||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  


  




 180- تجليات النصرة الإلهية للزهراء المرضية ( عليها السلام ) 1ـ النصرة بالآيات 2ـ النصرة بالمقامات

 262- مباحث الاصول: بحث الحجج (حجية الشهرة) (4)

 279- (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) 4 الصراط المستقيم في مواجهة الحكومات الظالمة

 193- 4- مقاييس الاختيار الالهي : الجمع لإشراط الطاعات والاعداد المتواصل للنجاح في المنعطفات الكبرى

 261- مباحث الاصول: بحث الحجج (حجية الشهرة) (3)

 227- منهجية المشاهد التصويرية والادب التصويري في الدعوة الى الله تعالى

 89- فائدة حِكَمية: أقسام المعقولات

 260- مباحث الاصول: بحث الحجج (حجية الشهرة) (2)

 287- قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ (3) (نظرة نحو تعدد القراءات) و زيارة الأربعين بين شاكلة الجماهير وشاكلة المنتقدين

 118- مفتاح انفتاح باب العلم و العلمي -رسالة الامام الصادق عليه السلام للزائرين و السائرين



 قيم الأخلاق وردع الاستبداد

 تفكيك رموز المستقبل

 الهدفية كبوصلةٍ للنجاح

 أعلام الشيعة

 أصحاب الاحتياجات الخاصة الشريحة المنسيّة



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 النهضة الحسينية رسالة إصلاح متجددة

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 236- احياء أمر الامام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)

 قسوة القلب

 161- مفردات ومصاديق مبادئ الاستنباط (8): علم الاديان الفقهي والاصولي المقارن

 21- بحث اصولي: عن حجية قول اللغوي ومداها

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

 204- مناشئ الانحراف والضلالة : الغرور والاستعلاء والجهل الشامل



  • الأقسام : 73

  • المواضيع : 3570

  • التصفحات : 8241523

  • التاريخ : 20/10/2019 - 01:09

 
 
  • القسم : دراسات وقراءات .

        • الموضوع : الخلاصة من كتاب أحكام اللهو واللعب واللغو وحدودها .

الخلاصة من كتاب أحكام اللهو واللعب واللغو وحدودها
28 محرم الحرام 1441هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين
وعلى اله الطيبين الطاهرين

الخلاصة من كتاب أحكام اللهو واللعب واللغو وحدودها
من كتب سماحة السيد مرتضى الحسيني الشيرازي

تلخيص: الشيخ محمد علي الفدائي

كتاب "أحكام اللهو واللعب واللغو وحدودها " هو الكتاب السادس من سلسلة "فقه المكاسب المحرمة" المحتوية على ما ألقاه سماحة السيد مرتضى الحسيني الشيرازي في ضمن أبحاثه في المكاسب المحرمة.

وقد جُعل الكتاب على فصول خمسة:
الفصل الأول: في المبادئ التصورية والتصديقية للمسألة.
ومنها: بيان أهمية المبحث: ويشهد لذلك كثرة الآيات والروايات الواردة، كقوله تعالى ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ[1] و ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾[2] و ﴿لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً﴾[3] و ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً﴾[4].
إضافةً إلى كثرة الفروع المبتنية أحكامها على تنقيح هذه المسألة، كالرقص والغناء ومختلف مصاديق اللهو.
ومنها: تنقيح موضوع اللهو، إذ يبتني القول بحرمته أو بعدمها على ذلك.
واحتمل الشيخ الأعظم (رحمه الله)[5] في معنى اللهو احتمالات:
الأول: مساواة اللهو للّعب، كما ذهب إليه الامام الشيرازي (رحمه الله) كذلك[6].
ويرد عليه: صحة سلب اللعب عن اللهو، كما في الرقص والغناء فهما من مصاديق اللهو مع صحة سلب اللعب عنهما، و بها يثبت عدم المساواة، هذا إضافة إلى ما ذكره الشيخ (رحمه الله)[7] من أن العطف بينهما في بعض الآيات والروايات يقتضي تغايرهما.
الثاني: هو خصوص اللعب الناتج عن البطر، وشدة الفرح.
الثالث: مطلق الحركات غير العقلائية المنبعثة عن القوى الشهوية.
ويرد عليهما: بأن التقييد بما سبق لم ينص عليه في كتب اللغة، مع كونه مخالفاً للمعنى المرتكز من اللهو، إضافة إلى صحة حمل اللهو وعدم صحة سلبه في غير موارد التقييد؛ فإن اللهو يصح حمله على الرقص وإن لم يكن ناتجاً عن البطر أو عن القوة الشهوية ولا يصح سلبه عنه.
وقد ذهب المحقق الإيرواني (رحمه الله) الى مباينة اللهو للّعب؛ حيث إن الأول من أفعال النفس والجوانح، خاص باللذائذ الشهوية، بلا قصد غاية منه، بخلاف اللعب الذي يكون من الجوارح[8]، وأيده على ذلك السيد الروحاني (دام ظله)[9] مستشهداً بقوله تعالى ﴿لاهيةً قلوبُهُمْ﴾[10] وغيرها من الآيات[11].

