||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  


  





 176- ( المرابطه ) في ثغور شياطين التصور والتصديق

 46- قال الله تعالى (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت)1 وقال الإمام الحسين عليه السلام (وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي) (الإصلاح) من المستقلات العقلية (الإصلاح) الإجتماعي والحقوقي وفي (منظومة القيم)

 Reviewing Hermeneutic. Relativity of Truth, Knowledge & Texts 5

 25- (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه) ظاهرة التشكيك وأسبابها ونتائجها

 دراسة في كتاب "نسبية النصوص والمعرفة ... الممكن والممتنع" (2)

 246- مباحث الاصول: (الحجج والأمارات) (4)

 27- (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه)3 فلسفة التأويل في القرآن والحديث

 2- المحافظة على الصلوات

 223- مباحث الأصول: (القطع) (4)

 168- فائدة فقهية: الفرق بين المفتي وأهل الخبرة



 من ينهض بالمسلمين إلى الفضيلة والأخلاق؟

 لا لانتهاك الحقوق

 السلوك الانفتاحي والانقلاب على القيم

 أيام غيّرت وجه العالَم

 في ذكرى شهادة الحسين (ع): الحق والباطل ضدان لا يجتمعان



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 المرابطة في زمن الغيبة الكبرى (المقدمات ، المتقدمات ، المُمَهِّدَات ، المسؤوليات)

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

 204- مناشئ الانحراف والضلالة : الغرور والاستعلاء والجهل الشامل

 21- بحث اصولي: عن حجية قول اللغوي ومداها

 قسوة القلب

 205- مناشيء الانحراف والضلال : المؤامرات الدولية على الاديان والمذاهب وموقع مراكز الدراسات وبلورة الرؤى في المعادلة

 203- محاكمة اسلحة الفرق الضالة : الايحاء المغناطيسي والخدع العلمية ومغالطة الكبرى والصغرى



  • الأقسام : 73

  • المواضيع : 3242

  • التصفحات : 5880765

  • التاريخ : 9/12/2018 - 23:27

 
 
  • القسم : الفوائد والبحوث .

        • الموضوع : 304- الفوائد الأصولية (الحكومة (14)) .

304- الفوائد الأصولية (الحكومة (14))
11 ربيع الأول 1440هـ

الفوائد الأصولية (الحكومة (14))
جمع و اعداد الشيخ عطاء شاهين *

الفائدة الخامسة والعشرون: ومن خواص الحكومة : أن إجمال الحاكم يسري إلى العام المحكوم وإن كان منفصلاً؛ فلو شك في شمول (لا ربا بين الوالد وولده) للأعم من الأب والجد؛ فإجماله يسري إلى (حرم الربا) فلا يصح التمسك به لتحريم الربا بين الابن والجد ؛ بخلاف موارد الجمع فإنه يؤخذ بظهور الظاهر ويرفع اليد عن إجمال الأظهر في الجهة الزائدة ؛ ثم إن سراية ذلك الاجمال للحاكم إما يسري في الحكومة الفعلية دون الحكومة الاقتضائية؛ أو  يسري إذا ورد الحاكم قبل العام المحكوم دون ما ورد بعده ؛ أو  يسري في كلام المعصومين عليهم السلام دون غيرهم  ؛ أو  يسري إذا كان لسان الحكومة لسان الشرح دون غيره ؛ والرابع أقرب للصواب وإلا الثاني.

تفصيل الفائدة :
ثم إن مما قيل أن الحاكم يتميز به على موارد الجمع بالأظهرية ويعدّ من خواص الحكومة: إن الحاكم وإن كان منفصلاً فإن إجماله يسري إلى المحكوم، حُكماً، فلا يصح التمسك بالعام المحكوم في ما كان الحاكم مجملاً في شموله له وعدمه بنحو الشبهة المفهومية.
قال المحقق العراقي: (بل ومن الممكن دعوى سراية حكم إجماله إلى المحكوم أيضاً بحيث لو كان مدلول الحاكم مرددا بين الأقل والأكثر لا يبقى مجال الأخذ بمدلول [المحكوم] حتى بالنسبة إلى المقدار الذي يكون [الدليل] الحاكم مجملا فيه، بخلاف موارد الجمع فإنه يؤخذ بظهور الظاهر ويرفع اليد عن إجمال الأظهر في الجهة الزائدة، فالحاكم من تلك الجهة أيضا شبيه القرائن المتصلة، غاية الأمر إجمال القرائن المتصلة [سار] إلى ذيها حقيقة، بخلاف الحاكم، فإن ظهور المحكوم بعد بحاله، غاية الأمر يترتب حكم المجمل عليه، وذلك ظاهر)[1].
أقول: توضيح كلامه، والمناقشات والثمرة في ضمن الأمور التالية:

دليل المدعى
الأمر الأول : أن دليله على المدعى هو ما سبق من التقسيم الثلاثي في كلامه من أنه: تارة يتعدد الدال والمدلول، وأخرى يتحدان، وثالثة يتعدد الدال ويتحد المدلول؛ فالأول كالخاص المنفصل، والثاني كالقرينة المتصلة، والثالث كالحاكم ؛  (إذ بعد كون أحد الدليلين ناظرا إلى شرح غيره فلا يرى العرف تنافيهما حتى بحسب مدلوليهما، بل يرون الحاكم بمنزلة القرائن المتصلة الحاكية - مع ذيها - عن معنى واحد، غاية الأمر لا يقتضي الحاكم عند انفصاله قلب ظهور [المحكوم]، بخلاف القرائن المتصلة، فإنها موجبة لقلب الظهور أيضا)[2].
وبعبارة أخرى: أن الحاكم حيث كان شارحاً للمحكوم فإذا كان الشرح مجملاً صار المشروح مجملاً بالتبع.

