدي الطلاق والوصايا وغيرها، بلا حرج
وفيه: انه مزاحَم بالمصلحة في التشديد في أمر الطلاق ، نظراً الى ان من أهم المصالح حفظ العوائل عن التفكك، اذ من الملاحظ خارجاً انه كثيرا ما يبادر الازواج الى الطلاق فور ما يعتريهم غضب او نشب صراع بين الزوجين فيلجأ الى الطلاق، وحينئذٍ فكلما صعّب الشارع في شروط الطلاق، احتمل ان تخمد فورة غضبه أو ان يتدخل المصلحون، فتستمر الحياة الزوجية، ولا يضيع الأولاد في نفق الطلاق ومتاهة الانفصال، ويؤكده: ان أصل اشتراط الشاهدين العادلين في الطلاق دون النكاح، هو لمصلحة تصعيب الطلاق والحيلولة دون وقوعه بيسر و سهولة، وتسهيل النكاح عكس ما صنعه أهل العامة مما يخالف هذه الحكمة العامة.
 وكذا الامر في مثل الوصايا وغيرها على اختلاف درجاتها.
 
4- (اللاحرج) قد يُزاحم بحرج آخر حاصل للشخص أو لغيره
ان لا حرج بناءاً على كونه مبدءاً من مبادئ التشريع لكنه كسائر المبادئ لا يمكن استكشاف الحكم الشرعي به، والاستدلال به على ان الشارع شرَّع كذا ولم يشرع كذا، وذلك - مضافا لما سبق - لأن (للاحرج قد يزاحَم – ثبوتا – بلا حرجٍ مقابلٍ حاصلٍ للشخص نفسه أو لغيره.
ومن ذلك يتضح وجه من وجوه عدم تمامية ما فرّعه صاحب الجواهر على لا حرج كاستدلاله بجواز إعطاء الزكاة لمدعي الفقر من غير  بينة أو يمين، بلا حرج، اذ يرد عليه: ان لا حرج مدّعي الفقر – وما أكثر ما يكون كاذبا – مزاحَم بلا حرج الفقير الحقيقي الذي سيضيع حقه لو أعطيت الزكاة لكل من ادعى الفقر دون بينة أو يمين لوضوح كثرة كذب مدعي الفقر حينئذٍ[65]
وكاستدلاله على عدم وجوب الحج على من لا يجد مالاً للضيافات والمصانعات، بلا حرج، فانه يرد عليه: انه مزاحَم بعدم اعتبارها حجة الإسلام لمن وجد الزاد والراحلة وما يقوِّت به عياله ولم يجد مالاً للضيافات، فان ذلك حرجي على كثير من الناس لو لم تعتبر هذه حجة الإسلام له[66] ؛ إذ يجب عليه في السنين اللاحقة أن يحج لو تحققت لديه الاستطاعة، وكثيراً ما يرغب الانسان بشدة في الحج فور حصوله على الأموال – وإن لم تكن كافية للضيافات – ويكون من الصعب عليه الحج في السنين القادمة لسبب أو آخر، فاعتبار الحج غير متعلق بذمته لفقده مال الضيافة – مما يستلزم وجوب الحج عليه في السنين القادمة لو استطاع - هو الحرجي عليه.
ويوضحه ان الكثير من الناس يريد الحج بالقرض، وحيث انه لا تعد حجة الإسلام[67] يبحث عن مخرج – كالبذل- لتُعدَّ كذلك.
و مثال الحرج فيما نحن فيه من تزاحم وجوه الحرج بين اطراف مختلفة او حيثيات متعددة، كمثال الرحمة والتي هي قيمة اخرى ومبدأ اخر من مبادئ التشريع، ومع ذلك لا تصح دعوى إسقاط حكم القصاص بذريعة انه خلاف الرحمة، إذ يجاب: أ- بمزاحمة الرحمة للقاتل، برحمة المجتمع إذ ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) ب- بل بمزاحمتها للرحمة عليه هو بنفسه إذ قتله يحول دون اجتراحه المزيد من الجرائم فيمنع ابتلاءه بالعذاب الأشدّ، انطلاقا من قوله (انما نملي لهم ليزدادوا اثماًًً) .
 
5- اللاحرج وغيره قد يتوقف تأثيره على شرط مفقود
ان اللاحرج وأي مبدأ آخر وإن فرض كونه تام الاقتضاء، إلا انه قد يتوقف اقتضاؤه او تأثيره[68] في حسن الفعل أو في حسنه الشديد أو في الأمر به،على شرط مفقود، فلا يصح الاستدلال بصِرف وجوده على صدور الحكم من الشارع على طبقه.
وتوضيحه بمثال برهاني: ان العبادة كالصلاة والصوم والحج اما ان يقال بتوقف حسنها[69] على وجود الأمر بها أو على قصد امتثاله أو لا؛ فان قيل: بالتوقف، كان مرد ذلك الى ان العبادة ليست حسنة في حد ذاتها ولا مبدءاً من مبادئ التشريع ما لم يؤمر بها – أو يُقصد امتثال أمرها – بل يتوقف حسنها  على الأمر بها، فكيف تكون من مبادئ التشريع ومناشئ الأمر؟ وكيف يستدل بحسنها الذاتي على أن الشارع قد أمر بها إذن!
هذا إضافة إلى ما في إنكار الحسن والقبح الذاتي للعبادة مع قطع النظر عن الامر بها من الغرابة فانها حاملة للمصلحة بنفسها، بشهادة الوجدان والفطرة والارتكاز، فتامل. 
وإن قيل: بعدمه، كان ذلك التزاماً بالتفكيك فلا يتم استدلال الجواهر وغيره بـالمبدأ والحسن على صدور الحكم، إذ الحسن والمبدأ موجود لكن الأمر به – أو قصد امتثاله – غير موجود في الجملة كما في كافة العبادات المخترعة كالصلاة بركعات خمسة، وصوم الوصال وغير ذلك[70]، والحاصل: ان المبدأ والحسن – على هذا الفرض - موجودان من دون ان يكون هناك تشريع على طبقه، بل التشريع على خلافه والتقنين على ضده.
وبعبارة أخرى هذا إذعان بعدم الملازمة فتأمل[71]
 
