||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  


  




  147- (الورع عن محارم الله) و (محاسن الاخلاق) من اعظم حقوق الامام صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه)

 57- بحث اصولي: انحاء وصور مخالفة النص للعامة

 79- (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)-4 الوعي الشمولي بمساحات تأثير الحكومات و سبل المواجهة

 321- فائدة بلاغية لغوية: الصدق يعم القول والفعل

 241- فائدة كلامية ـ دليل وجوب اللطف عليه تعالى

 201- ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) ـ4 الموقف الشرعي من الحجج الباطلة للفرق الضالة: المنامات ، الخوارق ، الاخبارات الغيبية والاستخارة.

 300- الفوائد الأصولية (الحكومة (10))

 3- الحسين وإقامة الصلاة

 89- (المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) مؤسسات المجتمع المدني في منظومة الفكر الإسلامي-2

 74- إشكالات على إدخال نظر الفقيه في الأصول وجوابه



 قيم الأخلاق وردع الاستبداد

 تفكيك رموز المستقبل

 الهدفية كبوصلةٍ للنجاح

 أعلام الشيعة

 أصحاب الاحتياجات الخاصة الشريحة المنسيّة



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 النهضة الحسينية رسالة إصلاح متجددة

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 236- احياء أمر الامام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)

 قسوة القلب

 161- مفردات ومصاديق مبادئ الاستنباط (8): علم الاديان الفقهي والاصولي المقارن

 21- بحث اصولي: عن حجية قول اللغوي ومداها

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

 204- مناشئ الانحراف والضلالة : الغرور والاستعلاء والجهل الشامل



  • الأقسام : 73

  • المواضيع : 3570

  • التصفحات : 8241469

  • التاريخ : 20/10/2019 - 01:00

 
 
  • القسم : الفوائد والبحوث .

        • الموضوع : 353- الفوائد الاصولية: بحث الترتب (4) .

353- الفوائد الاصولية: بحث الترتب (4)
12 محرم الحرام 1441هـ

الفوائد الأصولية
(الترتب)

اعداد وجمع: الشيخ عطاء شاهين

الفائدة الرابعة:  قيل إن إمكان الترتّب مساوق لوقوعه ، إذ إمكانه يستلزم قهراً وقوعه؛ لأن الأهم والمهم بهما متزاحمان ولكل منهما ملاك؛ لذا إن عصى الأهم  فلا مانع من توجيه الخطاب  نحو المهم؛ فيكون إمكان الترتّب كاف في الحكم بوقوعه بلا احتياج إلى دليل من الخارج ؛ وبما أن هناك أمر بكلا الواجبين وفعليّتهما معاً لا يمكن الالتزام بها - للزوم التكليف بغير المقدور-  كان الأمر بالأهم فعلياً دون المهم ، فإذا عصى فلا مانع عن توجيه الخطاب له بالمهم ؛ إذ أنه كما له ملاك له إطلاق أيضاً ، فعلى القول بإمكان الترتّب يكفي في وقوعه نفس الدليل على المهم.
وفيه: أنه قد لا يصح الأمر بالمهم على تقدير عصيان الأهم لعدم الإطلاق ؛ فلا يكون إمكان الترتّب مساوقاً لوقوعه، بل أن المولى لو سوّغ للعبد العمل بالمهم على تقدير عصيانه للأهم فإن ذلك كثيراً ما يجرؤه على عصيان الأمر بالأهم ؛ ثم إنه لا طريق لنا إلى معرفة ملاكات أحكام الشارع إلا أوامره ونواهيه؛  لذا لو كان وجود الملاك  دليلاً على الأمر لاستلزم منه الدور ؛ بل قد لا يوجد  للمهم ملاك أصلاً  مع المزاحمة؛ إذ لعل عصيان الأهم يوجب  زوال ملاك المهم تكويناً؛ ثم لا وجه للقول بإطلاق المهم لأن إطلاق الأهم غير ساقط بمجرد العصيان؛ فلا يكون إمكان الترتّب بنفسه مصححاً لعبادية المهم ، بل المصحح هو الدليل على وقوعه؛ بالإضافة إلى أن إطلاق الأمر المهم يتوقف على تمامية مقدمتي الحكمة ؛ والقول بأن الأمر الترتبي ليس محالاً إنما يحصل عندما لا تكون قرينة على الخلاف؛ ومن أين لنا أن نحرز ذلك ؛ فإنه عندما يقول: (أقم الصلاة ) من أين لنا أنه أراد شمول الأمر حتى لصورة المزاحمة وعصيان العبد للأهم ؟ لذا فإن إمكان الشيء وفرض وقوعه الخارجي مساوق لوقوعه الفرضي لا الخارجي؛ مع أن  الفرض أعم  من الوقوع فلا يصح الاستدلال به عليه؛ فالبناء على إمكان الترتّب  بعد فرض أن به أمراً مطلقاً ليس تاماً؛ إذ أنه نظير قولك: لو فرض أنك مجتهد عادل وفرض أنك الأعلم لوجب علينا تقليدك؛ فهذا لا ينتج: فالواجب علينا الآن تقليدك ؛ لذا لا يصح القفز من البحث الأصولي إلى البحث الفقهي بدون دليل على الأخير ، بل لا بد بعد فرض إمكانه من إقامة الدليل على وقوع الأمر بالمهم.

تفصيل الفائدة [1]:
وصفوة الإشكال الرابع بإضافة وتطوير: أن القول بصحة الاعتكاف أو الصوم ممن كان مستأجَراً لعمل آخر مضاد له يعاني من إشكال آخر غير الثلاثة السابقة، وهو أنه يلزم منه إما أن يكون ما هو مصداق الواجب مصداق الحرام،  وإما أن يكون الفرد الفارد واجباً بوجوبين متضادين، وكلاهما مما لا يمكن الالتزام به:

وجهان لكون الواجب مصداقاً للحرام
أما كون ما هو مصداق الواجب مصداقاً للحرام فبأحد وجهين:
الأول: إما القول بأن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده العام أو الخاص وأنه حيث كان مأموراً بالسفر كان منهياً عن الترك، وحيث كان الترك متحداً مع الاعتكاف كان ما هو حرام مصداق المستحب أو الواجب .
الثاني: أو القول بأن أحدهما - وهو الاعتكاف - كان مقدمة لتفويت الآخر وهو الوفاء بالعقد .
والحاصل: أن وجود أحد الضدين مقدمة لعدم الضد الآخر،  كما أن عدم أحدهما مقدمة لوجود الآخر، فمثلاً الذهاب لليمين مضاد للذهاب إلى اليسار ؛ فعدم الذهاب لليمين مقدمة من مقدمات الذهاب إلى اليسار،  والذهاب إليه مقدمة لعدم الذهاب لليسار.