ويرد عليه إشكالات ستة:
الأول: أن تخصيص اللهو بفعل النفس تخصيص بلا مخصص؛ إذ يصح إطلاقه على فعل الجوارح كالغناء، إضافة إلى عدم تنصيص اللغويين على ذلك.
الثاني: القول بتخصيصه بما ذكر يستلزم القول بعدم حرمته؛ وذلك لعدم حرمة الأفعال النفسية فيما لم يرتبط بشؤون العقائد.
الثالث: لا وجه لتخصيصه بخصوص اللذائذ الشهوانية، لو أريد منها الشهوة بالمعنى الأخص، أما لو أريد منها مطلق الشهوة فقد يكون له وجه، لكنه ينتقض كذلك بمثل الشطرنج فإنه لهو لا لذة شهوية فيه مع قصد ترويض الفكر منه.
الرابع: سلب قصد غايةٍ من اللهو مخالف للواقع؛ حيث إنه لا لهو إلا ويقصد منه الالتذاذ، نعم الظاهر أن مراد الشيخ (رحمه الله) من هذا القيد إرادة عدم وجود قصد آخر غير الالتذاذ، لا نفي مطلق القصد.
الخامس: وجود غايات آخرى غير ذلك، كقصد الرياضة بالرقص، والتقرب إلى الله بقراءة القرآن متغنياً فإنه يصدق عليهما اللهو وإن قصد غير التلذذ[12]، فتخصيص اللهو بما يقصد منه الالتذاذ -كما صرح به السيد الروحاني (دام ظله) وظهر من عبارة الشيخ الأعظم (رحمه الله)- في غير محله.
السادس: تمثيله (رحمه الله) للأفعال النفسانية باستماع آلات الأغاني[13] ليس في محله، حيث إن الاستماع من فعل جارحة (السامعة) لا من أفعال النفس.

وقد يناقش ما استشهد به السيد الروحاني (حفظه الله) بمناقشات:
منها: أن الاستعمال في مورد لا يدل على كون اللفظ موضوعاً لهذا المورد حصراً؛ إذ قد يكون اللفظ كلياً واستعمل في بعض أفراده.
وعليه: فإن استعمال اللهو في مثل قوله تعالى ﴿ألهاكم التكاثر﴾[14] وإرادة إلهاء النفس منه على فرض ذلك؛ لا يدل على كونه موضوعاً بخصوص ذلك، هذا أولاً.
وثانياً: المراد من اللهو في بعض الآيات المستشهدة بها أعم من فعل الجوارح، ففي قوله تعالى ﴿ألهاكم التكاثر﴾[15] يمكن أن يراد منه إلهاء القلب والجوارح أيضاً؛ وذلك لأن حذف المتعلق يدل على العموم فيشمل الجوارح والجوانح، إضافة إلى وجود قرينة على إرادة الأعم؛ حيث إن (التكاثر) في الأموال والأولاد[16] يتطلب انشغال الجوارح كما يشغل الجوانح.
ثالثاً: وجود القرينة على تخصيص اللهو بالقلبي في مثل قوله تعالى ﴿لاهية قلوبهم﴾[17] دليل على وضعه للأعم، وإلا لما احتيج إلى تخصيصه بقرينة معينة.
رابعاً: شهادة صحة وصف الحديث - وهو من فعل الجوارح - باللهو كما في قوله تعالى ﴿…من يشتري لهو الحديث…﴾ على عدم اختصاص اللهو بالجوانح؛ حيث أن الظاهر كونه إطلاقاً حقيقياً، بدلالة صحة الحمل والإطراد وعدم صحة السلب إلا بعناية.
خامساً: الآيات التي استشهد بها السيد الروحاني (دام ظله) على ذلك، معارضة بآيات أخرى لا ينطبق اللهو فيها على أفعال النفس، كقوله تعالى :﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَة أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْهَا﴾[18] فإن اللهو هنا إما الطبول[19]، أوالغناء والمزامير[20]؛ وعلى كلٍ فاللهو في هذه الآية لا يمكن أن يراد منه فعل النفس، لأنه لا معنى لرؤية فعلٍ من أفعال النفس حتى تكون صارفة عن ذكر الله.
وعلى ماسبق: يعلم وضع اللهو للأعم من أفعال القلب و الجوارح، إن تم استظهار كون استعمال اللهو في الجوارح في الموارد السابقة حقيقي لا مجازي، وإلا فلا يدل إلا على صحة الاستعمال.

والتحقيق في ذلك مبني على أمور:
الأول: الظاهر إطلاق (اللهو) على أمور ثلاثة:
أ ـ بعض أنواع الجواهر والذوات كالطبل والمرأة والولد.
ب ـ بعض أفعال الجوارح كالرقص والغناء.
ج ـ بعض أفعال النفس كالتفكير بما يشغل عن ذكر الله.
وعلى ذلك فإما أن يكون اللهو موضوعاً للجامع بينها، وهو (كل ما تُلُهِّي به)، أو يكون موضوعاً لكل منها وضعاً مستقلاً، فبناءً على الأول يكون مشتركاً معنوياً، والثاني لفظياً، والتبادر وصحة الحمل وعدم صحة السلب مع الاحتمال الأول، فما قد يقال: من أن اللهو الموضوع في كل منها مغاير للموضوع في الآخر؛ فوضع للمرأة والولد (كاسم جامد) بلا لحاظ معنى حدثي، وفي المعنى الحدثي مثل الرقص والغناء وضع (مصدراً)، و في الحالة النفسية الحاصلة من الحدث وضع (كاسم مصدر)؛ مندفع الأول منها بالتبادر وغيره، والثالث مسلمٌ وهو لا ينفي الثاني.
وقد يقال: إن الجواهر والأعيان كالطبل يطلق عليها اللهو مجازاً؛ لصحة سلب اللهو عنها، وصحة إطلاق (آلة اللهو) عليها؛ فيقال: إنها (آلة للهو) وليست بلهو.
الثاني: التفريق بين (اللهو) و (اللهي)، فإن كتابة ماضي الأول بالألف القائمة، وإضافة (الواو) عند اتصاله بتاء الفاعل، وفي التثنية، شاهد على المغايرة بينهما لفظاً ومعنى، لأن الثاني يكتب ماضيه بالألف المقصورة، والمضاف إليه في التثنية (ياءٌ) لا (واو)، كذلك تعدية الأول بـ(الباء) بخلاف الثاني حيث يتعدى بـ(عن)، كما يتغاير تصغيرهما كذلك.
فالنسبة بينهما عموم وخصوص من وجه: حيث إن اللهو يفارق اللهي: فيما لو كان الفعل سبباً لجلب انتباهه لا انشغاله، وعكس ذلك: فيما لو التهى وانشغل عن عمله بأمر جادٍ غير لهوي، ويجتمعان في اللهو الصارف عن الأهم كالرقص والغناء، ويدل على ذلك: استعمالات العرب المنقولة في كتب الغويين.
وثمرة ذلك: عدم صحة الاستناد على الدليل المتضمن لأحدهما لاثبات حكم الآخر، كما صدر من الشيخ في المكاسب[21] حيث استدل على حرمة اللهو بما يتضمن اللهي والانشغال عنه تعالى.
الثالث: أن المدار في صدق عنوان اللهو قد يكون القصد، وقد لا يكون.
فتلك صور ثلاثة:
الأولى: ما صدق عليه اللهو وإن قصد خلافه، كالرقص والغناء فإنها كذلك وإن قصد بها أمراً عقلائياً؛ ووجه ذلك: إما لدعوى كون اللهوية ذاتية لها، فلا انفكاك بينهما، أو أن اللهو موضوع لما من شأنه اللهوية دون ملاحظة الفعلية، أو القول بأنها لهو حسب ارتكاز المتشرعة، أو غلبة ظهور الفعل في أمثالها على ظهور القصد.
الثانية: ما يكون المدار في صدق اللهو هو القصد، وذلك فيما لم يكن طبعه الأولي مقتضياً للّهو ولا للجد، كما في التمثيليات والأفلام والرسم.
الثالثة: ما لا يكون لهواً وإن قصده، كما لو كان يتلذذ بتدريس مادةٍ، أو بإجراء عملية جراحية.
وعلى ذلك: فإن أدلة حرمة اللهو بناءً على إطلاقها، تشمل الصورة الأولى مطلقاً، ولا تشمل الثالثة كذلك، وفي الثانية تابعةٌ للقصد فإن قصد اللهو من فعله فتشمله، وإلا فلا.