6- عدم معلومية الانطباق ولا مصداقية المصداق
سلمنا[72] لكن ذلك كله إنما يجدي فيما لو كان موضوع الحكم هو نفس ذلك المبدأ، إذ لو كان غيره مما أدعي انه صغراه وَرَدَ انه لا تُعلم حينئذٍ مصداقية المصداق ولا صحة دعوى الانطباق.
وتوضيحه بالمثال: في مثل العدل والذي لا ريب في حسنه الذاتي ووجوبه العقلي والشرعي، ولكن وضوح الكبرى لدى العقل والشرع لا يجدي في تشخيص المصداق، كما لا تصح دعوى ان قيمة العدل لم تراع في مثل توريث الذكر مثل حظ الانثيين، كما توهمه بعض الحداثويين، إذ يرد عليهم انه لا يعلم انطباق عنوان العدل على المساواة بين الذكر و الانثى في الإرث، كما لا يعلم ان عنوان الظلم قد انطبق في مضاعفة إرث الذكر، بل الأمر بالعكس، وذلك لان لحاظ الحداثوي قد انصب على جانب المال وقسمته فتوهم ان الحكم المزبور بما انطوت عليه تلك القسمة لا يتماشى مع قيمة العدل، ولو انه لاحظ جانب المسؤولية وان الذكر عليه يقع واجب إعالة الأنثى – أماً وزوجةً وأختاً – دون اخته (أي الوارثة معه مثلاً فان نفقتها على غيرها: أي زوجها أو أمها أو أبنها مثلاً) لَعَلِمَ ان العدل في هذا التقسيم؛ إذ أُعطيت الأنثى النصف ولم تكلف بشيء حتى بالإنفاق على نفسها، وأُعطي الذكر الضعف وكلِّف بالإنفاق على غيره.. هذا إضافة إلى جهات أخرى في بيان وجه ذلك يطول بذكرها المقام.
والعبادة أيضاً، كالعدل، فانه لا شك في حسنها الذاتي لكنه لا يجدي نفعاً في استنباط حكم أصنافها وأنواعها وفي تقنينها بل لا بد في تشخيص أنواع العبادة المحبوبة للشارع من الرجوع إلى الشارع نفسه، ولا يصح – عقلاً ولا شرعاً – استنباط جواز أو رجحان – فكيف بوجوب – الصلوات المخترعة[73] والحج المخترع، من أصل حسنها.
وكذلك الحرج ان فسر بـ(الضيق الذي لا مخرج منه) إذ لا يعلم ان منه المخرج أو لا.
ولا يرد على ما ذكرناه ما أورده الشيخ في مطارح الأنظار على السيد الصدر شارح الوافية، إذ استدل شارح الوافية لنفي الملازمة بين حكمي العقل والشرع، بعدم كون الجهات المدركة للعقل علة تامة للحكم، فأجاب الشيخ ((الثالث: أنّ ما أفاده من أنّ الجهات المدرَكة في المستقلّات العقلية ليست علة تامة فممّا لا يصغى إليه بعد موافقة الوجدان، فإنّ الجهة المدركة في الإحسان والظلم الآمرة في الأوّل والناهية في الثاني بحسب وجداننا في حال العلم هي العلة التامة))[74]
اذ يرد على كلام الشيخ:
1- لا علِّية إلا للعدل والظلم
أولاً: انه لا يوجد ما هو علة تامة لأمر الشارع ونهيه، من الجهات المدركة بالعقل، إلا العدل والظلم فانهما علة تامة للحكم بالوجوب والحرمة بقول مطلق، واما ما عداهما فليس إلا مقتضياً للوجوب والأمر أو الحرمة والنهي، حتى العبادة وشكر المنعم والرحمة والإحسان، فكيف بالمواساة والإيثار وكيف بمثل الشجاعة والسخاء وما أشبه، وذلك لأن هذه كلها بعنوانها، ليست إلا علة للرجحان الأعم من الوجوب والندب، وليست على إطلاقها علة للوجوب وإلا لوجبت كل عبادة[75] وكل شكر للمنعم ورحمة و... مع انه ليس الواجب منها إلا في الجملة لا بالجملة، عكس العدل الواجب مطلقاً بجميع أفراده ومصاديقه، فتدبر.
وليُلتَفَت إلى ان الشيخ عبر بـ(فان الجهة المدرَكة في الإحسان والظلم الآمرة في الأول والنهاية في الثاني) فمورد رده للصدر ما هو محط الأمر والنهي، ولو انه قَصَر العليّة على إيجاب مدركات العقل مطلق الرجحان أو المرجوحية لما ورد ما أوردناه.
2- لا يعلم الانطباق حتى على فرض العلّية
ثانياً: سلمنا ان الجهات المدركة في المستقلات العقلية هي علل للأمر والنهي، لكن ذلك لا يجدي نفعاً في استنباط الحكم الشرعي في الفقه، وان نفع في علم الكلام كمبحث عام، وذلك لما سبق من ان الكلام كل الكلام في الفقه، هو في الانطباق ومصداقية المصداق، إذ لا يبحث في الفقه عن عناوين الرحمة و العدل والعبادة وشبهها كأجناس، بل إنما يبحث عن الأنواع والمصاديق كـالصلاة وتقسيم الإرث بتلك الكيفية وغير ذلك، وهنا يقال: ان ثبوت الوجوب للجنس[76] لا يستلزم الوجوب للنوع فانه أعم منه، كما سبق من احتمال وجود عنوان مزاحم أهم في النوع أو فقد شرط أو ما أشبه.
وعليه: فان استدلال الجواهر بـلا حرج – وان فرض التسليم بانه من المستقلات العقلية[77] وان الحرج علة تامة للقبح[78] - لا يجدي نفعاً لإثبات ان طلب البينة من الفقير لإعطائه الزكاة و ابطال النخامة للصوم... الى اخر الامثلة المذكورة قد وجدت فيها العلة التامة للقبح دون مزاحم، وتوفرت فيها الشروط وانتفت الموانع، فلم يشرعها الشارع حتماً. 
 