الثمرة
الأمر الثاني : أن الثمرة في قبول ما ذكره المحقق العراقي وعدمه كبيرة جداً ؛ وتظهر بذكر بعض أهم مصاديق البحث؛ فإنه لا شك في حكومة الأدلة الثانوية[3] على الأدلة الأولية [4]؛ وحينئذٍ فلو أُجمل الحاكم- ودار أمره بين الأقل والأكثر - أُجمل[5] المحكوم فلم يمكن التمسك بالعام المحكوم لإثبات الحكم لغير الأقل المتيقن خروجه.
فلو شك في أن (لا ضرر) هل يشمل الضرر المتوسط بين القليل جداً وبين المتوسط منه، كما لو كان صومه موجباً لإصابته بالصداع أياماً [6] فحيث أُجمل لا ضرر -على الفرض – أُجمل (اتموا الصيام) حسب مبناه ؛ فلا يصح التمسك به لإثبات وجوب الصوم عليه، فيكون المرجع حينئذٍ سائر الأصول اللفظية -إن كانت - وإلا فالعملية كالبراءة عن وجوب الصوم.
وكذا لو شك في شمول (لا إكراه) للاكراه الاجوائي لتبطل المعاملة المكره عليها اجوائياً، مما فصلناه في بحث سابق.
وكذا لو شك في شمول (لا ربا بين الوالد وولده) للربا بين الولد والجد؛ للشك فرضاً في أن المراد بالوالد الأب أو الأعم منه ومن الجد؛ فإن إجماله يسري إلى (حرم الربا) فلا يصح – على مبنى العراقي - التمسك به لتحريم الربا بين الابن والجد.
وكذا لو شك في شمول (لا حرج) للاحرج الذي كان بسببه هو ، أي عن تقصير منه.
ولا فرق في منشأ الشك بين كونه اجمال اللفظ -كلفظ الحرج والوالد - مفهوماً فرضاً ودورانه بين الأقل والأكثر ، وكونه لإجماله عرضاً لمناسبات حكم وموضوع وغيرها أوجبت الخروج عن ظاهره من دون أن تصنع ظهوراً آخر مستقلاً.

النائيني: لو شك في وجود الحاكم فلا يصح التمسك بعموم العام
الأمر الثالث: أن الميرزا النائيني (قدس سره) ذهب – حسب المنقول عنه[7]– إلى الأكثر من كلام العراقي، فقال في مبحث حجية الظن في الفرق بين الخاص والحاكم بأن الخاص لو شك في وجوده[8] فإن المرجع هو العام ، أي أنه يجب التمسك به، وأما الحاكم فإنه لو شك في وجوده فلا يصح التمسك بالعام المحكوم[9] .

ويمكن تعليل كلامه بأحد وجوه:

الوجه الأول: تعليله بنفس ما علل به المحقق العراقي كلامه: من سريان الإجمال إلى المحكوم؛ فإنه وإن لم يعلم صدور الحاكم إلا أنه حيث إنه لو كان صادراً لكان مفسراً للمحكوم وشارحاً ومغيراً للمراد منه؛ فحيث احتمل صدوره احتمل وجود شارح مغيِّر لمعنى المحكوم؛ وحيث احتمل هذا احتمل كون العام من حين صدوره مراداً به غير ظاهره [10]؛ فلم يكن حجة في ما أبهم منه احتمالاً في مرحلة علته المحدثة لا المبقية فحسب، أي أنه كان منذ حين صدوره مراعىً معلقاً على عدم مجيء الحاكم، وحيث احتمل الحاكم لم يعلم إرادة الظاهر من العام (المحكوم فرضاً).

الوجه الثاني[11]: أن الحاكم المحتمل وجوده لا يمكن مع احتمال وجوده التمسك بالعام [12]؛(المحكوم احتمالاً)؛ نظراً لأنه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية؛ وذلك بدعوى أن موضوع العام مركب من المأخوذ في لسان الدليل ومن إحراز عدم الحاكم، ومع عدم إحراز الحاكم لا يعلم تحقق موضوع العام المركب لوضوح الفرق بين إحراز العدم وعدم الإحراز فيكون التمسك به من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. هذا.
ثم إن الظاهر أن المنقول عن الميرزا النايئني (قدس سره) من أنه فصّل بين الخاص والحاكم - بأن احتمال وجود الحاكم موجب لعدم صحة التمسك بعموم العام عكس احتمال وجود الخاص- غير صحيح، أما المنقول فهو: (ومنها : ما يظهر من بعض كلماته – المحقق النائيني - في بحث حجية الظن[13] من أنه اذا شكّ في التخصيص أمكن الرجوع إلى العام وذلك كما لو قال (اكرم العلماء) وشك في أنه هل قال: (لا تكرم العالم الفاسق) أو لا، ولكن إذا شك في الحكومة لم يمكن الرجوع إلى العام كما لو شك في أنه هل قال: (العالم الفاسق ليس بعالم) أم لا، وكأنّ مبنى ذلك أن التمسك بالعام في مورد الحكومة المشكوكة يكون من قبيل الشبهة المصداقية لنفس العامّ ولا يجوز التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية لنفسه اتفاقاً)[14].
لكن الرجوع إلى أجود التقريرات يفيد غير ذلك[15] ؛  فقد قال الميرزا النائيني : (إذا عرفت ذلك فأعلم أن المثبت لعدم جعل الحجية الواقعية إذا كانت مشكوكة لابد وأن يكون أمراً ناظراً إلى الواقع، وهو منحصر في الأدلة الخاصة الدالة على الغاء الشارع لبعض الأمارات وعدم اعطاء صفة الحجية له، وفي الأدلة العامة الدالة على عدم حجية الظن والأمارة الغير العلمية وفي استصحاب عدم الحجية ، (أما) الأدلة الخاصة فلا اشكال في جواز التمسك بها لذلك في مواردها كالأدلة الدالة على عدم حجية القياس في الأحكام الشرعية ، (أما الأدلة) العامة ففي جواز التمسك بها لإثبات عدم حجية أي امارة غير علمية شك في حجيتها اشكالٌ، وجه الاشكال: أن موضوع تلك الأدلة إنما هو الظنون التي لم يعتبر الشارع لها صفة الحجية والوسطية في الاثبات وأما هي فخارجة عن موضوعها على نحو الحكومة على ما سيجئ بيانه في محله إن شاء الله تعالى، فإذا شك في اعتبار الحجية لأمارة خاصة فيكون التمسك بها[16] لإثبات عدم حجيتها[17] تمسكا بالعموم في الشبهة المصداقية وهو غير جائز على ما أوضحناه سابقا)[18].
وتوضيح كلامه بما يفيد عدم تمامية نسبة التفصيل الآنف له: أن الموضوع في الأدلة الناهية عن إتباع الظن ليس هو الظن وحده بل هو – بنظره (قدس سره) - (الظنون التي لم يعتبر الشارع لها صفة الحجية والوسطية في الإثبات)[19]؛ فالموضوع بنظره مركب من (الظنون) و(التي لم يعتبر...) وعند الشك في وجود دليل حاكم- كما لو شككنا في أن الشهرة حجة أو لا- فإن التمسك بعموم مثل ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً﴾[20] لتحريم العمل بالشهرة أو لإثبات عدم حجيتها[21] لا يمكن؛ إذ الموضوع ليس (الظن) كما هو ظاهر الآية بل هو (الظن الذي لم يعتبر له الشارع صفة الحجية والوسطية في الإثبات) و(التي لم يعتبر....) بحاجة لإحراز، كما في القياس، أما الشهرة فغير محرزة الاعتبار لا أنها محرزة عدم الاعتبار[22] فمع الشك في حجيتها كيف يتمسك لعدم حجيتها بـ(إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي...) مع أنه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية؛ إذ لا يعلم أن الشهرة مصداق (الظنون التي لم يعتبرها الشارع حجة) ؛ إذ أن هذا هو موضوع الأدلة – بنظره – لا الظنون التي لم يعلم اعتبارها لتكون الشهرة مصداقاً لها، فهذا هو نظر ومبنى النائيني.
والمناقشة لو كانت فإنما تكون في عدم صحة دعواه من تركب موضوع الأدلة الناهية من (الظن) و(التي لم يعتبر...) ، أو أنها لو صحت لكان من الورود لا الحكومة مثلاً، لا أن الميرزا مفصّل بين الحكومة والتخصيص؛ وذلك لوضوح جريان كلامه في التخصيص أيضاً ؛ فإنه لو احتمل وجود مخصص دال على حجية الشهرة ولم نسلم أن اللسان لسان الحكومة[23] فإنه لا يمكن التمسك بعموم الأدلة الناهية عن العمل بالظن لنفي حجية الشهرة لتركب موضوعه كما قال من (الظن والتي لم يعتبر...) ؛ فالموضوع مركب من الظن وإحراز عدم الاعتبار ؛ والخاص غيرُ محرزٍ اعتبارُه لا أنه محرز العدم فيكون التمسك به تمسكاً بالعام في الشبهة المصداقية.
والحاصل: أن دعوى تركب موضوع العام تنتج عدم صحة التمسك به لإثبات عدم حجية ما احتمل وجود خاص دال على حجيته ؛ كعدم حجية ما احتمل وجود حاكم دال على حجيته.
نعم ، اختار المحقق النائيني (قدس سره)  أن أدلة الحجية للظنون الخاصة حاكمة (لأن لسانها لسان التنزيل ؛ إذ ( فَمَا أَدَّى إِلَيْكَ عَنِّي فَعَنِّي يُؤَدِّي ) [24] يفيد تنزيل قول الثقة منزلة العلم، أو لغير ذلك) ؛ ولكن هذا غير تفرقته بين الحكومة والتخصيص على ما استفاده منه سماحة السيد (دام ظله) في كتاب (لا ضرر ولا ضرار).
عوداً إلى كلام المحقق ،والتفصيلات الأربع ، والرأي المنصور
وأما دعوى المحقق العراقي سريان إجمال الحاكم وإن كان منفصلاً للعام المحكوم فنقول: إن التحقيق في إجمال سراية الحاكم المجمل المردد مفهوماً بين الأقل والأكثر إلى العام المحكوم، وعدمه، يسوق إلى إحدى التفصيلات الآتية:

التفصيل بين الحكومة الفعلية والاقتضائية
التفصيل الأول: قد يفصل بين الحكومة الفعلية والحكومة الاقتضائية بالقول بأن الإجمال يسري في الأولى دون الثانية.
والحكومة الفعلية: هي ما كان الحاكم شارحاً وناظراً للمحكوم المتحقق في أحد الأزمنة الثلاثة.
والاقتضائية: ما كانت الحكومة بنحو القضية اللويّة أي كان بحيث لو تحقق دليل متكفل بالحكم عموماً أو إطلاقاً لكان هذا شارحاً له وناظراً ومتكفلاً به.
وهذا التقسيم الثنائي هو حسب المحقق الاصفهاني في نهاية الدراية والذي يمكن – كما أشرنا - استثماره في المقام.
وللفعلية والاقتضائية معنى آخر ؛ وهو : أن الفعلي ما كان في الزمن الحاضر ؛ والاقتضائي ما كانت له شأنية الوجود في المستقبل أو الأعم، والفعلي بالمعنى الثاني أخص مطلقاً من المعنى الأول، والأول هو الذي جرى عليه العديد من الفلاسفة والمناطقة ، والثاني هو الأقرب للفهم العرفي من الكلمتين، وعلى أيّ فإنه لا مشاحة في الاصطلاح.

التفصيل بين مجيء الحاكم المجمل قبل المحكوم أو بعده
التفصيل الثاني: التفصيل بين مجيء الحاكم قبل العام المحكوم ووروده بعده ؛ فإن ورد قبله سرى إجماله إليه؛ إذ يكون العام حينئذٍ قد ورد مبنياً عليه فكان كالقرينة المتصلة لسبق مجيئه فإذا كان الحاكم مجملاً فحيث ورد العام مبنياً عليه كان مجملاً في حدود ما هو مجمل فيه وهو ما بين الأقل والأكثر ؛ وإن ورد بعده لم يسرِ إجماله إليه ؛ إذ الفرض أنه منفصل عنه فقد انعقدت الإرادة الاستعمالية للعام ثم إذا جاء الحاكم المجمل لاحقاً ثَلَمَهُ في إرادته الجدية بقدر ما هو مبين فيه[25]، (وهو الأقل) وأما في الأكثر فإنه لا يثلم العام في إرادته الاستعمالية لانفصاله عنه، ولا في إرادته الجدية لفرض إجماله فيها من جهة ولأن الإرادة الاستعمالية (في العام) هي مرآة للإرادة الجدية فإنه الأصل فيها؛ فانعقاد الاستعمالية وكونها مرآة للجدية لا مخرج عنها؛ إذ المخرج إنما هو الحاكم والفرض أنه مجمل في الأكثر من القدر المتيقن ؛ فهو غير دال على شيء معارِض.

التفصيل بين كلام المعصوم (عليه السلام) وغيره
التفصيل الثالث: وقد يفصل بين كلام المعصومين عليهم السلام وغيره بسريان الإجمال للعام من الحاكم مطلقاً في كلامهم دون كلام غيرهم مطلقاً أو بحسب أحد التفصيلين السابقين.
أما المعصومون عليهم السلام فلمسلّمية كونهم محيطين بكل ما قاله كل واحد منهم وبكل ما قاله وما سيقوله، فكلماتهم بأجمعهم ككلام الشخص الواحد في المجلس الواحد فلا يضر انفصال الحاكم إذ هو حكماً كالمتصل لاستحضار الإمام (عليه السلام) إياه حين إنشائه للحكم فيسري إجماله إليه.
ويلحق بذلك كل متكلم أحرز التفاتة حين إنشائه للحاكم إلى العام المحكوم الصادر منه سابقاً أو الذي سيصدر منه لاحقاً.
ويرد عليه: أن لازم ذلك تعميم الأمر إلى المخصص وغيره أيضاً فلم يكن ذلك إذاً فرقاً بينه وبين الحاكم، أي يلزم كون كافة المخصصات المنفصلة هي بحكم المتصلة في أنها تثلم الإرادة الاستعمالية أيضاً لا الجدية فقط، مع بداهة بطلان ذلك وعدم التزام أحد من الفقهاء به، وعلى أي فاما أن يثلم استحضارهم (عليهم السلام) لكل الأدلة والكلمات، الإرادة الاستعمالية فيها جميعاً من غير فرق بين الحاكم وغيره من مخصص وغيره، أو لا فيها جميعاً.
والحاصل: أن التفاتهم (عليهم السلام) لما قالوه من قبل وما سيقولونه يدفع احتمال الغفلة وإنشاء المتضاد من الأحكام والوقوع في تدافع الإرادتين الجِدِّيتين، لكنه أعم من كيفية استعمال ما استعملوه من الالفاظ وأنهم استعملوها في الموضوع له وانه انعقدت إرادتهم الاستعمالية أو لا بأن كانت معلقة مراعاة.