وقد ظهر مما مضى أمور خمسة:
الأول: أعمية اللهو من كونه بطراً، وناتجاً من شدة الفرح، خلافاً للشيخ (رحمه الله) في مكاسبه.
الثاني: أنه أعم من اللذة الشهوانية، كما في الرقص لكسب المال.
الثالث: اللهو الجوانحي لا قائل بحرمته في نفسه، فيُرد بهذا على المحقق الإيرواني (رحمه الله) الذي خص اللهو بأفعال النفس، حيث يلزم من ذلك القول بعدم حرمته، مع أنها من المسلمات في الجملة.
الرابع: اللهو بمعنى اللعب لا قائل بحرمته كذلك، إلا المحقق الحلي (رحمه الله) [22].
الخامس: أن اللهو بمعنى الأعيان والجواهر (أي الشيء الملهي به) لا قائل بحرمته بمجرد ذلك، إلا إذا صدق عليه (آلة اللهو) فيحرم.

الفصل الثاني: الاستدلال بالآيات على حرمة اللهو ومناقشاتها.

الآية الأولى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَة أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْهَا﴾[23].
والآية في مقام الذم، إلا أن الاستدلال بها على الحرمة متوقف على كونها صغرى قاعدة الملازمة، فيقال: على القول بتبعية الأحكام للمصالح، فإن ذم الشارع لا يكون إلا عن مفسدة، فيقبح عند العقل كذلك، فيضم إليها قاعدة الملازمة وهي بحسب المشهور (كل قبيح عقلاً محرم شرعاً)، فيتم الاستدلال بها على مبنى المشهور في قاعدة الملازمة.
لكن الملازمة ليست كذلك بل هي بين القبح العقلي والقبح الشرعي، وبين الحرمة العقلية والحرمة الشرعية فقط؛ وعليه: فمجرد اثبات كون المورد قبيحاً عقلاً لا يكفي في الحرمة الشرعية، بل يلزم من ذلك قبحه شرعاً فقط، وهو أعم من الحرمة والكراهة، فلا تصح الآية دليلاً على المدعى.
إضافةً إلى أن الذم على مجموع ﴿انْفَضُّوا إلَيْهَا وَ تَرَكُوكَ قَائِماً﴾ فلا يعلم بقاؤه مع انفراد أحدهما، مع أن الآية ظاهرة في الإرشادية، بقرينة ﴿خَيْر﴾ في نهايتها حيث قال تعالى: ﴿وَاَللَّه خَيْر الرَّازِقِينَ﴾ .

الآية الثانية: ﴿وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْتَرِي لَهْو الْحَدِيث لِيُضِلّ عَنْ سَبِيل اللَّه بِغَيْرِ عِلْم وَيَتَّخِذهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَاب مُهِين﴾[24]، وهي صريحة في الحرمة؛ إذ رتبت العذاب على ذلك.
وقد يورد على الاستدلال بها أمور:
أولاً: اختصاص الحرمة باشتراء اللهو، فتكون أخص من المدعى.
ويرده: أنه كناية عن مطلق التعاطي، لا خصوص الشراء المقابل للبيع.
ثانياً: اختصاصها بـ(لهو الحديث) فلا تعم لهو الفعل، وقد يجاب: بأن التعدية إلى اللهو الفعلي ممكن بتنقيح المناط، إلا أنه ظني لا قطعي فلا يصح الاستناد عليه.
ثالثاً: إن الآية حرمت خصوص ما أدى إلى إضلال أو استهزاء، فعلة الحرمة هو الإضلال، وذلك لظهور لام﴿ لِيُضِلّ﴾ في التعليل، فلا تصح مستنداً للقول بحرمة مطلق اللهو في نفسه.
لا يقال: إن ذلك حكمة لا علة؛ فلا يتخصص المورد بها. إذ يقال: إن الأصل فيما ظاهره العلية أن تكون علة واقعاً، ومع التسليم[25] نقول: إن خصوصية المادة اقتضت العلية، وإن كان الأصل فيما ورد من الشارع ان تكون حكمة لا علة.