7- توقف تأثير المبدأ على فقد مانع أو عدم رافع
ان لا حرج – وأي مبدأ آخر – قد يتوقف تأثيره في القبح الشديد[79] أو النهي عنه، على فقد مانع أو عدم رافع، فلا يصح الاستدلال بصِرف كون الشيء حرجياً على عدم تشريع وجوبه.
ويدل عليه: شأن الصبي المميز فانه لا شك في حسن تكليفه بالمستقلات العقلية عقلاً، بل وبمطلق الأحكام الشرعية؛ نظراً لتبعيتها لمصالح ومفاسد في المتعلقات، ولكن مع ذلك لم يكلفه الشارع بغير المستقلات، واما المستقلات فانه وإن كلف بها على المنصور إلا انه ليس  كآكدية الطلب في مثل البالغ، لذا لا تكون عقوبته كعقوبته.
وذلك اما لوجود مانع عن تكليفه[80] أو لعفو الشارع عنه.
وإذا تم ذلك، جرى مثله في كل مبدأ متصوَّر ومنه اللاحرج؛ إذ يحتمل عدم جعل الحكم على طبقه لمانع، أو رفعه – وإن لم يكن حرج – تفضلاً وعفواً.
لا يقال: المانع يدفع بالأصل؟
إذ يقال: لو فرض ذلك فانه لا ينتج إلا حكماً ظاهرياً، والمدعى في مبادئ التشريع هو كونها فوق الأدلة رتبةً ، والأحكام الأولية والثانوية فكيف بالظاهرية، فتدبر وسيأتي ما يرد على ذلك والجواب عنه.
 
8- المبادئ عناوين مشيرة، لا علل ولا مقتضيات
وقد يقال: ان المبادئ وإن كانت منصوصة، فليست عللاً ولا مقتضيات، بل هي عناوين مشيرة ومقربات للذهن بمقارِناتٍ نسبتها مع العلل الواقعية هي العموم والخصوص من وجه.
وذلك هو ما أشكل به الشيخ في المطارح[81] على صاحب الفصول.
قال في الفصول: ((لا ريب في أنّ كثيراً من الأحكام المقرّرة في الشريعة معلّلة في الحقيقة ظنّاً أو احتمالاً بِحِكَمٍ غير مطّردة في مواردها، ومع ذلك فقد حافظ الشارع على عمومها وكلّيتها حذراً من الأداء إلى الاختلال بموارد الحِكَم، كتشريع العدّة المعلّلة بحفظ الأنساب ونحوه، فالفعل في الموارد المنفكّة عن العلّة خالٍ عن المصلحة مع اطّراد الحكم واختصاص الحكمة بالبعض)[82].
وأجاب الشيخ: (انه لا نسلّم كون تلك الحِكَم علّة للحُكم الشرعي، كيف! ولولاها لزم التخلّف، بل تلك الحِكَم إنما هي تقريبات لأذهان المخاطبين لمناسبة جزئية، أو علل لتشريع الحكم وإظهاره وإبرازه كما في شأن نزول الآيات القرآنية، فإنّ المصالح الكامنة في الأشياء المقتضية للأمر بها والنهي عنها ممّا لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم من اُمنائه وخلفائه)[83].
ومفاد كلامه بتوضيح وتمثيل: ان ما يتوهم كونه علة للأحكام الشرعية، على أربعة أقسام[84]:
1- اما ان يكون علة حقيقةً يدور مدارها الحكم سلباً وإيجاباً.
2- واما ان يكون مقتضياً، فيتوقف على وجود الشروط وفقد الموانع كي يكون علة تامة.
3- واما ان يكون مقرِّبا لأذهان المخاطبين لمناسبة جزئية، أي لا يكون علة ولا مقتضياً ثبوتاً وفي نفس الأمر، بل هو أمر من عالم الإثبات، لإقناع المخاطَب وتفهيمه من دون وجود علقة واقعية، وذلك مثل لو قال المولى لعبده: اكرم هذا لأنه معمم أو أكرم هذا المعمم، مع ان العلة أو المقتضي للإكرام بنظره هو كونه عالماً، اما كونه معمماً فلا مدخلية له واقعاً في ملاك الإكرام بنظره بل جرى ذكره لمجرد أنس ذهن المخاطب بالتعمم وسرعة قبوله لمثل هذا التعليل، مع ان بينه وبين الملاك الواقعي العموم من وجه، فالتعمم مقارن اتفاقي وقد يكون أغلبياً لمناسبة جزئية بين العلم والتعمم.
4- واما ان يكون علةً لإظهار الحكم وإنشائه في عالم الاعتبار، لا علة لنفس الحكم ثبوتاً وذلك مثل قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) فان إيتاءه صلوات الله عليه الخاتم وهو راكع سبب لنزول الآية وإنشاء حكم الولاية، وليس علة لثبوت الولاية له في متن الواقع فان علة – أو مقتضي - ثبوت الولاية له واقعاً هي كونه صلوات الله عليه أفضل الخلق بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكونه منصوباً من قبل الله والرسول (صلى الله عليه وآله) من قبل ذلك.
وبعبارة أخرى: ان هذه الصفة علامة على توفر الملاك الواقعي فيه وليست هي الملاك الواقعي، بل هي الباعث الظاهري لإنشاء الحكم الوضعي[85] الواقعي وإبرازه.
ولا يتوهم ان الشيخ اراد بالقسم الثالث المقتضي؛ وذلك لوضوح كلامه اللاحق في انه قسيم له إذ قال (فان المصالح الكامنة في الأشياء المقتضية..) فقد نفى الاقتضاء وأثبت المقرِّبيَّة.
ولو تمّ كلام الشيخ لكان هذا وجهاً جديداً للإشكال على صاحب الجواهر وعلى عموم بحث المبادئ والمقاصد؛ إذ يقال: ان لا حرج ومطلق مبادئ التشريع هي مقربات لأذهان المخاطبين، وليست عللاً ولا مقتضيات، فلا يمكن ان يستنبط منها جعل الشارع لحكم أو عدم جعله.
 