التفصيل بين ما كان شارحاً للفظ المحكوم وبين ما كان ناظراً لحكمهِ
التفصيل الرابع: التفصيل بين أنواع الحكومة بلحاظ لسانها، فما كان منها لسانه لسان الشرح للفظ المحكوم سرى إجماله إليه وما لم يكن كذلك بل كان متكفلاً بالحكم والمحتوى دون نظر للسان المحكوم ولفظه فلا يسري منه إليه.
والأول: كـ (لَيْسَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَ وَلَدِهِ رِبا... )[26] وسائر موارد الحكومة التنزيلية في الموضوع توسعةً أو تضييقاً لوضوح أنه عرفاً شرح للمراد من لفظ الربا في ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾[27] وأن ما هو بين الوالد والولد ليس بربا، وكذا (الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاة ) [28] فانه شرح للفظ الصلاة بالتوسعة شرعاً في اللفظ ودلالته بنفسها لا أنه (الطواف بالبيت أُنزّله منزلة الصلاة) إذ لا وجه للصيرورة إليه مع إمكان الأول وصحته.
والثاني: كـ: (لا ضرر) وسائر ما يتطرق لنفي المحمول من الأحكام الثانوية لوضوح أنه ليس شرحاً للفظ الصيام والحج في ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ﴾ [29] و﴿لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [30] إذ انه لا يفسر لفظ الصيام بوجه بل أنه يذكر حكم الضرر وانه مرفوع فيلزم منه (أو هو من مصاديقه) رفع حكم الصوم الضرري والحج الضرري.. وعلى هذا كيف يسري إجمال لا ضرر مفهوماً (فرضاً) إلى كتب عليكم الصيام؟
وهذا التفصيل الرابع هو الأقرب وإلا فالثاني، والله العالم[31].

الفائدة السادسة والعشرون: ومما تمتاز به الحكومة: أن الحاكم بالحكومة التنزيلية يعنوِن المحكوم من حين صدوره في الدلالة الاستعمالية فيكون ظهور المحكوم معلقاً ؛ ويصبح الحاكم كالشرط المتأخر لانعقاد ظهور المحكوم ؛ وأما المخصص المنفصل فهو وإن تقدم على العام لأنه أقوى لكنه لا يتصرف في الدلالة الاستعمالية له؛ إذ بالانفصال قد انعقد ظهوره واستقر.

تفصيل الفائدة:
وهناك ميزة أخرى للحكومة على سائر موارد الجمع العرفي –كالتخصيص -  وهي : أن الحاكم بالحكومة التنزيلية تضييقاً أو توسعةً يعنوِن المحكوم في ظرفه[32] في مرحلة إرادته الاستعمالية فيكون ظهور المحكوم بالنسبة إلى الحاكم تعليقياً ويكون الحاكم كالشرط المتأخر لانعقاد ظهور المحكوم؛ وبذلك يختلف الحاكم المنفصل عن المخصص المنفصل؛ بأنه في مرحلة الإرادة الجدية يتقدم على العام لأنه أقوى منه وأظهر في الدلالة على المراد الجدي لكنه لا يتصرف في الدلالة الاستعمالية له؛ إذ بالانفصال قد انعقد ظهوره واستقر.
وأما الحاكم تنزيلاً فإنه يتصرف في موضوع المحكوم بتنزيل بعض أصنافه كـ(الربا بين الوالد والولد) منزلة العدم؛ وحيث كان نظره وتصرفه لفظياً -لا بحكم العقل-  كان ظهور المحكوم بالقياس إلى كل حاكم مستقبلي محتمل مراعىً ؛ فهو كالمتصل من هذه الجهة.
وقد سبق عند نقل كلام المحقق العراقي عن سريان إجمال الحاكم المنفصل إلى المحكوم ما يوضح ذلك أكثر.