وجه كون الفرد واجباً بوجوبين متضادين
وأما كون الفرد الفارد واجباً بوجوبين متضادين فلما سبق : والمقام من هذا القبيل ؛ لأن منفعة الأجير أو وقته كالجنس،  وتمصدقه في الاعتكاف كالفصل؛ فالوجود واحد لا أنهما حيثيتان انضمت إحداهما إلى الأخرى.
والحاصل: أنه مادام مستأجراً في الأيام الثلاثة القادمة – مثلاً-  للسفر،  ومادام الشخص له وجود واحد في الوقت الواحد [2] ؛ فإن هذا الوجود الواحد متعلَّق الوجوبين المتضادين: وجوب الوفاء بعقد الإجارة بالسفر ؛ ووجوب الاعتكاف - أو استحبابه- باللبث في المسجد ، فكيف يعقل ذلك؟

الجواب عن الإشكالات
والجواب عن الإشكالات الثلاثة قد يكون بأحد وجوه:

لا عينية لترك أحد الضدين للضد الآخر
الأول: رد دعوى عينية ترك أحد الضدين لوجود الضد الآخر؛ استناداً إلى أن الترك أمر عدمي وهو غير الكفّ[3] ، والعدم عدم ولا وجود له في الخارج بوجه فلا يعقل القول بعينية ترك السفر للمكوث في المسجد، وكلما اطلق فهو مجاز؛ وإلا للزم أن يكون العدم موجوداً وذلك يعني القول باجتماع النقيضين.
لا يقال: الاعدام المضافة لها حظ من الوجود؟
إذ يقال: ذلك في الذهن ، أما في الخارج فلا يوجد عدم مطلق[4] ولا عدم مضاف[5] ؛ وإلا للزم القول باجتماع النقيضين أو ارتفاعهما بالالتزام بـ(الحال) المدعى انها الواسطة بين الوجود والعدم؛ بدعوى أن عدم زيد في الخارج واقعيٌّ لكنه غير موجود ؛ فالواقعية واسطة بين الوجود والعدم وهو التزام برفع النقيضين وبديهي البطلان.

لا مقدمية لترك أحدهما للآخر
الثاني: رد دعوى مقدمية ترك أحد الضدين لوجود الآخر؛ وذلك استناداً إلى أن وجود الشيء وعدمه في رتبة واحدة وليس أحدهما مقدماً على الآخر ؛ فإن الماهية نسبتها للوجود والعدم متساوية فإن وجدت علة الوجود وجدت وإلا لم توجد [6]، فكذا حال الضد الآخر ؛ فإن وجوده وعدمه في رتبة واحدة ؛ فإذا تمّ ذلك كان وجود أحد الضدين في رتبة وجود الضد الآخر وعدم أحدهما في رتبة عدم الآخر ؛ فإذا تمَّ ذلك كان وجود أحدهما وعدم الآخر في رتبة واحدة ،  أي أن هذه الأربعة - وجود هذا الضد وعدمه ، ووجود الضد الآخر وعدمه -  كلها في رتبة واحدة ؛  فلا يعقل كون أحدها مقدمة للآخر بوجه.
وهذا هو ما يفسر به كلام الآخوند، فإن كان كذلك فبها، وإلا اعتبرناه وجهاً جديداً.

وجهان لرد كون الواحد مصداقاً لوجوبين متضادين
الثالث: رد دعوى أن الفرد الفارد لا يكون مصداقاً لوجوبين متضادين وأن المقام من ذلك ورد الدعويين السابقين أيضاً وذلك استناداً إلى أحد وجهين:

الاستناد لباب اجتماع الأمر والنهي
الوجه الأول: أن المقام على الوجهين الأولين[7] يكون من اجتماع الأمر والنهي وهو ممكن إذا كانت الحيثيات تقييدية، وفي المقام: أن اللبث في المسجد من حيث إنه اعتكاف مستحب أو واجب،  ومن حيث إنه مقدمة لترك السفر وترك الوفاء بالنذر - بناء على المقدمية-  حرام، ولا بأس بذلك ؛ إذ أن تعدد الحيثيات يوجب تعدد الموضوع واقعاً، وكذلك: اللبث مستحب أو واجب من حيث أنه اعتكاف ، وحرام من حيث إنه ترك للسفر.
والمقام على الوجه الأخير هكذا يوجّه: بأن وجود زيد من حيث اللبث في المسجد متعلق الوجوب والأمر بالاعتكاف، ووجوده من حيث كونه متعلق عقد الإجارة هو متعلق أمر الوفاء بالنذر ووجوبه، فتأمل.

الاستناد للترتّب
الوجه الثاني: الترتّب- وهو ما استند إليه السيد الخوئي- وهو أن الأمر موجه له بالسفر والوفاء بالعقد فإن عصى فهو مأمور باللبث في المسجد.
وفيه: أن المصحح للّبث في المسجد هو عدم الترتّب لا الترتّب، أي نقيض ما قاله (قدس سره) هو المصحح دون ما قاله؛ فإن الترتّب يعني وجود الأمر بالأهم أو المضيق فإذا وجد لزمت الإشكالات السابقة فكان لا بد من الجواب عنها؛  فلم يكن نفس الترتّب حلاً[8]، أما نقيض الترتّب - وهو الالتزام برفع المولى يده عن الأهم - فهو الذي يدفع الإشكالات الثلاثة السابقة [9]، وهو المصحح للاعتكاف بدون توقف على ضميمة أخرى.
ويدل على ما ذكرناه [10]  ما صرح به الميرزا النائيني في الفوائد؛ إذ قال: (المسألة الأولى: في إمكان الترتّب في المتزاحمين اللذين كان التزاحم فيهما لأجل تضاد المتعلقين، وكان أحدهما أهم من الآخر، بحيث يكون إطلاق الأمر بالأهم على حاله، والأمر بالمهم يقيد بصورة عصيان الأهم وتركه ؛ فيرجع النزاع في الترتّب إلى أن تقييد المهم بذلك مع بقاء إطلاق الأعم هل يوجب رفع غائلة التمانع والمطاردة والتكليف بالمحال وخروج الأمر بالضدين عن العرضية إلى الطولية؟ كما هو مقالة مصحح الترتب، أو أن هذا التقييد لا يوجب رفع تلك الغائلة، بل التكليف بالمحال بعدُ على حاله، ولا يخرج الأمر بالضدين عن العرضية إلى الطولية بذلك التقييد، بل رفع تلك الغائلة لا يكون إلا بسقوط الأمر بالمهم رأسا كما هو مقالة منكر الترتب، والأقوى هو الأول)[11].
والشاهد في قوله (فيرجع النزاع...) وقوله : (كما هو مقاله مصحح الترتّب) .