الآية الثالثة: ﴿رِجَال لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بَيْع عَنْ ذِكْر اللَّه وَإِقَام الصَّلَاة ﴾[26].
ويرد على الاستدلال بها أمور، منها: إن الآية في مقام المدح، وهو أعم من الوجوب. مع أنها من مادة (اللهي) لا (اللهو)، وهو مغاير لمحل الكلام.

الآية الرابعة: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذ لَهْوًا لَاِتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾[27].
ويجاب: أن المستفاد منها قبح اللهو على الله تعالى، ولا يستفاد منها حرمته علينا.

الآية الخامسة: ﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُر﴾[28].
وقد يجاب، أولاً بـ: الظاهر أنها من مادة (اللهي)، أو أنها مردد بينهما؛ فتكون مجملة، مضافاً إلى أن ظاهرها حرمة الالتهاء الكامل عنه تعالى دون مطلق الالتهاء، أو الانشغال والالتهاء عنه بالتكاثر محرم كالربا والسرقات، كما ورد في تفسير الصافي[29].

الآية السادسة: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنْ رَبّهمْ مُحْدَث إلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، لَاهِيَة قُلُوبهمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾[30].
وقد يجاب بـ: أن الحكم في الآية لمجموع (الاستماع مع اللعب واللهو) لا لأحدهم لو انفرد، مع إن الظاهر إرادة حرمة الإعراض عن الذكر بالالتهاء واللعب؛ لكونه مساوقاً للإنكار أو الاستخفاف، فلا تشمل الآية ما ليس كذلك، كما لو كان الالتذاذاً، لا إنكاراً أو استخفافاً.

الفصل الثالث: مناقشة الروايات المستدلة بها على حرمة مطلق اللهو.
وهي على طوائف:
الطائفة الأولى: ما دل على حرمة (ما يكون منه وفيه الفساد محضاً، ولا يكون منه ولا فيه شيء من وجوه الصلاح) كما في رواية تحف العقول[31].
وقد يشكل عليها أولاً: بالاضطراب في متنها إضافة لضعف سندها؛ حيث اشتملت على ضابطتين متعارضتين في الجملة، وهما (ما يكون فيه الفساد محضاً) و (لا يكون فيه شيء من وجوه الصلاح)؛ ففيما لم يكن فيه الصلاح ولا فساد، فيكون حراماً حسب الثاني، ومحللاً حسب الأول.

ويُرد الإشكال بوجوه:
الأول: كون الإمام في مقام ذكر الضابط النهائي، وهو مجموع الضابطتين، فالحكم بالحرمة لا يتفرع على صِرف وجود المفسدة حتى يِرد ما ذُكر من تعارض، بلدعلى وجودها وعدم وجود المزاحم وهو المصلحة.
الثاني: إن المفهوم لا يعارض المنطوق، ففي مورد لا صلاح فيه ولا فساد، مقتضى منطوق الضابط الثاني هو الحرمة، فلا يعارضه ما يقتضيه مفهوم الأول، من أنه لا فساد فيه فيكون حلالاً.
الثالث: المصلحة والمفسدة ضدان لا ثالث لهما، فعدم أحدهما ملازم لوجود الآخر.
وما يقال: من أن التاجر غير الرابح، لا يعتبر خاسراً، مردودٌ؛ بأن الخسارة بإعتبار تضييع عمره ووقته بلا عائد عليه، فبالنظرة الدقية يعتبر عدم الربح خسارة.
وفيه: إن المدار في المفاهيم هو الفهم العرفي لا الدقة العقلية، ولا يجد العرف عدم المصلحة مفسدةً، مضافاً إلى أنهما مما لهما ثالث، ويشهد لذلك المباح، فإنه لا مصلحة فيه ولا مفسدة.
الرابع: إنهما من قبيل الملكة وعدمها، والفساد عدم ملكة المصلحة، وعليه: فلم يذكر الثاني كضابطة، بل هو توضيح للأول. ويفرق هذا الوجه عن سابقه؛ بأن الضدين أمران وجوديان، بخلاف الملكة وعدمها فإن أحدهما عدمي.
الخامس: إن الأول ضابط ثبوتي والثاني إثباتي، فلا تنافي بينهما؛ فإنه قد يستظهر بأن المدار ثبوتاً على الأول؛ فما يكون فيه الفساد واقعاً فحرام، أما الكاشف عنه إثباتاً هو لحاظ وجوه الصلاح.
والشاهد عليه: استعمال (وجوه) في الثاني دون الأول، فإن وجه الشيء هو الكاشف عنه والدليل عليه، وذلك في عالم الإثبات لا الثبوت.
ثاني الإشكالات على الاستدلال بالرواية على حرمة مطلق اللهو:
أنه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، وقد أشار إليه الميرزا الشهيدي (رحمه الله) بـ: (أن الفساد إن أريد منه الفساد العرفي فممنوع؛ إذ اللهو عرفاً ليس مما فيه الفساد المحض، وإن أريد منه الفساد الواقعي فمصادرة، أن يستدل عليه بالرواية قبل ثبوت النهي التحريمي عنه بدليل آخر)[32]، وفي البين شق ثالث، وهو الفساد الشرعي فلا يصحح إرادته الاستدلال أيضاً؛ لأن الشارع لم يضعه بوضع جديد، بل هو تابع للمفهوم العرفي واللغوي، فليس إلا مبيناً لمصاديق الفساد العرفي.
الإشكال الثالث: إن الاستدلال بها على حرمة مطلق اللهو مستلزم للدور، وذلك:
لأن صحة الاستدلال بها موقوف على اثبات كون اللهو فساداً محضاً، وذلك موقوف على صحة الاستدلال.