مناقشة كلام الشيخ
لكن كلام الشيخ متأمل فيه وذلك:
1- انها اما علل أو مقتضيات لصريح العقل و...
أولاً: ان الله تعالى ورسوله صلى الله عليه واله والأئمة عليهم السلام هم الذين اطلعونا على المصالح الكامنة في الأشياء المقتضية للأمر بها والنهي عنها، وان كثيراً منها اما علل أو مقتضيات بصريح العقل والوجدان، وليست مجرد مقربات أجنبية في واقعها عن الحكم و انما ذكرت لمناسبة جزئية.
كما يلاحظ في ما ذكرته الصديقة الزهراء عليها السلام في خطبتها الفدكية (فَجَعَلَ اللَّهُ الْإِيمَانَ تَطْهِيراً لَكُمْ مِنَ الشِّرْكِ، وَالصَّلَاةَ تَنْزِيهاً لَكُمْ عَنِ الْكِبْرِ، وَالزَّكَاةَ تَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ وَنَمَاءً فِي الرِّزْقِ، وَالصِّيَامَ تَثْبِيتاً لِلْإِخْلَاصِ، وَالْحَجَّ تَشْيِيداً لِلدِّينِ، وَالْعَدْلَ تَنْسِيقاً لِلْقُلُوبِ، وَطَاعَتَنَا نِظَاماً لِلْمِلَّةِ، وَإِمَامَتَنَا أَمَاناً مِنَ الْفُرْقَةِ، وَالْجِهَادَ عِزّاً لِلْإِسْلَامِ، وَالصَّبْرَ مَعُونَةً عَلَى اسْتِيجَابِ الْأَجْرِ، وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعَامَّةِ، وَبِرَّ الْوَالِدَيْنِ وِقَايَةً مِنَ السَّخَطِ، وَصِلَةَ الْأَرْحَامِ مَنْمَاةً لِلْعَدَدِ، وَالْقِصَاصَ حَقْناً لِلدِّمَاءِ، وَالْوَفَاءَ بِالنَّذْرِ تَعْرِيضاً لِلْمَغْفِرَةِ، وَتَوْفِيَةَ الْمَكَايِيلِ وَالْمَوَازِينِ تَغْيِيراً لِلْبَخْسِ، وَالنَّهْيَ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ تَنْزِيهاً عَنِ الرِّجْسِ، وَاجْتِنَابَ الْقَذْفِ حِجَاباً عَنِ اللَّعْنَةِ، وَتَرْكَ السَّرِقَةِ إِيجَاباً لِلْعِفَّةِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ الشِّرْكَ إِخْلَاصاً لَهُ بِالرُّبُوبِيَّة)[86]
فان من البديهي ان المذكور في كلامها ما بين علل او مقتضيات حقيقية ثبوتية، وليست مجرد مقربات، ولا علل لإبراز الحكم فقط، وكذلك الحال في أكثر نظائرها.
نعم بعض هذه العلل تعد من المبادئ[87] ، وبعضها تعد من سلسلة علل الأحكام الخاصة بعناوين موضوعاتها[88].
2- علل الإظهار، هي علل أو مقتضيات للثبوت أيضاً[89]
ثانياً: ان علل تشريع الحكم وإبرازه وإظهاره هي في واقعها صغرى لكبرى العلة الثبوتية أو صغرى لكبرى المقتضي الثبوتي، ويشهد لذلك أكثر موارد شأن النزول ان لم يكن كلها فلاحظ.
واما (إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) فان (وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) صفة لموضوع الحكم، ولم تذكر كعلةٍ أو كمقتضىٍ لإنشاء الحكم، على انها لو كانت مقتضياً لكانت مقتضياً ثبوتياً أيضاً، أي لكانت جزء العلة الثبوتية؛ فان واقع إخلاص أمير المؤمنين عليه السلام في بذل الزكاة في الصلاة وبتلك الدرجة الرفيعة هي جزء العلة الثبوتية، كالإثباتية الإنشائية، لاستحقاقه أن يكون ولياً على المؤمنين ولأن يُنشأ ويجعل له ذلك ، مضافا إلى قوله (الَّذِينَ آمَنُوا) والذي يراد بالايمان الإيمان في أعلى درجاته، وكذلك (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ) فتدبر جيداً.
 
الفرق بين المبادئ وعلل الأحكام
قد سبق فيما مضى الفرق فيما بين المبادئ والقواعد الفقهية مع تطبيق الامر على اللاحرج والذي اعتبره صاحب الجواهر على ما يستظهر من طيات كلامه مبدءاً من مبادئ التشريع.
اما الفرق فيما بين المبادئ وعلل الاحكام فهو ان المبادئ هي كالأصول للفقه، أي انها عامة سيالة في شتى أبواب الفقه، على ان بعضها عام يشمل جميعها وبعضها أكثري، كـ( لِيَعْبُدُونِ) و(لِذَلِكَ – أي للرحمة – خَلَقَهُمْ) والعسر والحرج بناء على كونهما مبدءاً.
اما علل الأحكام فيراد بها علل كل حكم حكم كعلية الإسكار لحرمة الخمر، نعم يمكن تعميم العلل ليشمل القسمين. فتدبر[90].
كما ان مبادئ التشريع وعلله الكلية العامة، لا تصلح مستنداً لاستنباط الأحكام الفرعية، ولا يستكشف بها تشريع الشارع لحكم من عدمه، بخلاف علل الاحكام فانه قد يستكشف منها ذلك.
 وقد يُسأل عن الفرق بينها وبين علل الأحكام من حيث ان علل الأحكام كمسكرية الخمر معمِّمة ومخصِّصة، دون علل التشريع العامة؟
والجواب: ان ذلك يعود لظهور علل الأحكام في الانحصار، عكس علل التشريع ومبادئه العامة؛ فانها اما مقتضيات أو هي جزء المقتضي لا غير، ويظهر ذلك أكثر إذا عرفنا ان علل الأحكام تذكر في مقام الفتوى، وعلل التشريع تذكر في مقام التعليم أو نظيره كالإقناع مثلاً، وهناك فرق بين المقامين حيث ان مقتضى مقام التعليم هو التدرجية، ولذا تنفك فيه الإرادة الجدية عن الاستعمالية ولا يصح فيه التمسك بالإطلاق.
واما مقام الفتوى فهو مقام الفعلية والنتيجة النهائية، أي الناتج الكلي النهائي بعد ملاحظة المفتي – الشارع أو المرجع – كافة المقتضيات والمزاحمات والموانع... وغيرها.
وحيث ان علل الأحكام تذكر في مقام تعليل حكم خاص لموضوع خاص، كان ظاهرها ملاحظة الشارع كافة المزاحمات والموانع والروافع.. وغيرها، ومع ذلك حَكَمَ وعلَّلَ مما يظهر منه ان العلة تامة من غير مزاحم أو دافع من هنا كان من شانها ان تعمم وتخصص.
اما مبادئ التشريع فانها تذكر عادةً مجردةً عن تطبيقها على عناوين موضوعاتها، فتبقى كلية من الكليات ولا تجدي معرفتها في معرفة حال سائر المكتنِفات بالموضوع فتأمل[91]
 