رفع غائله التمانع بين المهم وبالأهم، بأحد وجوه
والذي نضيفه على كلامه (قدس سره) هو أن رفع الغائلة يكون بأحد وجوه ثلاثة:
الأول: ما ذكره من (سقوط الأمر بالمهم رأساً) والذي عليه لا يكون الاعتكاف مأموراً به فيكون باطلاً [12].
الثاني: ما ذكرناه من أن رفع الغائلة يكون أيضاً برفع المولى يده عن الأهم عند العصيان أو به أو عند العزم عليه أو عند عدم العزم على الإطاعة أو عند اليأس، والأخير هو المنصور كما سبق.
الثالث: ما اخترناه من تنزّل الأمر بالأهم عند اليأس عن إطاعة العبد له من مرتبة الطلب الفعلي البعثي إلى مجرد الطلب القانوني فيجتمع مع البعث الفعلي نحو المهم ، كما مضى تفصيله.
والحاصل: أنه قد يجاب صغروياً عن الإشكالات الثلاث الماضية بما سبق ونظائره، وقد يجاب كبروياً بأنه وإن كانت الصغرى كما ذكر في الإشكالات الثلاث لكنه كبرىً لا إشكال فيه ؛ وأما لما ذكر في باب اجتماع الأمر والنهي من كفاية تعدد الجهات التقييدية، أو للترتّب الذي لجأ إليه المستند.
وأما تحقيق عدم مصححية الترتّب لعبادة الاعتكاف في مفروض البحث بما يؤول إلى دعوى سقوط الأمر بالمهم رأساً – كما أشار إليه الميرزا – أو إلى عدم دليل على ثبوته، ففي ضمن البحث الآتي، وهو:

النائيني: إمكان الترتّب مساوق لوقوعه
ذهب الميرزا النائيني (قدس سره) إلى أن إمكان الترتّب مساوق لوقوعه ، بمعنى أن البحث فيه إنما هو عن الإمكان والامتناع، فإن قلنا بإمكانه فلا حاجة لإقامة الدليل على وقوعه، إذ إمكانه يستلزم قهراً وقوعه؛ وذلك لوضوح أنه يوجد أمر بكل من الأهم والمهم - كالإزالة والصلاة- لفرض أنهما ليسا بمتعارضين ، بل هما متزاحمان لهما الملاك والأمر أيضاً ، إلا أن الأمر حيث تنزّل إلى عالم الامتثال وكان المكلف غير قادر على فعلهما معاً فإنّ عجزَهُ عن إطاعتهما مانع عن توجيه الخطاب له حينئذٍ بغير الأهم لأنه الأهم والقدرة شرط التكليف، فهو مكلف بالأهم فقط حينئذٍ فإذا عصى لم يكن هناك مانع عن توجيه الخطاب له بالمهم، لأنه قادر عليه حينئذٍ [13] فيجب وقوعه ، إذ المقتضي تام الاقتضاء والمانع الوحيد كان هو لزوم إطاعة الأهم لكنه حيث عصى ارتفع المانع فوجب بالضرورة تعلُّقه [14] بالمكلف.
وبعبارة أخرى: المهم له الملاك كما له الإطلاق، لفرض إطلاق أمره وأن المانع هو امتثال الأهم فقط فإذا عصاه ارتفع المانع.
قال في مصباح الأصول: (إمكان الترتّب مساوق لوقوعه، أنّ هذه المسألة وإن كانت عقلية، والبحث فيها عن مجرّد الإمكان والامتناع، وما يبحث عن إمكانه وامتناعه ربما يحتاج وقوعه بعد إثبات إمكانه إلى دليل آخر، إلاّ أنّ المقام ليس كذلك، فإن إثبات إمكان الترتّب كاف في الحكم بوقوعه بلا احتياج إلى دليل من الخارج على وقوعه، إذ المفروض وجود الأمر بكلا الواجبين.
غاية ما في الباب أنّه لا يمكن الالتزام بفعليّة كلا الواجبين، للزوم التكليف بغير المقدور، فيكون الأمر بالأهم فعلياً دون المهم لهذا المحذور العقلي، فعلى القول بإمكان الترتّب يكفي في وقوعه نفس الدليل على المهم.
وبعبارة أخرى: إطلاق الدليل على المهم ينافي الدليل على الأهم لا أصله، وبعد رفع اليد عن إطلاقه لمزاحمة الأهم لا وجه لرفع اليد عن أصله، فإن الضرورات تقدّر بقدرها، والضرورة في المقام لا تقتضي أزيد من رفع اليد عن إطلاق الدليل على المهم، فلا وجه لرفع اليد عن أصله، وتوضيحه مع كونه واضحاً:
إن الأمر دائر بين رفع اليد عن إطلاق دليل المهم بالنسبة إلى صورة امتثال الأمر بالأهم، ورفع اليد عن أصله، بلا فرق بين صورتي امتثال الأمر بالأهم وعصيانه، وحيث إن رفع اليد عن إطلاقه كاف في رفع التنافي، فلا وجه لرفع اليد عن أصله، وتكون النتيجة أنّ الأمر بالمهم باق على حاله في صورة عصيان الأمر بالأهم، وهو كاف في الحكم بصحة المهم بلا حاجة إلى دليل آخر.
وإن شئت قلت: إنّ بحث الترتّب راجع إلى باب التزاحم، لأجل عدم قدرة المكلف على امتثال كلا الأمرين والاتيان بكلا الواجبين، فعلى تقدير امتثال الأمر بالأهم يكون عاجزاً عن الإتيان بالمهم، فينتفي التكليف به بانتفاء القدرة، وعلى تقدير عصيان الأمر بالأهم لا وجه لارتفاع التكليف بالمهم لتحقق القدرة عليه، فالتكليف بالمهم إنما هو مرتفع في صورة امتثال الأمر بالأهم فقط، وهو باق بعين أمره في صورة عصيان الأمر بالأهم، وبقائه في هذه الصورة هو معنى الترتّب، فلا يحتاج وقوعه بعد إمكانه إلى دليل آخر) [15].