الطائفة الثانية: ما عد الملاهي من الكبائر، كرواية الأعمش حيث عُد في الكبائر الاشتغال بالملاهي التي تصد عن ذكر الله كالغناء وضرب الأوتار[33].
وتمامية دلالتها على المدعى مضموناً متوقف على أمور:
الأول: تحقيق الحال في مفرد (الملاهي) لوجود احتمالات خمسة فيه، وهي:
إما كونه جمع (الـمَلْهَى) مصدراً، فيراد بها كل أفراد اللهو دون الآلات، أو إنه جمع (الملهاة) اسم آلة، فيخص آلات اللهو دون نفس اللهو، لكنه ليس على الأوزان القياسية للاسم الآلة، فيقتصر على السماع فيه، فإن ورد فيحتمل، وإلا فلا. وأما بقية الاحتمالات فمردودة؛ لكون جمعها على خلاف (الملاهي)
وقد اُشكل على الشيخ (رحمه الله) حيث استظهر عدم كونه جمعاً لاسم الآلة، بـ: ما نقل من بعض اللغويين بأن (الملاهي هي آلات اللهو)[34]، إضافة إلى فهم العرف ذلك من (الملاهي)، ويُرد الاشكال مبنائياً بـ: أن اللغوي أهل خبرة في الاستعمال، لا في الوضع. وبنائياً بـ: أن عادتهم هي تفسير اللفظ وتبديله بأوضح منه، لا الحد والرسم حتى يتمسك بقوله في حصر (الملاهي) في آلات اللهو فقط، كما أن العرف يفهم من الجمع أنواع اللهو كذلك.
وما استظهره الشيخ وجيه لوجوه: الأول: كون أغلب ما على هذا الوزن من الجموع من الناقص لا يراد بها اسم الآلة كـ(المناهي) لـ(النهي) و (المساعي) لـ(المسعى)، فكون (الملاهي) جمعاً لاسم الآلة شاذ ومخالف في مثل هذا الجمع. وثانياً: لندرة بناء اسم الآلة من الفعل اللازم، و لقلة بناء اسم الآلة مفتوح العين كـ(الـمَلهاة)، ثالثاً. لكن الأخيران ينفعان مع الشك، والمدعى العلم بكونه اسم آلة.
ويرجح كونه مصدراً لا آلةً؛ وقوعها في ضمن الكبائر، والآلة لا تقع متعلقاً للتكليف إلا بتقدير وهو خلاف الأصل، إضافة إلى عطف ما هو من الأفعال كـ(ضرب الأوتار) على (الملاهي)، ومع هذه الوجوه لترجيح المصدرية على اسم الآلة لا يبقى إجمال في المراد من (الملاهي) كما قاله السيد الخوئي (رحمه الله) [35].
الأمر الثاني: تحقيق في المراد من (التي تصد عن ذكر الله).
والتقييد به إما توضيحي؛ فتصح مستنداً للقول بحرمة مطلق اللهو، وإن كان احترازياً فلا تدل إلا على حرمة خصوص اللهو الصادّ، والأصل الذي بنى العقلاء عليه كونه احترازياً.
والمراد من (الصد) إما الصد الفعلي، كما يظهر من الشيخ (رحمه الله) ، أو الصد الاحتجابي كما يظهر من الإيرواني (رحمه الله) [36]، أو الصد من الواجبات، كما صرح به الشهيدي (رحمه الله) [37].
وما اشكل على الشيخ (رحمه الله) من أن الالتزام بما ذكر يستلزم حرمة كل فعل ولو كان مباحاً لأنه كذلك صاد عنه تعالى؛ مردود بأن: مراده (رحمه الله) حرمة مجموع ما كان لهواً صاداً، لا كل منهما منفرداً.
ويرد على تفسيري الإيرواني والشهيدي (رحمهما الله) بأن ذلك تفسير بالأخص، لأنه لغة المنع والصرف، لا خصوص الاحتجابي أو المانع عن الواجبات، ويدل عليه التبادر وصحة الحمل وعدم صحة السلب.
والظاهر من (ذكر الله) الأعم لا خصوص الواجبات منه، والنقض بالمباح والمكروه لا يرد؛ لأن علة الحرمة ليست خصوص ترك ذكر الله، بل مجمع عنواني اللهو والصدّ عن ذكره تعالى، ويؤكده تفسيرهم[38] لـ(ذكر الله) بالأعم.
والحاصل: ظهور إرادة الصد الفعلي عن ذكر الله مطلقاً؛ لظهور الصدّ في الفعلية لا في الاحتجابية، وظهور (ذكر الله) في الأعم، وكون مجموع اللهوية والصدّ عن ذكر الله، هو سبب التحريم لا خصوص الصد لينقض بالمباحات.
واحتمال إرادة (الشأنية) وإن أفاد حرمة اللهو مطلقاً حتى على تخصيص الإيرواني والشهيدي (رحمهما الله) للصد، إلا أنه خلاف الظاهر، فلا يصار إليه إلا عند تعذر المعنى الحقيقي.
هذا، ولكن المشهور شهرة قريبة للإجماع: عدم القول بحرمة اللهو مطلقاً، إضافة إلى الارتكاز على عدم كونه كذلك، فيكون قرينة على صرف (الملاهي) إلى آلات اللهو، وعلى صرف (ذكر الله) إلى الواجب، كذلك الكلام في الرواية الثانية من الطائفة الثانية، وهي رواية الفضل بن شاذان[39].