ثمرات وفوائد مناشئ التشريع ومقاصد الشريعة في الفقه
ولكن مع كل ما سبق، فانه قد يقال: ان مناشئ التشريع يمكن دخولها في عملية الاستنباط، وهي ذات مدخلية في استكشاف بعض الأحكام الشرعية، وذلك بوجوه ثلاثة:
1- انها قد تفيد تأكيد الإطلاق وتوسعة مدلول الدليل.
2- انها قد توجب الإنصراف.
3- انها قد تنتج إجمال الدليل، فيقتصر فيه على القدر المتيقن.
 
بحث تطبيقي: في قاعدة (من حاز ملك)
وتتضح الوجوه الثلاثة بملاحظة ما ورد في لسان الشارع (من حاز ملك) و(من أحيى أرضاً ميتة فهي له) و(من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو له) ضمن استفهامات عدة ومنها:
أ- هل تشمل الروايات الحيازة عبر الوكيل أو الأجير؟
هل يشمل ذلك ما لو حاز عبر وكيله أو أجيره؟ فقد يقال: ان ما حازه الوكيل والأجير من سمكٍ أو طائر، أو ما أحياه من أرض، فهو له – أي للوكيل أو الأجير – لأنه الذي حاز وأحيى حقيقة و تكويناً دون الموكّل والموجر، وقد يقال: انه للموّكل والموجر؛ لأنه حاز وأحيى بالواسطة، والحيازة – وكذا الاحياء والسبق - أعم من التكوينية والاعتبارية. 
و هنا وتطبيقا لما مضى نقول: قد يؤكد مبدأ من مبادئ التشريع الرأيَ الثاني فتفيد توسعة مدلول الدليل أو تأكيد الإطلاق، وذلك كمبدأ (لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) فان الحيازة عبر الأجير ليست بظلم لأحدهما ما دامت عقلائية، وما دامت الأجرة مناسبة، بل حرمانهما من حق أن يَستأجِر وأن يُستأجَر هو الظلم لكليهما لمنعه مما رغب فيه ومما له فيه المنفعة.
كما ان من مبادئ التشريع (الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم) ومقتضى سلطته على نفسه سلطته على ان يوجر نفسه لقاء أجر أو ان يستأجِر غيره لقاء منفعةٍ، فالحيازة كالخياطة وغيرها مما تقبل التوكيل والاستئجار.
والحاصل: ان هذا المبدأ قد يؤكد إطلاق (من حاز ملك) ليشمل من حاز ولو عبر وكيله.
ب- هل تشمل الروايات حيازة شخص لكل الغابات والأنهار؟
وفي مقابل ذلك قد يخل مبدأ التشريع بالإطلاق ويوجب الإنصراف، وذلك مثل القول[92] بانصراف (من حاز ملك) ونظائرها عن من[93] حاز فرضاً نصف أراضي العراق أو كل غاباته أو كل أنهاره، أو سبق إليها مما لا يدع مجالاً للملايين من الناس لحيازة شيء أو لإحياء أرض بعد ذلك، ومنشأ الإنصراف هو قوله تعالى: (لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) فان سبقه أو حيازته لكل الغابات والبحار والأنهار والأراضي ظلم عرفاً للآخرين وإن سَبَقَهم.
والحاصل: ان (لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) أوجبت توسعة (من حاز...) ليشمل الحيازة بالوكالة، فيما أوجبت –في المقابل - تضييق (من حاز...) فلا تشمل من حاز أكثر من الحدود المتعارفة في الحيازة.
 
بعض وجوه التأمل في بعض الثمرات السابقة
ولا بد لتنقيح المطلب وتحقيقه من دراسة مناشئ الإنصراف، ثم التحقيق الصغروي عن كون المبدأ على فرض منشئيته للانصراف، من أي نوع من أنواع المناشئ ؟
و مناشئ الإنصراف المعهودة هي:
1- كثرة الوجود[94]
2- كثرة الاستعمال.
3- مناسبات الحكم والموضوع.
واما مناشئ الانصراف غير المعهودة فهي:
4- ارتكازية القياس الخفي أو الجلي.
5- توهم عِلّيّة المقاصد، والغفلة عن مباحث مقاصد الشريعة ومدى صحة الاستناد إليها في عملية الاستنباط.
6- مناسبات الحكم والموضوع منسوبةً إلى روح الشريعة.
وحينئذٍ لا بد من ملاحظة ان منشأ الانصراف المدعى أي وجه من هذه الوجوه؟ فانها بين ما هو معتبر ككثرة الاستعمال لو أوجبت أنساً خاصاً لللفظ بالمعنى، وكمناسبات الحكم والموضوع في الجملة، وبين ما هو غير معتبر كالوجه الأول والرابع والخامس، وما هو بحاجة إلى تثبت كالسادس.
وهنا نقول: 
 