المناقشة:
لكن ما التزمه الميرزا النائيني (قدس سره) ومجمل ما علله به في مصباح الأصول غير تام، وذلك لوجهين أحدهما يعود للملاك والآخر للإطلاق:
أولاً : قد لا يصح الأمر بالمهم على تقدير عصيان الأهم
أما الملاك، فإن ما يتوهم من كون ملاك المهم تاماً وأن الشارع لا محذور له من الأمر به إلا إرادته إطاعة الأهم ، فإذا وجده قد عصى أو عزم على العصيان وأحرز عدم إطاعته وعصيانه ، لزم أن يأمره بالمهم كي لا تفوت مصلحته الملزمة بترك المولى الأمر به،  إضافة إلى فوات مصلحة الأهم الملزمة بتضييع العبد لها بعصيانه، ليس تاماً؛ وذلك لوضوح أنه لا إطلاق لذلك، كي يكون إمكان الترتّب مساوقاً لوقوعه، بل قد يجد المولى – بل هو كثير وعقلائي – أنه لو سوّغ للعبد العمل بالمهم وقَبِله منه عبادةً على تقدير عصيانه للأهم فإن ذلك كثيراً ما يجرؤه على عصيان الأمر بالأهم ؛إذ يرى أنه وإن عصى الأهم لكنه امتثل المهم فربح ثوابه والقرب به، وهذه جهة كافية كي لا يأمر المولى بالمهم حتى على تقدير عصيان الأهم لكونه في الجملة من دواعي عصيان الأهم أو من المثبطات عن شدة الالتزام به؛ ألا ترى أن الأمر بالجهاد مثلاً لو كان هو الأهم وكان بناء المسجد أو الحسينية أو الزيارة أو التدريس أو الصلاة أول وقتها هو المهم، فلو قال المولى بالترتّب وصحح به تلك العبادات على تقدير عصيان أمر الجهاد فإن كثيراً من الناس سوف لا يذهب للجهاد وينشغل ببناء المسجد أو الدرس أو التأليف أو العبادة أو غيرها ، ويُسكِت وجدانه بأنه وإن ترك الجهاد لكنه انشغل بواجب آخر مهم، وذلك حسب الاستقراء بل الوجدان مُرضٍ لكثير من الناس بل ويعد وجهاً وجيهاً عند العرف، بل وقد يحرز بذلك المكانة والمنزلة عندهم ، لكنه إن علم بأن صلاته لا تقبل أبداً ولا بناؤه للمسجد أو تدريسه وأنه لا يثاب عليه أصلاً فإنه يرى أنه لو ترك الجهاد لخسر الأهم والمهم معاً ؛ فذلك هو من محفزات الكثيرين للذهاب للجهاد والعمل بالأهم.
والحاصل: أنه تكفي السالبة الجزئية، فكيف إذا كانت كثيرة، نقيضاً للموجبة الكلية، والموجبة الكلية هي انه كلما كان الترتّب ممكناً كان حتماً واقعاً فنقول كلا، بل قد نقول بإمكانه لكن لا تكون المصلحة فيه (أي في الأمر بالمهم مترتباً على عصيان الأهم).
نعم، إذا سُدّ باب العدم من جميع الجهات حتى من هذه الجهة، بأن فرض أن تصحيح الشارع للمهم وعباديته وعدمه سواء في حال العاصي، صح ما ذكر من المساوقة لولا إشكال آخر يأتي بإذن الله تعالى .

ثانياً: الملاك لا يُكشف إلا من الأمر، فيدور
كما يرد على الاستدلال بالملاك على أن إمكان الترتّب مساوق لوقوعه بانه دَوريٌّ ؛ إذ لا طريق لنا إلى معرفة ملاكات أحكام الشارع إلا أوامره ونواهيه، لأن أصول الملاكات وإن علمت، كحسن العدل وقبح الظلم، وكانت مقاصد الشريعة العامة معلومة إجمالاً وكان من المسلّم أن الأحكام تابعة لمصالح ومفاسد في المتعلقات، لكن لا يعلم حال العلة منها من الحكمة وتزاحماتها وموانعها، فلعل ما نجده فيها من الملاك مقتضٍ، وذلك في غير المستقلات العقلية وغير ما أوكله الشارع للعرف من الموضوعات..
وعلى أي فلا تعلم الملاكات التامة المجردة عن الموانع والتي تكون كالعلة التامة لتشريع الشارع بالنظر إلى الحكمة.
وعليه: فإن وجود الأمر في عالم الإثبات - أي العلم به - هو الدليل على الملاك ؛ فلو كان وجود الملاك - أي العلم به دليلاً-  على الأمر دار.
بعبارة أخرى: العلم بوجود الأمر متوقف على العلم بالملاك وذلك حسب دعوى القائل بالترتّب إذا استند لإثبات تعلق الأمر بالمهم إلى إحرازه وجود الملاك فيه ، كما ادعى الآخوند في الكفاية [16] القطع بعدم الفرق من حيث ثبوت الملاك بين الصلاة غير المزاحَمة والصلاة المزاحَمة، وبالعكس: أي العلم بالملاك متوقف على العلم بوجود الأمر ، للقاعدة العامة الآنفة الذكر، فتدبر [17].

ثالثاً: قد لا يكون للمهم أصلاً ملاك مع المزاحمة
بل لنا أن نقول بأن أصل وجود الملاك في المهم في صورة عصيان الأهم [18] غير معلوم، وذلك لأن مزاحمة الأهم له وإن كانت في حد ذاتها لا تزيل [19] ملاك المهم وإلا كان من التعارض لا التزاحم، فمع فرض المزاحمة فكلاهما له ملاك وقد ضاقت القدرة عن الجمع بينهما، لكنه إذا عصى الأهم فقد يوجب نفس عصيانه للأهم زوال ملاك المهم تكويناً، كما سيأتي.
وعليه: ومع وجود هذا الاحتمال فإن إمكان الترتّب لا يساوق وقوعه ، بل لا بد في عالم الإثبات من التماس دليل على بقاء ملاك المهم حتى على تقدير عصيان الأهم.
ويوضح المدعى الكثير من الأمثلة، على أنه يكفي أحدها نقضاً على دعوى الملازمة والمساوقة؛ فلو دهم الوباء أرضاً مثلاً فوجبت عليهم الهجرة دفعاً لخطر الموت، ووجب عليهم أيضاً تعلم لغة أو ثقافة البلد الذين يهاجرون إليه لجلب المنافع الملزمة ودفع الأخطار المحتملة أو المسلّمة هناك [20] ، فلو دار الأمر بين الهجرة والتعلم - نظراً لضيق الوقت-  فإن كليهما له ملاك حينئذٍ، لكن ملاك الهجرة أهم  [21]، ولكنهم لو عصوا أمر الأهم فلم يهاجروا فإنه يزول بذلك ملاك التعلم،  إذ لو أقاموا لما نفعتهم لغة القوم المهاجَر إليهم وثقافتهم - سواء أماتوا وهو واضح، أم بقوا أحياء-  على الفرض أنهم لو هاجروا لانتفعوا بها.

المشابه للمقام الذي التزم به الميرزا
وقد صار النائيني (قدس سره) إلى مشابه لذلك بوجه آخر تعبدي المنشأ وإن كان تكوينيَّ النتيجة، بينما ما ذكرناه هو تكويني المنشأ والنتيجة، فكلامنا هنا نظير (التخريج) وكلامه نظير (الورود) ، وذلك فيما إذا كان أحد الدليلين مقيداً بالقدرة العقلية والآخر مقيداً بالقدرة الشرعية.
توضيحه: أن الحج مثلاً مشروط بالقدرة الشرعية لتقييده بها [22] في ظاهر الدليل (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) [23] أما أداء الدين فمشروط بالقدرة العقلية فقط، فلو لم يمكنه إلا أحدهما بأن كان ماله مثلاً لا يسعهما ، فإنّ وجوب أداء الدين فعلي لعدم توقفه على شيء إلا القدرة وهي متحققة، وأما وجوب الحج فليس بفعلي لتوقفه على الاستطاعة الشرعية، ولا استطاعةَ شرعية له مع كونه مأموراً بصرف المال في أداء الدين؛ والعجز الشرعي كالعجز العقلي.
والحاصل: أنه التزم بأن القدرة الشرعية دخيلة في الملاك ، فإذا فُقِدت فَقَد الواجب ملاك وجوبه، وما نحن فيه أولى مما ذكره لزوال الملاك تكويناً حقيقة لا تكويناً بمعونة التعبد، فهو كالتخريج لا كالورود،  فتدبر.