بحث مبنوي مقدمي: وجه دعوى التخصيص بالمخصص الأول زمناً ثم بالثاني
وتعميق ذلك ثم تقويته وتوضيحه أكثر في ضمن الإشارة إلى المبحث المبنوي المعروف في مبحث انقلاب النسبة في بعض الصور: فقد توهم البعض بأن مما يوجب انقلاب النسبة- حتى وإن كان الأصل عدمه- تعاقب صدور المخصصات زمناً ؛ فمثلاً إذا ورد عام في زمن الرسول (صلى الله عليه واله) ثم ورد خاص في زمن الإمام علي (عليه السلام)  ثم خاص آخر في زمن الإمام الباقر (عليه السلام)   فقد قيل بأن العام يُخصَّص بالمخصص الأول لفرض وجوده وعدم وجود غيره ، ثم إذا جاء الخاص الثاني المتأخر زمناً فقد ورد وحلّ على عام مخصَّص من قبل فتلاحظ نسبته معه بعد تخصيصه لا قبله ؛ إذ لا وجه لملاحظة نسبته للعام قبل تخصيصه بالمخصص الأول مع مفروغية كونه مخصصاً من قبل، عكس ما لو ورد الخاصان في زمن واحد فإنهما يكونان حينئذٍ قد وردا دفعةً على عام سالم قبل ذلك من المخصص فيخصصانه معاً دفعةً واحدة.
بعبارة أخرى: أن الخاص الأول عندما ورد ثَلَم الإرادة الجدية للعام فصار العام حجة في الباقي فقط ، فإذا جاء الخاص المتأخر جاء وحلّ على العام الحجة في الباقي فقط.
الجواب بوجهين
وقد أجاب القوم عن ذلك بوجهين:
كلامهم (عليهم السلام) ككلام الواحد في المجلس الواحد
الوجه الأول: ما سبق من أن المعصومين عليهم السلام  نور واحد ونَفْس وشجرة واحدة وأن كلام مجموعهم ككلام المتكلم الواحد في المجلس الواحد ، فالمخصص المنفصل والمخصصات المنفصلة المتدرجة زمناً والمتعاقبة بحكم الصادر في مجلس واحد، وقد سبق بيانه.
إنهم (عليهم السلام) مخبرون عما أجتمع في زمن الرسول ((صلى الله عليه واله ))
الوجه الثاني: أن الأئمة عليهم السلام  مخبرون وليسوا منشئين، فإنهم حيث أودع الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) الأحكام لديهم [33]، فهم يبينونها تدريجاً، فالأحكام كلها إذاً كانت مجتمعة لدى رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)  ثم تدرجوا في بيانها - لِحكَم مختلفة[34] - فهي مجتمعة ثبوتاً متفرقة إثباتاً.
ومنه يعلم أن الخاصين وإن تدرجا في البيان في زمن عدد من الأئمة عليهم السلام لكن ذلك مجرد إخبار منهم بعد أن كانت قد اجتمعت في الوجود والانشاء في زمن الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) ؛ ومن ذلك نعرف سرّ جريان سيرة العلماء وبنائهم على التعامل مع المخصِّصات المتعاقبة لعام واحد معاملة المخصِّصات المتصلة به من حيث ثلمها الإرادة الجدية في وقت واحد.
بل أن الأمر كذلك لدى العرف ؛ فلو أصدر المولى أمراً عاماً وخاصين في مجلس فأوصل كلّاً منها شخص إلى ولده في ثلاثة أزمنة فإنه لا يراعى زمن الوصول بل زمن الصدور كما هو واضح ، هذا توضيح ما ذكره القوم ببعض الإضافة[35].
هل المراد أن كلامهم (عليهم السلام) ككلام الواحد في مرحلة الإرادة الجدية أو الاستعمالية؟
وحينئذٍ نقول: هل المراد من أن الأحكام والأدلة المخبر عنها مجتمعة في الوجود في زمان الرسول (صلى الله عليه واله) وأن كلامهم عليهم السلام جميعاً ككلام الواحد في المجلس الواحد أنها كذلك في مرحلة الإرادة الاستعمالية أو الجدية؟
فإن أريد الأول – وليس – لزم أن لا ينعقد للعمومات التي انفصلت عنها مخصصاتها ظهور ؛ ولكنّ ذلك مناقض لمبناهم - من انعقاد الظهور واستقراره وأن الثلمة إنما هي في الجدية-  فلا يمكن الجمع بين هذين المبنيين.

ثمرة هذا المبحث في المقام: تميُّز الحاكم على المخصص
وإن أرادوا أن كلامهم (عليهم السلام) ككلام الواحد في مرحلة الإرادة الجدية، ظهر الفارق بين التخصيص والحكومة وتميزها عليه ؛ بأن الأمر كذلك في التخصيص ولكنه ليس كذلك في الحكومة التنزيلية؛ لما سبق من أنها تتصرف في لفظ المحكوم وأن ظهور العام مراعى بالنسبة للحاكم المتأخر وإن كان منجزاً بالنسبة للخاص المتأخر.

هل الحاكم التنزيلي يُعنوِن العام في ظرفه حدوثاً أو يعنونه بقاءً؟
ثم أن الحاكم التنزيلي قد يُعنوِن العام من ظرفه ومن حين انعقاد ظهوره[36] فلا تنعقد له إرادة استعمالية وظهور حتى حدوثاً لكونه مراعى حينئذٍ، أو يُعنوِنه من حين صدوره[37] بنحو العلة المبقية.
وتحقيق ذلك مبني على تحقيق حال العمومات الصادرة في الكتاب والسنة إذا كانت بنحو القضية الحقيقية وهل انها بوجودها السابق في ظرفها يُوجّه فيها الخطاب للمكلفين أو بوجودها المتجدد اعتبارياً نظير الحركة الجوهرية لكنه ليس بها إذ مع الإذعان ببطلانها يمكن القول بكون الاعتباريات مما يمكن فيها ذلك أو حتى القول بانه واقع[38]

الفائدة السابعة والعشرون:  وقيل إن الفرق بين  الحكومة والتخصيص : إن الحكومة لا تدع مجالاً للتخصيص ؛ إذ معنى التخصيص أن الموضوع موجود  وتخرج بعض أفراده منه بالتخصيص ؛ وحيث انتفى الموضوع بالحكومة  انتفي التخصيص تبعاً ؛ ونفول لو سلمنا به  فليس هذا هو الفارق الوحيد ، بل هناك فروق أخرى .

تفصيل الفائدة:
وهنا نذكر خاتمة مختصرة في بحث الحكومة ؛ فبعض الأعلام من الأصوليين أشاروا إلى أن الورود والحكومة مرجعهما إلى التخصص والتخصيص ؛ فليست الحكومة والورود إلا مزيد اصطلاح .
وتوضيح ذلك: أن الورود يعود إلى التخصص ؛ لأن الدليل الوارد يزيل موضوع الدليل المورود عليه حقيقة وإن كان بعناية التعبد ؛ فيكون نوعاً من التخصص ؛ لأنه خروج موضوعي ،  وأما الحكومة فمرجعها إلى التخصيص إما في عقد الوضع أو عقد الحمل .

جواب عن هذه الخاتمة وأنها غير تامة
والظاهر أن هذا الكلام غير تام ، وسوف نركز على الحكومة وفرقها عن التخصيص لبيان عدم تمامية هذا الكلام ؛ وهناك فروق أربعة بين الحكومة والتخصيص.