الطائفة الثالثة: ما دل على كون كل (ما ألهى عن ذكر الله فهو من الميسر)[40].
ولا يصح الاستدلال بها؛ لكونها من باب (اللهي) وهو مغاير لمسألتنا لأنها في (اللهو)، إضافةً إلى مخالفتها للإجماع بل الضرورة على عدم حرمة مطلق ما ألهى عن ذكره تعالى، فلابد من التصرف فيها بإحدى الوجوه الآتية:
الأول: التصرف في الموصول، بأن يقال: إن المراد من (ما) آلات اللهو، فتكون أجنبية.
الثاني: التصرف في (ألهى) وحمله على إرادة خصوص اللهو الاحتجابي، فتدل على حرمة بعض أقسام اللهو لا مطلقاً.
الثالث: التصرف في (ألهى) بحمله على خصوص الشهوي منه.
الرابع: الحمل على إرادة ما كان مُلهياً بحسب طبعه ووضعه، فلا تدل على حرمة ما ادى إلى الإلهاء أحياناً.
الخامس: التصرف في (ذكر الله) وتقييده بالواجب منه، حيث إن المزاحم للمستحب ليس بمحرم، فيبقى المزاحم للواجب.
السادس: بقائها على عمومها إلا أنه خرجت منها المباحات المسلمة، واستلزامه لتخصيص الأكثر؛ مردود: بعدم كونها كذلك صغرى، إضافة إلى عدم تمامية الكبرى، إذ ليس تخصيص الأكثر قبيحاً مطلقاً، بل قد يكون حسناً في الجملة باعتبار الأغراض، كما لو أريد بذلك بيان أن  العنوان هو ملاك الحكم ، أو قصد بذلك السهولة في التعبير، أو جعل العنوان مرجعاً لدى الشك في الشبهة المصداقية للمخصص، وغير ذلك من الوجوه و الأغراض التي قد يحسن ذلك باعتبارها.
السابع: حمل الرواية على الإرشادية، لكنه خلاف الظاهر لا يصار إليه إلا بدليل.
الثامن: التصرف في (ألهى) وحمله على ما كان عن بطر، لكنه تخصيص بلا مخصص كبعض ما سبق.
وحينئذ: فان استظهر أحد الوجوه السابقة فهو، وإلا فتكون مجملة لا تصلح للاستناد إليها.

الطائفة الرابعة: ما دل على على عدم القصر في سفر اللهو[41].
ووجه الاستدلال بها: أن الموجب لعدم القصر هو سفر المعصية، فابقاء التمام على المسافر لهواً دليل على حرمة السفر اللهوي، ولا وجه لحرمته إلا كونه لهوياً.
وقد يشكل أولاً: بإمكان كون سفر اللهو عنواناً مستقلاً في قبال سفر المعصية، لكنه مردودٌ بمخالفته لظهور روايات الباب[42] المؤيد بفهم الفقهاء[43] حيث يظهر منها إن عدم التقصير في سفر اللهو هو لكونه معصية.
وثانياً: بأن الظاهر كون المحرم هو الصيد اللهوي، فلا تدل على حرمة اللهو مطلقاً.

الطائفة الخامسة: ما دل على حرمة ما في حيز الباطل واللهو[44].
وقد يورد على الاستدلال بها:
أولاً: احتمال إرادة المعنى الأخص من اللهو؛ فلا تكون حينئذٍ دليلاً على حرمة مطلقه، نعم مع إرادة المعنى الأعم فيصح الاستدلال، إلا أنه يجاب عنه بأنه إقناعي، أو استدلال بالمقتضي فيتم بالتلازم العرفي، كقولك: الخمر حرام لأنه مضر بالصحة، وهذا استدلال تام عرفاً إلا أنه لا يمكن التمسك به لاثبات حرمة مطلق المضر.
وثانياً: بأن ذلك حكمة لا علة، فلا يدور الحكم مدارها.
واحتمال كون المحرم هو مجمع عنواني الباطل واللهو، مخالفٌ لظاهر العطف بينهما.

الطائفة السادسة: ما دل على حرمة الغناء[45]، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا﴾[46]، فالآية دالة على حرمة مطلق اللهو علينا، لا مجرد عدم مناسبته لله (جل وعلا) كما ادعاه السيد الروحاني[47] (دام ظله)، وإلا ما صح الاستناد إليها لحرمة الغناء.

الطائفة السابعة: ما دل على أن اللهو من الباطل والباطل حرام[48].
وفيه: عدم تكرار الحد الأوسط في القياس، إذ للباطل إطلاقات عديدة.

الطائفة الثامنة: ما دل على حرمة المسابقة، والوجه في حرمتها كونها لهواً[49].
وفيه: عدم انحصار الوجه في ذلك، بل لعل الحكم بالحرمة مستند إلى الروايات، فمجرد إمكان كون اللهو علة، لا يدل على وقوعه، ومن علل بذلك نادر، لا يصح نسبته إلى المشهور.
فالمحصل: عدم قيام دليل على حرمة مطلق اللهو، فلا يحرم إلا ما ورد النهي عن عنوانه الخاص، نعم أقصى ما يمكن أن يقال: كونه مرجوحاً لما يؤدي إلى تضييع العمر وتبديد النعمة.