مبادئ التشريع الخمسة التي قد يُتوهم سببيتها لانصراف أدلة الحيازة:
ان مبادئ التشريع ومقاصد الشريعة التي يمكن القول بانها توجب انصراف أدلة الحيازة عن حيازة الكل، هي أحد الأمور التالية: قوله تعالى (لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) أو (أدلة الاحتكار) أو دليل (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) أو قوله تعالى (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) أو قوله تعالى (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى) والكل مما قد يناقش فيه:
أ- اما دعوى موجبية (لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) لانصراف (من حاز ملك) عن حيازات الكل[95].
فقد تناقش بان حيازة الكل اما ان تكون مضرة بالناس – كما لو كانوا محتاجين إلى حيازة بعض تلك الغابات أو الأراضي أو ما في الأنهار فسبقهم إليها بأكملها متمكن – واما ان لا تكون مضرة.
فإن لم تكن مضرة فانه لا يصدق على السابق انه ظلم الناس، فلا وجه لدعوى الانصراف استناداً للآية الشريفة، وإن كانت مضرة فلا بد حينئذٍ من تنقيح مفاد لا ضرر؛ فان قيل: بانه لا يشمل ما كان مصبّه الفعل المباح وإن ترتب عليه الضرر أحياناً[96]، واختصاصه بالحكم الضرري – مما هو مجعول للشارع، أو وشموله للفعل الضرري بذاته دون ما كان بذاته غير ضرري لكن ترتب عليه الضرر لمقارن اتفاقي – فان لا ضرر لا تشمله على هذا، ومع عدم شمول لا ضرر لحيازته لا وجه لدعوى كونها ظلماً. فتأمل[97].
وقد يقال: الظلم منعُهُ غيرَهُ من الحيازة، لا سبقه إليها، بل لعل سبقه إليها هو الأنفع للناس وللبلد فافهم.
ب- واما دعوى الانصراف، نظراً لملاحظة أدلة الاحتكار. 
ففيه: ان ذلك من القياس؛ فان الاحتكار حتى على القول بتعميمه لغير المنصوص في الروايات[98]، لا يصدق بالحمل الشائع الصناعي إلا على ما وقع على الأمر الموجود، اما إيجاد الشيء كالأجهزة الحديثة، وكالكتاب، ثم تخصيصه بحق التأليف أو الملكية الفكرية أو الجهاز المخترع به، فليس من الاحتكار، نعم قد يشمله ملاكه، لكنه هو القياس الذي أشرنا إليه، فان هذا القياس الخفي لعله هو الذي أوجب الإنصراف. 
والحاصل ان سبق الغير إلى حيازة كل المباحات لا يسمى احتكاراً فتأمل[99]
ج- واما قوله تعالى (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) فقد ذهب إلى كونه سببا لانصراف ادلة الحيازة عن حيازة الكل، السيدُ الوالد إذ ارتأى ان من حاز ومن أحيى مؤطران بإطار (خَلَقَ لَكُمْ) أي هي في دائرتها.
وبعبارة أخرى: ان (خَلَقَ لَكُمْ) ناظر إلى أدلة الحيازة وحاكم عليها.
 وتوضيحه: ان ظاهر (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) هو ان مجموع الثروات هو لمجموع الناس، فلو حازها كلَّها أحدُهم كان خلاف كون المجموع للمجموع.
وقد يورد عليه: ان اللام في (خَلَقَ لَكُمْ) للنفع وليست للملك، فتفيد هذه الآية الغاية من خَلْقِهِ ما في الأرض، وقد تفيد شأنيةَ تملُّكِها، واما (من حاز) فتفيد سبب فعلية الملكية، فلا تنافي بينهما ليقال بالإنصراف أو الحكومة بل أحدهما مكمِّل للآخر، كما لا تُنافِي إطلاق (من حاز) وشمولها لحيازة الكل، إذ مفادها سببية الحيازة لفعلية الملكية، فهما من واديين، فليس المصب واحداً ليقال بحكومة هذا أو لانصراف ذاك.
وقد يجاب: بان العرف يرى التنافي بين (لكم) واطلاق من حاز وشموله لها، وان لم يكن تناف بحسب الدقة العقلية، كما انه يرى الجمع بينهما بالانصراف[100]،والعرف هو الحَكَم في الظهورات ، والذي يعتبر وجه الجمع منها، فان كان عرفياً كان حجة.
بيان ذلك:
ان ظاهر ( خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) هو ان هذه المجموعة – من الثروات – جعلت لهذه المجموعة – من الناس – سواء أكانت اللام للنفع، كما هو الظاهر، ام للشأنية أم حتى للملك، وذلك يتنافى عرفاً مع تشريع صحة تملك احد الناس لكافة الثروات؛ إذ هذا عند العرف وبنظرهم مناقض لذاك أو فقل متهافت مع الغرض أو الغاية من جعل ما في الأرض لنفع الناس – أو لملكيتهم – كافة، الا ترى لو ان المولى قال: هذه الثروات كلها للناس اجمعين، ثم جعل كلها لأحدهم معلقاً على شرط كالحيازة، فان العرف يرى الكلام الأول لغواً مع تشريع الحكم الثاني، وان لم يكن هنا تناف بين التشريعين بالدقة العقلية لتعدد الموضوع بالشرط وعدمه.
 