الفروق الأربعة بين الحكومة والتخصيص
الفرق الأول: قد ذكرنا أن الحكومة أربعة أنواع ، منها قسمان يضيقان وآخران يوسعان ؛ فلا يصح إطلاق القول : بأن الحكومة مرجعها إلى التخصيص ؛ إذ قد تفيد التعميم ، وتقدم تفصيل ذلك .
الفرق الثاني : لو كانت النسبة بين الدليلين هي العموم والخصوص من وجه  - كما في أدلة لا ضرر و لا حرج بالنسبة للصوم  ، فبعض الصوم حرجي وبعضه ليس بحرجي،  وبعض الحرج ليس بصوم وبعضه صوم  - فإن أدلة لا ضرر مقدمة لكونها حاكمة و شارحة و ناظرة .
أما في الخاص والعام فالمعادلة ليست من هذا القبيل ؛  بل يجب أن يكون الخاص أخص مطلقاً من العام ليتقدم عليه ،  أما في الخاص من وجه فمن هذه الجهة لا نستطيع أن نقول إنه مقدم على العام .
الفرق الثالث:  وهذا الفرق الوحيد الذي ذكره بعض الأعلام ، وهو : أن الحكومة لا تدع مجالاً للتخصيص ، و كذا الورود .
وتوضيحه : لو اجتمعت الحكومة والتخصيص في مورد ؛ فالحكومة لأنها سابقة رتبة على التخصيص فهي لا تدع مجالا له ؛ لأننا قلنا  -سابقاً - بأن الورود يفيد انتفاء الموضوع حقيقة وإن كان بعناية التعبد ، أما الحكومة فتفيد انتفاء الموضوع تعبداً ؛ فإذا انتفى الموضوع تعبداً فلا مجال للتخصيص؛ إذ معنى التخصيص أن الموضوع موجود ؛  فتخرج بعض أفراده منه بالتخصيص ، ولكن الحكومة نفت الموضوع تعبداً فلا موضوع للتخصيص[39]، وهذا الفرق فيه تأمل يأتي في محله .
ولكن إجمالاً نقول : إنه لم تلاحظ النسبة بين الطرفين في موضع واحد ، إنما حصل خلط في كلامه  ؛ فالحكومة في مورد وهو عقد الوضع ،  والتخصيص في مورد آخر وهو عقد الحمل  ؛ وكان ينبغي ملاحظة كليهما في عقد الحمل .
الفرق الرابع: وهو يتجلى في بحث انقلاب النسبة [40]؛ فلو كان هناك أدلة ثلاث  وكانت النسبة بين بعضها والبعض الآخر -مثلاً - العموم من وجه ،  وبين بعضها والبعض الآخر العموم والخصوص المطلق ، فهنا نسأل فما هو الحكم في هكذا حال ؟ فعلى رأي يجب أن نلاحظ الأدلة الثلاث في عرض واحد ، وعلى رأي آخر يجب أن نعالج إحدى الروايتين مع الأخرى ؛ ثم المحصل النهائي منهما يلاحظ وينسب للرواية أو الدليل الثالث ، والنتيجة تختلف كثيراً على المسلكين كما هو موضح في محله ،  وهذا مبحث  دقيق وكثير الفائدة و النفع في الكثير من أبواب الفقه.
فهذه فروق أربعة بين الحكومة والتخصيص،  فلا يقال : إن الحكومة والورود مجرد اصطلاح  .

الاستفادة من الفروق الأربعة
ثم إن الفرق بين الحكومة والتخصيص ينفع في عدة بحوث؛ منها  لو كان هناك دليل عام ودليل خاص ودليل آخر حاكم ولنفرض أن كليهما أخص مطلقاً ؛  فإذا لاحظنا هذا الدليل العام والدليل الحاكم الأخص مطلقاً والدليل الثالث الأخص مطلقاً غير الحاكم فماذا نصنع ؟ فهنا نتجاوز ذلك البحث السابق ونذهب إلى انقلاب النسبة؛ لأن الدليل الحاكم يفسر الدليل المحكوم ؛ وذلك لأن لسانه لسان الشارح  فهو والدليل المشروح كدليل واحد ، فنلاحظهما أولاً معاً ثم ننسب المحصلة النهائية إلى الدليل الخاص الآخر غير الحاكم لنصل للنتيجة ، ولعل النسبة بينهما - أي العام المحكوم و الخاص الثالث -  تنقلب إلى العموم و الخصوص من وجه [41].

بحث تطبيقي:
ما هي نسبة أدلة نفي العسر والحرج مع أدلة الاحتياط[42]؟
وجوابه: أن النسبة المصداقية هي العموم والخصوص من وجه ؛ لأنه قد يكون عسر وحرج ولا علم إجمالي، وقد يكون علم إجمالي ولا عسر ولا حرج ، وقد يجتمعان ، والكلام ليس في هذه الجهة ؛ إنما الكلام في أنهما إذا اجتمعا فأيهما يتقدم ؟  فهل تتقدم أدلة العسر والحرج ، أم أدلة الاحتياط؟  فيه خلاف بين الأعلام  ؛ وقد ارتأى الشيخ الأنصاري [43]: أن أدلة نفي العسر والحرج حاكمة على أدلة الاحتياط في أطراف الشبهة المحصورة [44] ؛  وذلك لأن أدلة نفي العسر والحرج تنفي وجود حكم واقعي عسري أو حرجي في مرحلة الثبوت ؛ وإذا كان كذلك فقد انتفى موضوع الاحتياط من باب السالبة بانتفاء الموضوع  ؛ إذ الشارع يقول : لا حكم لي في الواقع إذا كان هناك عسر وحرج ؛ وإذا كان دليل العسر والحرج يقول: لا واقع أصلاً فالاحتياط[45] لأجل ماذا؟
إذن أن أدلة نفي العسر والحرج متقدمة على أدلة وجوب الاحتياط بالحكومة أو الورود[46].

الفائدة الثامنة والعشرون: أن حكومة الأمارات على الأصول ليست مبنية على مبحث إمكان اجتماع الأمر والنهي؛ بل هما بحثان مختلفان؛ لأن دائرة مبحث اجتماع الأمر والنهي هو عدم وجود الأمارة ولا حكومة ههنا؛ وأما دائرة الحكومة فهي صورة وجود الأمارة فلا مجال دائرة اجتماع الأمر والنهي؛ بل أنه مع فرض وجود الدليل في مقابل الأصل العملي لا يجوز الأخذ بالأصل، بل أن مبحث اجتماع الأمر والنهي بناءً على الامتناع مندرج في باب التعارض، وأما بناءً على الإمكان فمندرج في باب التزاحم ؛ولا تزاحم ولا تعارض بين الأمارات والأصول؛ أما التزاحم فلعدم الملاك في الأصل ؛ بل لا تحقق للأصل مع وجود الأمارة؛ وأما التعارض فلعدم معارضة الأصل للأمارة ؛ إذ هي إما حاكمة أو واودة أو غير ذلك .

تفصيل الفائدة:
سبق أن البعض بنى مبحث حكومة الأمارات على الأصول وتعدد موضوعهما على مبحث إمكان أو امتناع اجتماع الأمر والنهي ؛ فإنه إن قلنا بالإمكان وكفاية تعدد الجهة - في تعلق الأمر والنهي بالشيء الواحد - تعدد موضوع الأمارة وموضوع الأصل لتعدد الجهة كما سبق بيانه[47].