ثالثاً : الإطلاق
بدعوى ما سبق من أن : ( إطلاق الدليل على المهم ينافي الدليل على الأهم لا أصله، وبعد رفع اليد عن إطلاقه لمزاحمة الأهم لا وجه لرفع اليد عن أصله، فإن الضرورات تقدّر بقدرها، والضرورة في المقام لا تقتضي أزيد من رفع اليد عن إطلاق الدليل على المهم، فلا وجه لرفع اليد عن أصله، وتوضيحه مع كونه واضحاً...) [24].
المناقشة: لا وجه لدعوى حتمية إطلاق الأمر بالمهم لصورة عصيان الأهم
ولكن يرد عليه: أنه لا وجه للقول بإطلاق المهم مادام إطلاق الأهم غير ساقط بمجرد العصيان، بل أنه المحتاج للدليل [25] ، بل أن الدليل على عدمه [26].  
وعليه: فإمكان الترتّب بنفسه ليس مصححاً لعبادية المهم [27] ، بل المصحح هو الدليل على وقوعه.
وتوضيحه: أن قول الشارع (أَقِمِ الصَّلاَةَ) [28] المزاحم للإزالة في أول الوقت أو قوله أوف بالعقد المزاحم للاعتكاف في وقته، له ثلاث حالات من حيث شموله لها وعدمه:
الأولى: حالة وجود الأمر بالأهم وعزمه على الإطاعة [29]، وهنا لا شك في عدم إطلاق الأمر المهم لهذه الصورة، من غير خلاف من المستشكَل عليه ولا من غيره ظاهراً؛ لوضوح أنه مادام قادراً على أحدهما فإن الآمر لا بد أن يأمره- نظراً لحكمته- بصرف قدرته إلى الأهم فقط.
الثانية: حاله سقوط الأمر بالأهم، بعجزه عنه فرضاً وكذا – فيما أضفناه – باليأس عن امتثال العبد له فإنه لا يعقل مع يأسه منه بعثه حقيقة نحوه، ولا شك ههنا في أن أمر المهم متعلق به وإطلاقه شامله له.
الثالث: حاله بقاء الأمر بالأهم مع عصيانه أو العزم على عصيانه، فهل أمر المهم شامل لهذه الصورة أو لا؟
والجواب: كلاهما محتمل إثباتاً: فإنه إن كان في مقام البيان من هذه الجهة - بأن كان إطلاق الأمر بالصلاة في مقام بيان وجوبها حتى إذا زاحمها الأهم لكنه عصاه - كان مطلقاً ، وإلا فلا.
إذن فالأمر متوقف في عالم الإثبات على إثبات انعقاد إطلاق أمر المهم لصورة عصيان الأهم؛ فلم يكن إمكان الترتّب مساوقاً لوقوعه أصلاً.

دليل الآخوند على ان إمكان الترتّب مساوق لوقوعه
ولنذكر وجه القول بأن إمكان الترتّب مساوق لوقوعه حسبما ذكره الآخوند ؛ قال (قدس سره) : (ثم لا يخفى إنّه بناءً على إمكان الترتّب وصحته، لابد من الالتزام بوقوعه من دون انتظار دليل آخر عليه، وذلك لوضوح أن المزاحمة على صحة الترتّب لا تقتضي عقلاً إلّا امتناع الاجتماع في عرض واحد، لا كذلك، فلو قيل بلزوم الأمر في صحة العبادة ولم يكن في الملاك كفاية، كانت العبادة مع ترك الأهم صحيحة لثبوت الأمر بها في هذا الحال، كما إذا لم تكن هناك مضادة) [30].

المناقشة: المزاحمة قد تقتضي زوال الملاك أو الإطلاق
ولكن يرد على قوله: (أن المزاحمة – بناءً- على صحة الترتّب لا تقتضي...) أنها تقتضي في الجملة أيضاً أمرين آخرين؛ الأول: زوال الملاك، والثاني: عدم الإطلاق.
أما الأول: فلوجهين من الوجوه الثلاث الآنفة الذكر؛ وهي: اقتضاء الحكمة عدم الأمر بالمهم إذا كان يجّرؤُ ذلك العبدَ على عصيان الأهم، وأنه قد لا يكون للمهم أصلاً ملاك مع المزاحمة ، فراجع [31].
وأما الوجه الثاني: فلأنه كان من عالم الإثبات فلا يجدي في الأمر الأول وهو الملاك، بل يصب في الأمر الثاني.

إمكان الترتّب يرفع مانع الإطلاق لكن الكلام في مقتضيه
وأما الثاني: فلأن إطلاق الأمر المهم يتوقف على تمامية مقدمتي الحكمة ؛ وهما: أن يكون المولى في مقام البيان [32]،  وأن لا تكون قرينة على الخلاف [33] ، والقول بأن الأمر الترتبي ليس محالاً إنما تحرز به المقدمة الثانية، فإن الاستحالة العقلية تمنع انعقاد الإطلاق لمحكومية عالم الإثبات للثبوت في الاستحالة والإمكان بالبداهة؛ فتبقى المقدمة الأولى بحاجة إلى محرز؛ وهذا هو بيت القصيد في الكلام من أن إمكان الترتّب لا يكفي لإحراز وقوع الأمر بالمهم،  بل لا بد من ضميمة دليل إثباتي على أن المولى في مقام البيان من هذه الجهة؛  أي أنه إذ قال: (أَقِمِ الصَّلاَةَ) [34] أراد شمول الأمر حتى لصورة المزاحمة مع الأهم منها وعصيان العبد للأهم، فمن أين ذلك؟

إشكالات وأجوبة
لا يقال: أصالة الإطلاق  وأصالة كونه في مقام البيان محكّمة؟
إذ يقال: إن التمسك بها دليل على مدعانا من الحاجة إلى ضميمة دليل إثباتي- إلى إمكان الترتّب- لإثبات وقوع الأمر بالمهم ومن ثمّ تصحيح العبادة.
لا يقال: الأمر بالمهم موجود قطعاً لوجود الأمر بـ(أَقِمِ الصَّلاَةَ) مثلاً.
إذ يقال: لا شك في ذلك في مثل هذا، لكن الكلام في إطلاقه وشموله لصورة المزاحمة مع الأهم عند عصيانه، وإنما قيدنا بـ(في مثل هذا) لإخراج الصورة الأولى والثالثة من صور الإشكال على الملاك ؛ فإنه لا يوجد الأمر بالمهم أصلاً حينئذٍ.