صاحب الميزان: ملكية الفرد في طول ملكية المجتمع 
ثم ان السيد الطباطبائي في الميزان ذهب إلى ان ((المستفاد من (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) وقوله: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً)[101] ان الثروة الحادثة عند حدوثها للمجتمع بأجمعها، ثم اختص سهم منها للفرد ويعنى به المالك أو العامل، وبقى سهم مثل سهم الزكاة أو سهم الخمس في ملك المجتمع كما كان، فالمالك الفردُ مالكٌ في طول مالكٍ وهو المجتمع)[102]
المناقشة:
1- لام (لكم) للنفع، لا للملك، والأدلة على ذلك
وقد يورد عليه أولاً: ان الظاهر ان اللام في (لكم) هي للنفع وليست للملك، فليس الفرد مالكاً في طول ملك المجتمع، والدليل: مناسبات الحكم والموضوع، وعرفية فهم انها للنفع دون الملك، والإجماع القطعي على ان ما في الأرض من معادن وثروات ومياه وأسماك وغابات وغيرها، ليست بالفعل ملكاً للمجتمع بما هو مجتمع، غاية الأمر انها ملك بالقوة ثم بالفعل لمن حازها لا لغيره من سائر الناس ولا للمجتمع بما هو مجتمع[103]، بل ان صاحب الميزان بنفسه لا يمكنه ان يلتزم بلوازم ظاهر كلامه، إذ هل يلتزم بصحة وقف المجتمع ما في البحار قبل الحيازة، أو بيعها أو إجراء سائر المعاملات عليها؟[104]
2- ظاهر (لكم) انحلالي وليس للهيئة المجموعية
ثانياً: ان ظاهر قوله (لكم) الانحلالية وليس مجموعياً
توضيحه: ان المحتملات في (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) هي أربعة:
1- ان يكون الجميع للجميع[105]
2- ان يكون المجموع للمجموع
3- ان يكون الجميع للمجموع
4- ان يكون المجموع للجميع
لكن الاحتمالات الثلاثة الأخيرة خلاف الظاهر إذ المجموع بما هو مجموع يراد به الهيئة الاجتماعية، وهي صفة اعتبارية زائدة على أصل وجود الشيء يحتاج اعتبارها بل لحاظها إلى مؤونة زائدة لا دليل عليها، والأصل – أي القاعدة – في استعمالات العرف العام والخاص على خلافها.
والحاصل: ان ظاهر (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) هو ان جميع ما في الأرض هو لجميع الناس على سبيل البدل، فكل جزء من الثروات وضع بازاء فرد من الناس إجمالاً، لا ان الهيئة الاجتماعية للثروات – وهي علة صورية اعتبارية – هي للهيئة الاعتبارية الاجتماعية لاحاد الناس لا لآحادهم.
واعتبر بقول الواقف مثلاً: ان هذه الغرف العشرين للطلبة، فان ظاهر ذلك ان الغرف بنفسها لاحاد الطلبة على سبيل البدل لا ان الهيئة المجموعية للغرف[106] هي للهيئة المجموعية للطلبة.
وبكلمة: فان ظاهر مختلف أدوات الجمع (كل، جميع، الجمع المحلى... الخ) هو ذلك فتدبر
3- ملكيتنا ليست في طول ملكية المجتمع بالضرورة
ثالثاً: إضافة إلى بداهة ان ملك زيد لما حازه ليس في طول ملك المجتمع له، ولعل ذلك من بديهيات كل الأديان والعقلاء[107]، إذ لا نرى متديناً بدين يرى ان ما اشتراه أو ورثه أو حازه هو بالفعل ملك للمجتمع وهو ملك له أيضاً وان كان طولياً.
والحاصل: ان نظير ما هو ثابت لله والرسول والأئمة عليهم السلام من الملكية الطولية، قد أثبته الميزان في ظاهر كلامه للمجتمع فتدبر
 