المناقشات
ولكنه غير تام لوجوه:
لكل منهما مجال وموضع، فهما متباينان مورداً
الوجه الأول: أن مجالي المبحثين منفصلان متغايران تماماً وكل يسبح في فلك؛ فإن دائرة مبحث اجتماع الأمر والنهي ومجاله هو صورة[48] عدم وجود الأمارة، ولا حكومة ههنا؛ فإنه فإذا لم توجد أمارة - وفرض وجود حكم واقعي لم يصل إلينا - كان مجرى الأصول العملية من براءة واحتياط وغيرهما ؛ فقد اجتمع الأمر بالحكم الواقعي أو النهي عنه مع الإباحة أو الوجوب أو الحرمة المعاكسة - المستفادة من الاستصحاب أو من أصل الاحتياط أو البراءة-  لكنه ليس من دائرة الحكومة ؛ إذ الفرض عدم وجود الامارة فكيف تكون حاكمة؟
وأما دائرة الحكومة فهي صورة وجود الأمارة، وهذا ليس من مجال دائرة اجتماع الأمر والنهي؛ لوضوح أنه مع وجود الأمارة لا يوجد موضوع الأصل حقيقة على الورود أو تنزيلاً على الحكومة ؛ فلا وجود للأصل مع وجود الأمارة كي يكون ذلك صغرى كبرى اجتماع الأمر والنهي.
والحاصل: أنه كلما كانت حكومة لم يكن من مصاديق اجتماع الأمر والنهي؛ إذ الحكومة تخصيص في الواقع بلسان الحكومة والشرح أو المسالمة أو غير ذلك على الأقوال، وليس الأخص مطلقاً من دائرة اجتماع الأمر والنهي بل هو خارج عن دائرة العام بحسب الإرادة الاستعمالية إن كان متصلاً وبحسب الإرادة الجدية إن كان منفصلاً، فهو مشمول للخاص فقط[49].

حتى مع تجويز الاجتماع لا نقول بالأخذ بالأمارة والأصل معاً
الوجه الثاني: ما ذكره المحقق اليزدي بقوله: (ثم إنه قد استفيد ممّا ذكره في الإيراد أنه لو قلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي مع تعدد الجهة لا مانع من العمل بهما وأنّه يتعدد الموضوع حينئذٍ، وكذا لو قلنا باختلاف الأحكام بالعلم والجهل، وأنت خبير بأنه لا ربط لمسألة جواز الاجتماع ولا لمسألة التصويب والتخطئة بالمقام، إذ مع فرض تجويز الاجتماع لا نقول بالأخذ بالأصل والدليل معاً، وكذا على القول بالتصويب؛ إذ مع فرض وجود الدليل في مقابل الأصل العملي لا يجوز الأخذ بالأصل، وإن قلنا بتغيُّر الأحكام بالعلم والجهل فهذا أيضاً إنما يناسب المقام الآخر[50]، وهذا واضح جداً)[51].
أقول: كلامه وإن صح إلا أنه متأخر رتبة عن الإشكال الأول.
لا يقال: إنه قال (فإنه لا ربط...)؟
إذ يقال: لو اقتصر على ذلك لأمكن حمله على الإشكال الأول لكنه علله بـ(إذ مع فرض...) وهو نقل للكلام إلى عالم الوقوع والإشكال الأول سابق عليه رتبة؛ إذ هو عن أنهما [52] لا يجتمعان وهما متباينان مورداً، لا عن أننا لا نقول بالأخذ بهما معاً المبني على فرض اجتماعهما وكون موردهما واحداً غاية الأمر نأخذ بأحدهما لتقدمه على الآخر ، فتدبر.

مبحث اجتماع الأمر والنهي إما مندرج في باب التعارض أو في باب التزاحم
الوجه الثالث: أن مبحث اجتماع الأمر والنهي بناءً على الامتناع مندرج في باب التعارض، وأما بناءً على الإمكان فمندرج في باب التزاحم، على ما التزمه بعض الأعلام[53]. فإنه إن قلنا بامتناع الاجتماع كشف عن أن أحد الكلامين غير صادر منه ؛ إذ لا يعقل أن يأمر وينهى عن الشيء الواحد مادام ممتنعاً ؛ أذن فأحد الخبرين كاذب والمرجع حينئذٍ مرجحات باب التعارض.
وإن قلنا بالإمكان فإن ذلك لا يكون إلا لوجود ملاك لكل منهما[54]؛  فحيث وصلنا أمر ونهي كشف عن وجود ملاكين متضادين[55]؛ وحيث كان العجز في مقام الامتثال ولم تكن مشكلة في عالم الجعل كان من التزاحم؛ والمرجع حينئذٍ مرجحات باب التزاحم.
أما الأمارات والأصول فلا تعارض ولا تزاحم بينهما
وحينئذٍ نقول: لا تزاحم ولا تعارض بين الأمارات والأصول:
أما التزاحم : فلأنه لا ملاك في الأصل ؛ إذ مؤداه حكم ظاهري لدى الجهل؛ بل لأنه لا تحقق له مع وجود الامارة؛ إذ لا موضوع له كما سبق.
وأما التعارض: فلأنه لا يعارض الأصل الأمارة كما هو بديهي ؛ لحكومتها عليه أو ورودها أو كونها أخص مطلقاً على الأقوال، وعلى أي فلا تعارض.
نعم ، على الأخير[56] التعارض بدوي لكنه غير مستقر.

اجتماع الأمر والنهي من صغريات باب التزاحم
والتحقيق: أن مبحث اجتماع الأمر والنهي – ثبوتاً - هو من صغريات باب التزاحم ؛ فإنه إنما يكون[57] لو كان لكليهما ملاك ؛ أما لو لم يكن لأحدهما ملاك فيكون التكاذب في مرحلة الجعل دون الامتثال؛ فلا يكون أحدهما صادراً فلم يجتمع الأمر والنهي للسالبة بانتفاء الموضوع لا لامتناع البعث الفعلي والزجر الفعلي نحو الشيء الواحد وجوداً وإن تعدد جهةً وعنواناً ؛ ولذا لم يجروا مبحث الاجتماع في العام والخاص؛ لأنه من باب التعارض البدوي أو فقل من مستثنيات باب التعارض؛  وما ذلك إلا لوجود ملاك واحد فقط، ولو فرض وجود ملاك مفسدة في الخاص مضاداً لملاك المصلحة في العام لدخل في باب التزاحم وكان المرجع مرجحاته لا تقديم الخاص على العام؛ بل قد يقدم العام حينئذٍ لاقوائية ملاكه على العام، فتدبر جيداً ، وتأمل[58].
وبعبارة أخرى: إذا قلنا بامتناع اجتماع الأمر والنهي وأحرزنا عدم الملاك فهو من باب التعارض، كما أنه إذا قلنا بإمكانهما وأحرزنا عدم الملاك فهو من باب التعارض كذلك.
ومن جهة أخرى: إذا قلنا بالامتناع وأحرزنا فيهما الملاك فإن تساوى الملاكان كان مقتضى القاعدة التخيير وإلا فالترتب بناء على إمكانه وعلى أي فهو ليس من باب التعارض؛ إذن فقد دار الأمر  مدار وجود الملاكين وعدمه لا الامتناع وعدمه ،فتأمل وتدبر[59].