الافتراض أعم من الوقوع
لا يقال: الفرض أننا افترضنا تمامية أركان الأمر بالمهم وإطلاقه وأنه لا توجد مشكلة فيه إلا من جهة مزاحمته بالأهم.
إذ يقال: الفرض أعم من الوقوع؛ فإن الفرض لا ينتج إلا فرداً فرضياً لا خارجياً واقعياً، ألا ترى أن القضية الشرطية واللويّة فرضية لكنها تنتج التالي في عالم الفرض لا الواقع؟
فلاحظ –مثلاً-  قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [35] فإن وجود إلهين فرضي والفساد وهو التالي فرضي أيضاً ، لكنه ليس بواقع خارجي ؛ فهل يصح القول بأنه حيث افترضنا وجود إلهين اثنين فالواقع الخارجي هو فساد السماوات والأرضين؟
فإن ذلك باطل بالبداهة ؛ إذ الواقع لا يتبع الفروض الذهنية؛ بل الصحيح أن يقال: حيث افترضنا وجود إلهين فيلزمه في عالم الافتراض فساد السماوات والأرض معلق على الفرض الأول [36]، لا أنه يلزمه خارجاً فسادهما ؛ وفيما نحن فيه: أراد الأعلام ترتيب الأثر الخارجي على افتراضين ، افتراض إمكان الترتّب؛ إذ قالوا: لو فرضنا صحة الترتّب ، وافتراض تمامية الإطلاق؛ ليرتبوا عليه ثبوت تعلق الأمر بالمهم وصحة العبادة  [37] وذلك غير معقول إذ إنما يترتب عليه افتراض صحة العبادة حينئذٍ أي في عالم الفرض، وكان اللازم بعد الافتراضين الكلام عن وقوعها؛ بأن يقال: افترضنا صحة الترتب وكان الدليل عليه كذا، وافترضنا وجود الإطلاق - وكون المولى في مقام البيان من هذه الجهة-  ودليله كذا.
والحاصل: أن إمكان الشيء وفرض وقوعه الخارجي مساوق لوقوعه الفرضي، لا الخارجي، فتدبر.

وجوه عديدة لنفي مساوقة إمكان الترتّب لوقوعه
وبعبارة أخرى: مساوقة إمكان الترتّب لوقوعه [38]، متوقفة على فروض ثلاثة:
الأول : فرض إمكان الترتّب.
والثاني : فرض وجود الأمر بالمهم.
والثالث:  فرض إطلاقه.
والفرض- كما سبق- أعم من الوقوع فلا يصح الاستدلال به عليه، أي أن الإشكال هو أن الفرض الثالث يحتاج إلى إثبات؛ فإنه لو ثبت إمكان الترتّب احتجنا إلى دليل على تعلق الأمر بالاعتكاف مثلاً ، فلو بحثنا عنه ووجدناه احتجنا إلى إثبات أنه مطلق حتى من جهة صورة عصيان المزاحم الأهم له.
وبعبارة ثانية: لو فرضنا أنه لا مشكلة إلا الترتّب وجب العمل بالمهم، لكن الكلام كل الكلام هو أن هذا الفرض غير واقع إلا في الجملة، فوقوعه في هذا المورد الخاص – كالاعتكاف- بحاجة إلى دليل ؛ وذلك نظير ما لو قال شخص أنه لو فرضنا أنه لا مشكلة في هذا المطلق إلا من جهة كونه في مقام البيان، لعمّ؛ فانه يرد عليه أنه وإن صح ذلك في عالم الفرض لكن هذا الفرض قد يكون غير واقع إذ فيه مشكلة من جهة القرينة على الخلاف، أو العكس.

القفز من البحث الأصولي إلى الفقهي بدون دليل
وبعبارة ثالثة: لا يصح القفز من البحث الأصولي إلى البحث الفقهي بدون دليل على الأخير وهو ما صنعه الآخوند ؛ إذ قال: (فلو قيل بلزوم الأمر في صحة العبادة ولم يكن في الملاك كفاية، كانت العبادة مع ترك الأهم صحيحة لثبوت الأمر بها في هذا الحال، كما إذا لم تكن هناك مضادة) [39] .
ويرد عليه: أنه من أين (ثبوت الأمر بها في هذا الحال) فهذا ما يجب أن يبحث عنه الفقه، ولو وجدنا هذا الأمر فلا بد من بحث أنه مطلق أو لا، وفرض وجوده وإطلاقه كما سبق أعم من فعلية وجوده.
وبعبارة رابعة: كيف صحّح الآخوند أمر الاعتكاف وإطلاقه وعباديته بمجرد البناء على إمكان الترتّب وبضم فرض أن به أمراً مطلقاً؟ فإن أقام الدليل على أن به أمراً مطلقاً كان دليلاً عليه لا له؛ إذ هو ما نقول من أن إمكان الترتّب لا يستلزم وجود الأمر بالمهم وإطلاقه، بل لا بد بعد فرض إمكانه من إقامة الدليل على وقوع الأمر بالمهم.

المصحح للعبادية هو التنزل من عالم الفرض إلى عالم الواقع
وبعبارة خامسة: هل المراد البقاء في عالم الفرض أو التنزل لعالم الواقع والأمر والنهي الخارجيين؟ فإن كان المطلوب الثاني لم يكفِ فرض إمكان الترتّب وفرض وجود الأمر مع فرض إطلاقه ، وذلك نظير قولك: لو فرض أنك مجتهد عادل وفرض أنك الأعلم لقلدناك أو لوجب علينا تقليدك، فهل ينتج ذلك اننا قلدناه بالفعل؟ أو ينتج: فالواجب علينا الآن إذن تقليدك! فكذلك المقام تماماً.
وبعبارة سادسة: أن تحويل القضية الشرطية واللويّة إلى قضية حملية بحاجة إلى دليل، فنقاشنا في وجود هذا الدليل ووقوعه، لا في إمكان الترتّب على الفرض، ولو قيل قد فرضنا وجود الدليل أجبنا: بما سبق من أن فرضه أعم من تحققه وفرضه لا ينتج تحققه.
والحاصل: أن الإشكال هو في انتقال الآخوند من البحث الأصولي إلى إثبات أن بالاعتكاف أمراً وأنه مطلق كان بلا دليل بالمرة.