الفصل الرابع: مسألة اللعب وحكمه.
النسبة بين اللهو واللعب على أقوال أربعة:
الأول: الترادف، وقد ذهب إليه السيد الشيرازي الراحل (قدس سره)  مستنداً إلى العرف والانصراف؛ فإن الشيء الواحد يطلق عليه لهو باعتبار، ولعب باعتبار آخر[50].
وقد يناقش بـ: أن التساوي مصداقاً غير الترادف مفهوماً، إضافةً إلى احتمال كون العرف مخالفاً لما ذكر.
الثاني: التباين، وهو ما ذهب إليه المحقق الإيرواني (قدس سره) مفرقاً بين أفعال الجوانح فتكون لهواً، وبين الجوارح فلعب[51].
الثالث: أعمية اللعب من اللهو، كما ادعاه صاحب (الفروق اللغوية)[52].
الرابع: العموم والخصوص من وجه، وهو الظاهر لوجود مادة الافتراق من الطرفين.
فبناءً على الترادف لا داعي لفرد اللعب عن اللهو، أما على بقية الأقوال فلابد من البحث في حكم اللعب بخصوصه.
وقد اقيمت على حلية اللعب عدة أدلة:
منها: قوله تعالى ﴿أرسله معنا غداً يرتع ويلعب﴾[53] بضميمة حجية ما لم ينسخ من الشرائع السابقة، حيث انهم قالوا ذلك للنبي يعقوب ولم ينكر عليهم.
ويرده: أن جواز اللعب للطفل لا يستلزم جوازه للبالغ حيث كان يوسف طفلاً حينذاك.
ومنها: قوله تعالى ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ...﴾[54]، فإنه لو كان محرما لأنكره النبي (صلى الله عليه وآله) ، والذم انما كان لتركهم النبي قائماً لا لفعلهم اللهو، إضافة إلى جعل اللهو مما فيه الخير لكن ما عند الله أكثر خيرا.
ويورد عليه: بأن انكار النبي أمر محتمل، إضافة إلى عدم كون الآية في مقام البيان من جهة فعل اللهو فلا يستدل بها عليه، وأورد عليه أيضاً: بأن كلمة (خَيْرٌ) لا تدل على الجواز؛ لدعوى تجردها عن التفاضل لغلبة استعمالها في صرف الخيرية، ومع التسليم: فمجرد وجود فائدة لا يكفي دليلاً على الإباحة؛ لاحتمال وجود مفسدة أقوى مزاحمة، وإطلاق الآية لا ينفي المفسدة المحتملة لعدم كونها في مقام البيان، ولا يمكن نفيها بالأصل لكونه مثبتاً حينئذ والتمسك بأصالة الإباحة وإن تم إلا أنه وجه أخر غير ما نحن فيه.
ومنها: قوله (عليه السلام) :( لا بأس بشهادة الذي يلعب بالحمام )[55].
لكن يحتمل وجود خصوصية خاصة في اقتران اللعب بالحمام، اقتضت عدم حرمة خصوصه، فلا يتعدى إلى غير ذلك.
ومنها: ما ورد من مثل قوله (عليه السلام) : (دع ابنك يلعب سبع سنين)[56].
وهي لا تدل على الجواز للبالغ لاختصاصها بغيره، إلا أن يقال: إنه لو كان محرماً على البالغ لما رجح على الصبي، فرجحان الشيء شرعاً للصبي دليل على جوازه للبالغ، فتأمل.

أما الأدلة على الحرمة، فهي:
١- الآيات الدالة على حرمة اتخاذ دين الله لعباً.
ويرد عليها: أن اقصى ما تدل عليه هو حرمة خصوص هذا اللعب، لا مطلقه.
٢- الآيات الذامة للّعب بضميمة قاعدة الملازمة بين حكم العقل والشرع.
ويرد عليها: أنه لا ملازمة بين ذم العقل والحرمة شرعاً بل الملازمة إنما بين الذمين أو الحرمتين، مع ذلك يمكن أن تُرد: بأن الملازمة إنما بين الذم العقلي و الحرمة الشرعية، لا بين الذم الشرعي والحرمة الشرعية؛ فإن الذم الشرعي أعم من الحرمة.
٣- استقلال العقل بحرمة اللعب: لكن ادعاءه مطلقاً مجازفة، وأما في الجملة فغير منتج، والعلم الإجمالي بحرمة بعض أفراده وإن وجد، إلا أنه غير منجز؛ لكون المورد من الشبهة غير المحصورة، أو المحصورة لكن طرف منها خارج عن محل الإبتلاء، أو جميع أطرافها داخل إلا أنه ينحل بوجود علم إجمالي صغير بأنواع محرمة منه.
والحاصل: إنه لكل من القولين أدلة و مؤيدات؛ فلابد من ملاحظتها تفصيلاً.

الفصل الخامس: اللغو وحكمه.
ذُكر له معاني عديدة والظاهر إن الجامع المشترك بينها هو: ما لا فائدة فيه.
ويمكن الاستدلال على حرمته بقوله تعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾[57]، وغيرها من الآيات الذامة للغو.
وقد يُرد بوجوه:
الوجه الأول: أن الآية ليست في مقام البيان فلا يمكن استفادة حرمة مطلق اللغو منها [58].
هذا، لكنه يمكن اثبات الإطلاق بطرق آخرى:
أولاً: المرجع في الظهورات هو العرف، وهو يرى أن استعمال المطلق بلا قيد كافٍ في الإطلاق، بلا احتياج إلى مقدمات الحكمة.
 ثانياً: ( اللغو ) كلي طبيعي محلى بـ(أل) والأصل في مثله الاستغراق ثم الجنس، وكونه للعهد خلاف الأصل لا يصار إليه إلا بدليل.
ثالثاً: سلمنا بافتقار الإطلاق إلى احراز كون المولى في مقام البيان، إلا إن ذلك لا ينحصر في خصوص جعل المطلق بنفسه متعلقاً للحكم، بل حتى بجعله في طريق ترتيب آثار، فإن العرف لا يفرق في ذلك بين قولك: (اجتنب الغيبة)، وقولك: (إذا اجتنبت الغيبة تاكاملت)، والآية من هذا القبيل؛ إذ لا يفرق العرف في استفادة الإطلاق بين قوله: (مر باللغو مرور الكرام) وبين: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾[59].
الوجه الثاني: أن المتيقن منها إرادة الغناء، فلا يحرم بها غيرها [60].
ويرد عليه: وجود قدر متيقن لا يخل بالإطلاق، وإلا لما انعقد لمطلق إطلاقٌ.
الوجه الثالث: بأن ما لا فائدة فيه -بناء على تفسير اللغو به- ليس بحرام لمجرد ذلك، فاللازم إما صرف الآية عن إطلاقها، أو البناء على إجمالها لتردد اللغو بين ما لا فائذة فيه وبين خصوص القبيح.
ويرد عليه: ظهور الآية في إرادة القبيح بمناسبات الحكم والموضوع لو لم يرد بها الأعم لشمول اللغو لهما جميعاً.
الوجه الرابع: أقصى ما تفيده هو رجحان اجتناب اللغو، فلا تدل على الحرمة.
الوجه الخامس: إجمال الآية، للاختلاف في تفسير (اللغو).
وقد استدل على حرمته بالرواية التي عدت اللغو من الذنوب التي تهتك العصم، و هي صريحة في بيان مصاديق الذنوب التي تهتك العصم فلا مجال لتوهم أنه تمسك بالعام في الشبهة المصداقية وإن الإمام (عليه السلام) ليس في مقام بيان كونها  ذنباً[61].
والحق أن يقال: إن المراد من اللغو في الرواية بعضه لا مطلقه، وذلك لمناسبات الحكم والموضوع، وللارتكاز والإجماع والسيرة القائمة على عدم حرمة مطلق اللغو فكيف بكونه كبيرة؟
ويمكن أن يقال أيضاً: أن هتك العصم ذو مراتب، وما يوجب بعضها محرم دون ما يوجب الدرجات الدنيا منها، فلا تدل على حرمة اللغو الا لو ثبت أنه يمتلك المرتبة العليا.
هذا، وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.