دعوى تقدم المصالح العامة على الخاصة مطلقا
ثم ان من مبادئ التشريع، بنظر بعض الأعلام المصلحة العامة؛ فانها مقدَّمة بنظرهم على المصالح الخاصة مطلقاً، وهي المنشأ الأساس لتشريع الكثير من الأحكام والفروع، والمهيمنة عليها.
قال في تفسير الميزان[108] ((فإنما تراعى المصالح الخاصة على تقدير انحفاظ المصلحة العامة التي تعود إلى المجتمع وعدم المزاحمة وأما مع المزاحمة والمفاوتة فالمقدم هو صلاح المجتمع من غير تردد.
ويتفرع على هذا الأصل الأصيل في الاسلام فروع كثيرة هامة كأحكام الانفاق ومعظم أحكام المعاملات وغير ذلك وقد أيده الله تعالى في موارد من كتابه كقوله تعالى: (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً )).
لكن يرد عليه:
1- لا إطلاقَ لتقدُّم المصلحة العامة، بل بعض أنواعها هو المقدَّم فقط
أولاً: انه لا إطلاق لتقدم المصلحة العامة على الخاصة، من جهة أنواع المصالح العامة وأنواع المصالح الخاصة، فان بعض أنواع العامة تُقدَّم على بعض أنواع الخاصة وبالعكس.
ومن ذلك ما لو تزاحمت مصلحة رفاه المجتمع وحريته في الحركة والذهاب والإياب، بمصلحة الأمن الشخصي لأفراد معدودة من الناس، كما لو كان هناك خطر اغتيال عدة من الأشخاص أو خطر وقوع سلسلة من التفجيرات يقتل فيها مثلاً ثلاثون شخصاً، فإن العقلاء – وسيدهم – يرون ضرورة تقديم مصلحة الأمن الشخصي على مصلحة حرية حركة الناس ومصلحة رفاهم، ولذا نجدهم يضعون الحواجز الأمنية ويتشددون في التفتيش، ويمنعون دخول بعض المناطق أو الأزقة وغير ذلك مما يُخِلُّ براحة الناس ورفاهم وحريتهم، بل قد يضر بتجارتهم وعملهم وأرزاقهم، ولكن العقلاء مع ذلك يقدمون هذا النوع من المصلحة الشخصية مصلحة حفظ حياة عدد معدود من الأفراد، على تلك الأنواع من مصالح المجتمع.
2- بل لا إطلاق من جهة مراتب المصلحة أيضاً
ثانياً: انه لا إطلاق أيضاً من جهة مراتب ودرجات المصلحة العامة والخاصة، إذ ليست كل درجات المصلحة العامة ملزِمة بل بعضها لا يزيد على اقتضاء الاستحباب، فلا يقدَّم على درجة المصلحة الخاصة البالغة حد الوجوب والإلزام، بل حتى ما يتوهم ملزماً من بعض مراتب المصلحة العامة قد لا يقدم على بعض مراتب المصلحة الخاصة الملزمة.
ومن ذلك: - أي تزاحم مرتبة من المصلحة العامة مع مرتبة من المصلحة الخاصة-، في ما لو أريد توزيع 80% أو 90% أو أكثر أو أقل من ثروة الأغنياء – التي اكتسبوها من حِلِّها على الفرض – على كافة أفراد الشعب أو على الطبقة الفقيرة وهي بالملايين، فانه لا شك في ان مصلحة الفقراء هي في توزيع ثروة الأغنياء عليهم ، لكنها مزاحَمة بمصلحة تملك الأغنياء لما جنوه من حِله، ولا شك ان الشرع الإسلامي بل وكافة العقلاء والأديان والملل إلا النادر منهم، لا يجوِّزون مصادرة أموال الأغنياء مطلقاً[109]، بالأكثر من الخمس والزكاة عندنا، والضرائب المعهودة عندهم والتي تتراوح في بلاد الغرب بين 22% إلى 40% كمعدل، هذا إضافة إلى انها مفروضة على الجميع الأغنياء والطبقة المتوسطة وحتى ذوي الدخل المحدود.
3- التقنين بيد الشارع وإن عَلِمنا المبدأ
ثالثاً: ان الشارع لَمْ يُوكِل تقنين المبادئ - بمعنى تحويلها الى قوانين واحكام [110]- ومنها المصلحة العامة إلى الناس، بل انه هو الذي تصدَّى لتحديد مصاديق وأصناف وأنواع المصلحة العامة والخاصة، فقدّم تارة هذه على تلك، وأخرى عَكَس، وذلك لجهات؛ منها: كثرة خطأ الناس في التطبيق، ومنها: عدم إحاطة الناس عادة بسائر الجهات المزاحِمة أو الأمور المانعة عن تأثير المبدأ – كالمصلحة العامة – في حسن فَعليةِ التشريع على طبقه، ويظهر ذلك لنا جلياً في منع الشارع عن العمل بالقياس؛ فان الوجه في ذلك  هو خفاء ملاكات الأحكام علينا، فانه وإن عرفنا بعضها إلا اننا لا نعرف البعض الآخر مما قد يكون له تاثير على جعل الحكم او عدمه، ثم حتى لو فرضت الإحاطة بجميعها – وليس – فاننا كثيراً ما نجهل الانطباق.
ومن ذلك انه رفض وضع الضريبة على الإرث[111]، مع ان المصلحة العامة – بنظر كثير من العقلاء – في وضع الضريبة عليه بل تصل الضريبة في بعض الدول إلى 70% في بعض الحالات.
وكذلك رفضه لمطلق الضريبة والمكوس والجمارك ونظائرها.
وأيضاً: تحديده لحدود ما يقتطع للصالح العام مع انه قد يرى العقلاء الصالح العام في الأقل أو الأكثر، وذلك كتحديد الخمس في 20% والزكاة في بعض الصور بـ2.5%، ولم يسمح الشارع لأحد ان يعدّل نسبة الخمس إلى العشر أو النصف متذرعاً بان المصلحة العامة تقتضي ذلك.
والحاصل: ان مثل الخمس والزكاة أحكام مجعولة بنحو القضية الحقيقية لا الخارجية. 
نعم غاية الأمر ان الشارع أوكل تحديد بعض مصاديق المصلحة العامة، كما في التعزيرات أو موارد إعمال الولاية على القصّر والغيبّ أو بعض الشؤون العامة، إلى الفقيه الجامع للشرائط أو إلى شورى الفقهاء أو إلى عدول المؤمنين، على المباني، لكن ذلك محدّد بالأطر والحدود التي عيّنها وحدّدها الشارع، ثم ان الجزئي لا يكون كاسباً ولا مكتَسباً فلا يصلح دليلاً على ان المصلحة العامة مطلقاً تشريعاً – مما هو من فعل الشارع – وتطبيقاً، هي مما نعلمه ومما بأيدينا.
والحاصل: اننا نقول بالتفصيل، لا بالإطلاق الذي ذكره الميزان، وان عالم التشريع لا سبيل لنا إلى المعرفة به إلا معرفة بعض الحِكَم، واما عالم التطبيق فقد أُوكِل بعضه إلى من حدده الشارع الأقدس بالحدود التي رسمها فتدبر جيداً.
4- المصلحة العامة مبدأ قد يزاحمه غيره أو يمنعه
رابعاً: ان المصلحة العامة هي مبدأ من مبادئ التشريع، وقد تزاحَم بنفسها – أي بأصناف منها – كما قد تزاحم بمبدأ آخر، فليست المصلحة العامة علة تامة للتشريع بل هي إحدى المقتضيات أو هي جزء المقتضي لا غير.
وتوضيحه بذكر مثال: ان المصلحة العامة الاقتصادية قد تزاحم بالمصلحة العامة السياسية[112]، وقد يزاحم أحدهما أو كلاهما بالمصلحة العامة الاجتماعية أو الحقوقية أو الأمنية او الصحية والبيئية وغيرها منفردة أو مجتمعة، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى.
والحاصل: ان المصلحة العامةكلي انتزاعي لا يصح الاستناد إليه في مرحلة التقنين، كعنوانٍ بما هو هو، بل لا بد من تحليله إلى أصنافه ثم نسبة بعضها إلى بعض، ونسبة بعضها أو مجموعها إلى المصلحة الخاصة بعد تحليلها إلى أصنافها كذلك هذا مع قطع النظر عن ان ذلك ليس في حيطة البشر – كما سبق في الجواب الثالث -.
هذه كانت بعض الاثارات المختصرة عن هذا المبحث الهام والحيوي مع الاشارة الى بعض رؤوس النقاط في ذلك ، و اما تفصيل الكلام و تشعباته وتفريعاته واستفراغ الوسع في ذلك فهو بحاجة الى مزيد من التحقيق والتثبت والتامل، والى دراسات اوسع و اشمل.
--------------------------------------------------------
[9] كما لو دار الأمر بين العقل والمال كما لو خيّر بين إتلاف ماله القليل أو المعتد به أو الخطير، أو شربه المسكر؟ وكذلك لو دار الأمر بين الدين والدماء، فمثلاً التقية تجري في الدين ولا تجري في الدم، كما هو صريح الآية (إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) والرواية (جُعِلَتِ التَّقِيَّةُ لِيُحْقَنَ بِهَا الدَّمُ فَإِذَا بَلَغَ الدَّمَ فَلَا تَقِيَّة) (بحار الأنوار: ج72، ص422، باب 87 التقية والمدارة) وعليه الفتوى، فكيف ذلك؟ وهل يعكس الأمر أحياناً – كما هو كذلك -؟
 

 

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : 29 محرم الحرام 1438هـ  ||  القرّاء : 1749



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net