معقد بحث الترتّب، بنحوين
وبعبارة سابعة: أن معقد بحث الترتّب يمكن أن يكون بنحوين:
الأول: إذا أمر بالأهم فهل يمكنه الأمر بالمهم مترتباً على عصيان الأهم؟ فإذا كان هذا هو المعقد فبديهي أنه لا يجري فيه كلام الآخوند ومن تبعه؛ إذ ليس ههنا حتى فرض وجود الأمر بالمهم وإطلاقه، ومعقد كلام بعض الأعلام ممن ادعى المساوقة- كمصباح الأصول-  هو الأول، قال مصباح الأصول: (بقي الكلام في الترتّب، وأنه يمكن الأمر بالضد المهم مترتّباً على عصيان الأمر بالأهم أم لا؟) [40] .
فهو صريح في هذا النحو الأول ، فإنه لو فرض أنه قلنا (أمكن) فالآن يجب البحث عن أنه وقع أم لا؟
ولا يشكل بأنه بالنظر للحكمة لا بد من وقوعه؛ لما سبق مراراً من أن الحكمة قد تقتضي عدم الأمر بالمهم أبداً على تقدير عصيان الأهم حتى على فرض إمكان الترتّب [41].
الثاني: أنه إذا كان أمران - أي وجدنا أمرين خارجاً- بالأهم والمهم فهل يمكن تصحيح الأمر بالمهم بالترتّب؟ فإن صح كان مولوياً وإلا كان إرشادياً أو غير ذلك [42].
وهنا يرد أن هذا مبني على وجود الأمر - وقد وجدناه - فلا حاجة لدليل عليه، لكن من أين إطلاقه؟ فإن فرض إطلاقه أعم من وقوعه، فلو فرض لكان الاعتكاف مأموراً به فرضاً وصحيحاً فرضاً، لكنّ كونه صحيحاً واقعاً وخارجاً متوقف على دليل منّا على الإثبات على تمامية مقدمات الحكمة.

مناقشة كلام مصباح الأصول
وبذلك ظهرت المناقشة أيضاً في قوله : (إلا أنّ المقام ليس كذلك، فإنّ إثبات إمكان الترتّب كاف في الحكم بوقوعه بلا احتياج إلى دليل من الخارج على وقوعه، إذ المفروض وجود الأمر بكلا الواجبين) [43] .
إذ يرد عليه - إضافة إلى أنه خلاف معقد مبحث الترتّب لديه، أن وجود الأمر بكلا الواجبين أعم من كونه مطلقاً ، ففرض وجوده لا يغني عن فرض إطلاقه فكيف ينفع في نفس تحققه ووجوده.
والحاصل: أن إطلاق المهم ثابت على تقدير عدم الأمر بالأهم - ولو لحدوث العجز عنه-  فمن أين ثبوته على تقدير عصيانه؟ فأي دليل أقيم فهو الدليل على عدم مساوقة دعوى الإمكان للوقوع.
كما أن قوله: (وعلى تقدير عصيان الأمر بالأهم لا وجه لارتفاع التكليف بالمهم لتحقّق القدرة عليه) [44] .
يرد عليه: أن الوجه ما سبق من رادعية عدم تصحيح الشارع لعبادته المهمة وعدم قبولها منه عن عصيان الأهم ، إذ لو رأى العبد قبول المولى طاعته بامتثال المهم وأنه يحصل به على الثواب ويخفف به عنه بعض عقاب عصيان الأهم لكان ذلك مثبِّطاً- للكثيرين- عن امتثال الأهم، كما سبق، فتدبر جيداً.

إطلاق الأمر بالمهم وشموله لست صور
ثم إن الأمر بالمهم- لو كان- فإن الإطلاق يتصور فيه لصور وحالات ست، فقد يقال بشموله لبعضها قطعاً وقد يقال بالعدم حتماً وقد يشك في بعض الصور:
الأولى: ما لو لم يكن هناك أهم مزاحم تكويناً، فإنه لا شك في أن الأمر بالمهم ينعقد إطلاقه لهذه الصورة كالصورتين اللاحقتين [45] لوجود المقتضي وانتفاء المانع مطلقاً ومنه المزاحم الأهم باعتباره قرينة على الخلاف.
الثانية: ما لو كان ولكن لم يُؤمر به؛ لوجود مانع، ككونه في مرحلة تدرجية نزول الأحكام مثلاً.
الثالثة: ما لو كان هناك أهم منه وقد أمر الشارع به، لكن المكلف عجز عن امتثاله خاصة، فإن إطلاق المهم لا شك أنه شامل لهذه الصورة أيضاً.
الرابعة: الصورة بحالها مع يأس المولى عن إطاعة العبد للأهم، إذ مع يأسه لا يمكنه أن يبعثه حقيقةً، إذ كما أن التحريك التكويني يستحيل مع استحالة التحرك تكويناً ، ويمكن إذا أمكن، ويقع إذا وقع ، فكذلك التحريك التشريعي ؛ فإن طَلَبَه منه حقيقةً إنما هو لكي يوجد الداعي فيه ليمتثل ، فإذا يأس من إيجاده للداعي فيه فلا يعقل أن يأمره ويبعثه إلا صورياً، وعلى أي فإطلاق المهم شامل لهذه الصورة من دون مشكلة.
الخامسة: صورة قصد العبد امتثال الأهم، ولا شك في عدم شمول إطلاق المهم لهذه الصورة، وهو مما يعترف به الطرفان إضافة إلى بداهته، إذ الأمر بالأهم يقتضي - لفرض أنه أهم- صرف القدرة إليه؛ فالأمر بالمهم مع علم المولى بعجز العبد عنهما طلب للمرجوح قطعاً لديه وتفويت للأهم،  أو تعريضه لتفويته؛ وهو مما لا يعقل من المولى الحكيم.
السادسة: صورة عصيان العبد للأهم [46]، وهذه هي الصورة المشكوك مشمول إطلاق الأمر بالمهم لها ، وهي مورد النقاش والنزاع ، والتي يرى الآخوند أن إمكان الترتّب مساوق لوقوعه ونرى العدم، فلا بد من إثبات الإطلاق لهذا الصورة أيضاً ؛ وهو ما قلنا من أن الإمكان غير مساوق للوقوع ، بل لا بد من إثبات الإطلاق، وقد سبق بيان ذلك بتعابير وأوجه مختلفة، ولكن الذي نضيفه هنا: أنه اتضح من وجود الحالات الست أن الأمر ليس دائراً بين رفع اليد عن أصل الإطلاق وبين القول بالشمول للصورة السادسة ؛ إذ ظهر وجود القسيم الثالث نظراً لاتضاح وجود مراتب عديدة أو حدود عديدة للإطلاق:
فمن جهةٍ: لا نرفع اليد عن أصل الدليل والإطلاق نظراً للالتزام بثبوته وشموله للصور الأربع.
ومن جهة أخرى: ما لا نلتزم- أي لنا أن لا نلتزم إلا أن يدل الدليل الإثباتي عليه- بشمول الإطلاق للصورة السادسة بعد مسلمية عدم شموله للخامسة.