-------------
[1] سورة المؤمنون: ١٥.
[2] سورة القصص: ٥٥.
[3] سورة المائدة: ٥٧.
[4] سورة الأنبياء: ١٧.
[5] كتاب المكاسب: ج٢ ص٤٧.
[6] الفقه المكاسب المحرمة: ج٢ ص٦٠.
[7] كتاب المكاسب: ج١ ص١٦٠.
[8] حاشية المكاسب للإيرواني: ج١ ص٢٤١.
[9] فقه الصادق (عليه السلام): ج٢١ ص٣٣٩.
[10] سورة الأنبياء: ٣.
[11] كقوله تعالى﴿ألهاكم التكاثر﴾ (سورة التكاثر: ١) و ﴿فأنت عنه تلهى﴾ (سورة عبس: ١٠)
[12] وقد قسم المصنف الأفعال باعتبار تغيّر عناوينها باختلاف غاياتها إلى أقسام ثلاثة، وتفصيله في الكتاب، فليراجع. كتاب أحكام اللهو واللعب واللغو: ص٢٧ـ ٢٨.
[13] حاشية المكاسب للإيرواني: ج١ ص٢٤١.
[14] سورة التكاثر: ١
[15] سورة التكاثر: ١
[16] كما ذكره الفيض الكاشاني في تفسيره. تفسير الصافي: ج٥ ص٣٦٧.
[17] سورة الأنبياء: ٣.
[18] سورة الجمعة: ١١.
[19] معجم الوسيط: ج٢ ص٨٤٣.
[20] تفسير الصافي: ج٥ ص١٧٥.
[21] المكاسب: ج٢ ص٤٣.
[22] المعتبر: ص٤٧١.
[23] سورة الجمعة: ١١.
[24] سورة لقمان: ٦.
[25]
[26] سورة النور: ٣٧.
[27] سورة الأنبياء: ١٧.
[28] سورة التكاثر: ١.
[29] تفسير الصافي: ج٥ ص٣٦٨.
[30] سورة الأنبياء: ٢ ـ ٣.
[31] تحف العقول: ص٣٣٥ـ ٣٣٦.
[32] حاشية الشهيدي على المكاسب: ج١ ص٤٨١.
[33] الخصال: ج٢ ص٦١٠.
[34] لسان العرب: ج١٥ ص١٥٩.
[35] مصباح الفقاهة: ج١ ص٦٤٧.
[36] حاشية المكاسب للإيرواني: ج١ ص٢٣٩ـ٢٤٠.
[37] كتاب المكاسب مع حواشي الميرزا الشهيدي: ج١ ص٤٨٠.
[38] كالطبرسي في مجمع البيان: ج٢ ص٣٧١، والطوسي في التبيان: ج٤ ص١٨.
[39] عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج٢ ص٣٥.
[40] وسائل الشيعة: ج١٧ باب تحريم استعمال الملاهي ص٣١٦.
[41] تهذيب الأحكام: ج٣ ص٢١٨.
[42] يراجع: الكافي: ج٣ ص٤٣٨، وتهذيب الأحكام: ج٣ ص٢١٧.
[43] يراجع: جواهر الكلام: ج١٤ ص٢٥٧-٢٦٤.
[44] عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج٢ ص١٢٨.
[45] الكافي: ج٦ ص٤٣٣.
[46] سورة الانبياء: ١٧.
[47] فقه الامام الصادق (عليه السلام): ج٢١ ص٣٤٤.
[48] الكافي: ج٥ ص٥٠.
[49] المكاسب: ج٢ ص٤٦.
[50] الفقه المكاسب المحرمة: ج٢ ص٦٠.
[51] حاشية المكاسب للايرواني: ج١ ص٤٢.
[52] الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري: رقم ١٨٨٥.
[53] سورة يوسف: ١٢.
[54] سورة الجمعة: ١١.
[55] تهذيب الأحكام: ج٦ ص٢٨٤.
[56] من لا يحضره الفقيه: ج٣ ص٤٩٢.
[57] سورة الفرقان: ٧٢.
[58] فقه الصادق: ج٢١ ص٣٤٧.
[59] سورة الفرقان: ٧٢.
[60] فقه الصادق: ج٢١ ص٣٤٧.
[61] فقه الصادق (عليه السلام) : ج١٤ ص٤٥٦، حاشية المكاسب (الإيرواني): ج١ ص٢٤١.

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : 28 محرم الحرام 1441هـ  ||  القرّاء : 176



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net