----------

* هذه المباحث الاصولية تجميع لما طرحه سماحة السيد في مختلف كتبه وبحوثه، قام باعدادها وجمعها و ترتيبها مشكوراً فضيلة الشيخ عطاء شاهين وفقه الله تعالى
[1]  مقالات الأصول: ج2 ص457-458.
[2]  مقالات الأصول : ج2 ص456.
[3]  كلا ضرر ولا حرج وما استكرهوا عليه.
[4]  كأدلة الصيام والحج وغيرها.
[5]  حسب رأي المحقق العراقي.
[6]  فإنه لو أوجب العمى مثلاً كان مشمولاً للاضرر قطعاً ، ولو أوجب الصداع لدقائق كان غير مشمولاً للاضرر قطعاً.
[7]  قاعدة لا ضرر ولا ضرار ص255-256.
[8]  نظراً لضياع قسم من الروايات ، أو لغير ذلك.
[9]  أي الذي لو كان هذا الحاكم صادراً لكان محكوماً.
[10]  من عموم وغيره
[11]  من توجيه كلام المحقق النائيني (قدس سره).
[12]  المحكوم احتمالاً.
[13]  أجود التقريرات ج2 ص77  حسب هامش كتاب قاعدة لا ضرر .
[14]  قاعدة لا ضرر ولا ضرار: ج1 ص255-256.
[15]  إن كان المستند هو هذا الكلام المذكور في بحث الظن.,
[16]  أي الأدلة العامة.
[17]  الامارة الخاصة كالشهرة مثلاً.
[18]  أجود التقريرات: ج2 ص86-87.
[19]  وهذا حسب نص كلام الميرزا.
[20]  سورة يونس: آية 36.
[21]  والأخير هو مورد البحث.
[22]  أي لا نستطيع أن نصفها بـ التي لم يعتبر...  بل نصفها فقط بـ التي لم يعلم اعتبار الشارع لها .
[23]  كما لو احتمل وجود مخصص غير لفظي على مبنى اختصاص الحكومة باللفظي، أو لغير ذلك.
[24]  الكافي : ج1 ص330.
[25]  وهو الأقل .
[26]  الكافي : ج5 ص147.
[27]  سورة البقرة: آية 275.
[28]  عوالي اللئالي : ج1 ص214.
[29]  سورة البقرة: آية 183.
[30]  سورة آل عمران: آية 97.
[31]  مباحث التعارض: الدرس: 154، 155، 156.
[32]  أو من حين صدوره، كما سيأتي بإذن الله تعالى.
[33]  وذلك إما عبر الصحيفة والمصحف والجامعة والجفر أو عبر النقل باللعاب أو غيره كما ورد في بعض الروايات  ، وربما يعود ذلك إلى نقل كيماوي للمعلومات عبر للسان بطريقة متطورة برمج الله تعالى بها أبدانهم  عليهم السلام  أو عبر عمود النور أو غير ذلك.
[34]  وقد ذكرنا بعضها في  فقه المعاريض والتورية .
[35]  وستأتي مناقشة لذلك بإذن الله تعالى.
[36]  أي العام.
[37]  أي الحاكم.
[38]  وسيأتي بحث ذلك والاستدلال عليه والأخذ والرد فيه.
[39]  انظر : دراسات في علم الأصول : ج4 ص 245 .
[40]  انظر : فرائد الأصول : ج 4 ص 102، حيث إن الشيخ الأعظم (قدس سره)  هو من ذهب إلى هذه النظرية ، وتبعه جمع من الأعلام  كالميرزا  النائيني (قدس سره) غيره ، في حين ذهب جمع آخر كصاحب الكفاية والمحقق العراقي  إلى عدم تمام هذه النظرية  بل عها بعضهم من الأوهام ؛ وأبرز الاعتراضات على هذه النظرية : أن برهان الترجيح بلا مرجح مانع عن الأخذ بأحد الطرفين تعيناً ؛ كما عن المحقق العراقي (قدس سره) في المقالات : ج2 ص 483 ، وأن المبني المذكور خلاف مبنى العرف ؛ كما عن السيد الحكيم  (قدس سره) في حقائق الأصول : ج 2ص 582 .
[41]  الاجتهاد والتفليد: ص 396.
[42]  و مقصودنا من الاحتياط هنا هو الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي ([42]) وكان ذلك مستلزماً للعسر والحرج.
[43]  انظر: كتاب الطهارة : ج2 167 ، وكتاب المكاسب : ج2 ص 175 ، وفرائد الأصول : ج1 ص 410 ، وهذا وقد تبعه  السيد الخوئي (قدس سره) في ذلك ، فقال في مصباح الأصول  : ج2 ص 230 :   والصحيح ما ذكره الشيخ  من حكومة قاعدة نفي الحرج على قاعدة الاحتياط  .
[44]  بل قد يقال : بورودها .
[45]  إذ الاحتياط هو التحفظ على الواقع والوصول إليه بإتيان كل الأطراف، أو تجنب كل الأطراف .
[46]  الاجتهاد والتقليد: ص 194.
[47] من أن موضوع الأمارة الشيء بما هو هو ، وموضوع الأصل الشيء بما هو مجهول الحكم أو مشكوكه.
[48] أي بعض صورها.
[49] إلا على ادخالهما في باب التزاحم كما بيناه في موضع آخر، وهو خروج عن مورد البحث.
[50] يقصد مقام اجتماع الحكم الظاهري مع الواقعي، وهو خاص بصورة عدم وجود الأمارة، أما المقام فهو حكومة الأمارات على الأصول (وواضح أنه في صورة وجودها).
[51] كتاب التعارض : ص70-71.
[52] اجتماع الأمر والنهي والحكومة.
[53] مصباح الأصول: ج1 ق2 ص168.                   
[54] كملاك المبغوضية في الغصب وملاك المحبوبية في الصلاة.
[55] في مادة الاجتماع في العامين من وجه مثلاً.
[56] كونها أخص.
[57] أي يمكن بدواً بأن يكون المقتضي لكل من الأمر والنهي موجوداً. فتدبر
[58] إذ على الامتناع لا مناص إلا من دخوله في باب التعارض ، فتأمل ؛ إذ هذا في عالم الإثبات والبحث كان عن عالم الثبوت، فتأمل، وتفصيله في ذلك الباب.
[59] مباحث التعارض: الدرس 148.

 

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : 11 ربيع الأول 1440هـ  ||  القرّاء : 105



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net