المصباح: دوران الأمر بين رفع اليد عن أصل الدليل أو عن إطلاقه
فقد تبين بذلك عدم تمامية ما استدل به مصباح الأصول لتأييد كلام الميرزا والآخوند من مساوقة الإمكان للوقوع بقوله: (وتوضيحه مع كونه واضحاً، أنّ الأمر دائر بين رفع اليد عن إطلاق دليل المهم بالنسبة إلى صورة امتثال الأمر بالأهم [47]، ورفع اليد عن أصله، بلا فرق بين صورتي امتثال الأمر بالأهم وعصيانه [48]، وحيث إنّ رفع اليد عن إطلاقه كاف في رفع التنافي، فلا وجه لرفع اليد عن أصله، وتكون النتيجة أنّ الأمر بالمهم باق على حاله في صورة عصيان الأمر بالأهم، وهو كاف في الحكم بصحة المهم بلا حاجة إلى دليل آخر) [49].

المناقشة: هناك قسيم ثالث
إذ ظهر وجود قسيم ثالث وهو رفع اليد عن بعض حدود إطلاقه وهو الصورة السادسة وذلك بنفي التفريق بين الصورة الخامسة والسادسة [50].
والحاصل: أنه ليس رفع اليد عن الصورتين (الخامسة والسادسة) رفعاً لليد عن أصل الإطلاق بل عن بعض حدوده لبقاء الصور الأربع الأولى.
كما ظهر عدم صحة قول (فلا وجه لرفع اليد عن أصله)؛ إذ ظهر مما سبق في البحوث السابقة أن هناك وجهاً وجيهاً - بل وجوهاً - لرفع اليد عن الإطلاق للصورة السادسة [51] وكان من الوجوه: إخلال المزاحمة مع العصيان للأهم بملاك المهم بأكثر من وجه، وكان منها أيضاً اخلالها بكون المولى في مقام البيان من هذه الجهة.
هذا كله، إضافة إلى أن الصورة السادسة وقعت موقع أخذ ورد من حيث الإمكان والامتناع ، ثم على تقدير الإمكان - من حيث الوقوع وعدمه - فهناك وجه لدعوى عدم الإطلاق لها، فكان لا بد من الدليل ولو الأصل العام وهو ما ذكرنا من عدم مساوقة إمكان الترتّب لوقوعه، بل لا بد من دليل عليه [52].


----------------
[1] هذه الفائدة تحتوي على جملة من المطالب المهمة والمفيدة ؛ وهي متممة لمطالب ومباحث الفائدة التي سبقتها، بل أن  حال كل هذه الفوائد كذلك .
[2] أي وجود واحد ممتد في الأيام الثلاثة.
[3] وهو وجودي، فلاحظ بحثهما في الصوم.
[4] العدم بما هو هو. .
[5] كعدم الإنسان أو الشجر أو ما أشبه.
[6] أو فقل: عدمت.
[7] وهما : المقدمية، وعينية الترك.
[8] أي بما هو هو بدون ضميمة الإجابة عن الإشكالات  التي ترد نظير الإشكالات الثلاثة المتقدمة.
[9]  كون الواجب مصداقاً للحرام بوجهين، ووجوب الأمر الواحد بوجوبين متضادين.
[10] وإن كان الظاهر أن تصوره ملازم لتصديقه.
[11] الشيخ محمد علي الكاظمي الخراساني، فوائد الأصول، مؤسسة النشر الإسلامي – قم، ج1 ص336.
[12] إلا لو صُحِّح بملاكٍ ونحوه، وفيه مناقشاته كما هو مبين في محله.
[13] ولا معجز شرعياً عنه، أيضاً.
[14] أمر المهم.
[15]  مصباح الأصول: ج1 ق2 ص7.
[16] كفاية الأصول: ص168 وعنه: مصباح الأصول: ج1 ق1 ص584-585.
[17] ولعله يأتي أخذ وردّ حول ذلك وبسطُ كلامٍ.
[18] بل مطلقاً، كما يظهر بالتدبر.
[19] وقد تزيله أيضاً، لكنه يخرج حينئذٍ عن التزاحم.
[20] إذ إذا عرفوا مداخل القوم ومخارجهم وقوانينهم وعاداتهم وتقاليدهم وسبل توفير الحماية الحقوقية للمهاجرين وشبه ذلك، لدفعوا بذلك أخطاراً كثيرة عنهم أو كان بمقدورهم رفعها بعد حدوثها.
[21] إذ بتفويتها يموتون بأجمعهم، أما بتفويت التعلم فأنهم إذا هاجروا يتضررون بالجهل تضرراً كالسجن أو سائر المضايقات دون الموت.
[22] هذا الوجه حسب الميرزا (قدس سره).
[23] سورة آل عمران: آية 97.
[24] راجع الدرس (35) نقلاً عن مصباح الأصول: ج1 ق2 ص7.
[25] وهو ما ذكرنا من أن إمكانه غير مساوق لوقوعه.
[26] كما سيأتي.
[27] -لاعتكاف مثلاً .
[28] سورة الإسراء: آية 78.
[29] أو عدم عزمه على العصيان.
[30] كفاية الأصول: ص137.
[31] الدرس (36).
[32] من هذه الجهة .
[33] ، وأما عدم وجود قدر متيقن مطلقاً أو في مقام التخاطب فهو عائد للمقدمة الثانية، وعلى أي فانه خارج الآن عن مبحثنا.
[34] سورة الإسراء: آية 78.
[35] سورة الأنبياء: آية 22.
[36] وجود إلهين اثنين.
[37] وهو الاعتكاف في المثال.
[38] بمعنى الأمر بالمهم مترتباً على عصيان الأهم.
([39])  كفاية الأصول: ص137.
([40]) مصباح الأصول: ج1 ق2 ص5.
([41]) لأنه يجروُ العبد على ترك الأهم، كثيراً ما.. الخ.
([42]) كرفع اليد عن الأهم.
([43]) مصباح الأصول : ج1 ق2 ص7.
([44]) المصدر نفسه: ص8.
([45]) بل الصور الثلاث اللاحقة.
([46]) مع فرض بقاء المجال لإطاعته، إذ لو انتفى وعجز بالعصيان عن الإطاعة فلا يعود مزاحماً للمهم تكويناً ، وقد فصلنا الكلام عن هذه الصورة سابقاً واثبتنا انتفاءها كصورةٍ قسيمةٍ لصورةِ العجزِ، خلافاً للمشهور، إذ أوضحنا أن العصيان مساوق للعجز تكويناً.
([47]) وهي الصورة الخامسة بترتيبنا.
([48]) وهما الصورتان الخامسة والسادسة.
([49]) مصباح الأصول: ج1 ق2 ص8.
([50]) التي حصر البحث فيهما فدار الأمر بين رفع اليد عن أصل الإطلاق برفع اليد عن الصورتين (الخامسة والسادسة) ، أو الالتزام به والتفكيك بين الصورتين بالالتزام بشمول الإطلاق لأحداهما، مع أنه لا حصر بينهما لوجود الصور الأربع السابقة.
[51]) التي زعم أنها والخامسة الأصل حيث لم يلاحظ الصور الأربع الأولى.
[52]) بحث التزاحم : الدرس : 34، 35، 36، 37، 38، 39.

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : 12 محرم الحرام 1441هـ  ||  القرّاء : 213



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net