||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  


  





 252- الرحمة النبوية على المستوى الشخصي والمولوي والتقنيني وموقع اللين والرحمة في صناعة الاطار العام لعملية الاستنباط و في القيادة

 261- مباحث الاصول: بحث الحجج (حجية الشهرة) (3)

 159- مفردات ومصاديق مبادئ الاستنباط (6): علم التاريخ

 272- مباحث الأصول: (الموضوعات المستنبطة) (2)

 102- فائدة فقهية: انحاء وصور التبعيض في التقليد

 97- (المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) مؤسسات المجتمع المدني في منظومة الفكر الإسلامي-10 موقع (الطفل) ومسؤوليته -موقع (القطاع الخاص) في مؤسسات المجتمع المدني

 41- (وكونوا مع الصادقين)6 لماذا لم يذكر إسم الإمام علي وسائر الأئمة الطاهرين عليهم السلام في القرآن الكريم؟ -الجواب الرابع عشر إلى السادس عشر-

 121- فائدة فقهية: صور المعاملة المحاباتية ونسبتها مع الرشوة

 35- (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا) محورية الإنسان في التشريعات الإلهية

 269- ( لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ )7 مخاطر انهيار البنيان المعرفي ودعائم الشك الاربعة في كلام الامام علي بن ابي طالب عليه السلام



 لا لانتهاك الحقوق

 السلوك الانفتاحي والانقلاب على القيم

 أيام غيّرت وجه العالَم

 الإسلام والاستبداد نقيضان لا يلتقيان

 في ذكرى شهادة الحسين (ع): الحق والباطل ضدان لا يجتمعان



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية

 المرابطة في زمن الغيبة الكبرى (المقدمات ، المتقدمات ، المُمَهِّدَات ، المسؤوليات)

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

 204- مناشئ الانحراف والضلالة : الغرور والاستعلاء والجهل الشامل

 21- بحث اصولي: عن حجية قول اللغوي ومداها

 قسوة القلب

 205- مناشيء الانحراف والضلال : المؤامرات الدولية على الاديان والمذاهب وموقع مراكز الدراسات وبلورة الرؤى في المعادلة

 203- محاكمة اسلحة الفرق الضالة : الايحاء المغناطيسي والخدع العلمية ومغالطة الكبرى والصغرى



  • الأقسام : 73

  • المواضيع : 3207

  • التصفحات : 5706858

  • التاريخ : 18/11/2018 - 11:59

 
 
  • القسم : دروس في مبادئ الاستنباط .

        • الموضوع : الدرس الحادي عشر .

الدرس الحادي عشر
الاربعاء 23 محرم الحرام 1440 هـ



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

مقوِّمات الاستنباط ومبادئه وشروطه

 

سرّ عمل فقهائنا بالاجتهاد والقياس، التعارضُ والتقية والمستجدات(!)

وقد اشكل بعضهم على علمائنا بقوله: (ورغم ذلك، ولوجود مشكلات قديمة في الفقه الإمامي، ترجع للتعارض الشديد بين الأخبار، وإمكان ورود التقية على كلام المعصومين، ووجود حوادث ومستجدات في وقت غيبة الإمام، ظهرت أفكار تدعو إلى الرأي والاجتهاد في فقهاء الشيعة المتقدمين) ثم أضاف بان ذلك دعاهم أيضاً إلى القول بالقياس، فكأنهم قد نسوا في الفقه ما أسسوه في الأصول أو لأنهم وإن اعتقدوا بحرمة القياس حسب رواياتهم لكنهم اضطروا إليه فوصلوا إليه اضطراراً وقد وصل أهل السنة إليه اختياراً.

أقول: ولا يخفى ما في استدلاله من الخلط والمغالطة إذ انه يستدل بالعلل الثلاث على ذهاب بعض فقهائنا بعد زمن الغيبة الصغرى إلى العمل بالاجتهاد والقياس، ويرد عليه:

 

الأجوبة: 1- المرجعيات لدى التعارض حدّدها الأئمة عليهم السلام

أولاً: ان التعارض بين الأخبار كان حاصلاً في زمن الأئمة عليهم السلام وقد وضعوا عليهم السلام مرجعيات محددة لحلّ التعارض كما جاء في مقبولة عمر بن حنظلة([1]) ومرفوعة زرارة([2]) كالترجيح بالأخذ بقول الأفقه والأعدل أو الأصدق والأورع، والترجيح بالشهرة أو بموافقة الكتاب ومخالفة العامة وشبه ذلك ثم إذا فقدت المرجحات فالمرجح بصريح المرفوعة التخيير وبصريح المقبولة التوقف، وعليه: فلم تكن مشكلة غير محلولة حتى يضطر الفقهاء بعد مأتي سنة أو أكثر من زمان الصادقين([3]) لفتح باب الاجتهاد وللقول بالقياس. هذا.

إضافة إلى ان التعارض بين أخبار العامة أكثر من التعارض بين أخبار الخاصة وباطلات رواياتهم حتى عندهم أكثر من باطلات رواياتنا جداً، ومع ذلك لم يفتحوا باب الاجتهاد! فليس تعارضها سبباً لفتحه، ولو كان فتحه حسناً حينئذٍ لكان ما فعله الشيعة حسناً دون ما فعلوه!

 

2- الأئمة عليهم السلام فتحوا باب الاجتهاد وأغلقوا باب القياس

ثانياً: ان الأئمة بأنفسهم فتحوا باب الاجتهاد كما أغلقوا باب القياس، اما إغلاقهم باب القياس فبروايات متواترة وقد سبق بعضها، واما فتحهم باب الاجتهاد فبروايات كثيرة كقوله عليه السلام: ((عَلَيْنَا إِلْقَاءُ الْأُصُولِ وَعَلَيْكُمُ التَّفْرِيعُ))([4]) وقوله عليه السلام عندما سأل عن حكم الوضوء أو التيمم لمن قطعت ظفره فوضع عليها مرارة ((قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَثَرْتُ فَانْقَطَعَ ظُفُرِي فَجَعَلْتُ عَلَى إِصْبَعِي مَرَارَةً فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِالْوُضُوءِ قَالَ يُعْرَفُ هَذَا وَأَشْبَاهُهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)([5]) امْسَحْ عَلَيْهِ))([6])

فلاحظ قوله (وأشباهه) حيث أعطى عليه السلام ضابطاً مرجعياً لاستخراج الفروع من الكتاب العزيز وقواعده العامة كقاعدة (لا حرج).

 

3- والفقهاء اقتدوا، والشاذ لا يقدح

ثالثاً: وقد فتح فقهاونا باب الاجتهاد كما سبق تبعاً للائمة عليهم السلام بل للقرآن الكريم من قبل إذ يقول (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ)([7]) و(فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)([8]) وظاهر التفقه في الدين معرفته عن فهم لا مجرد حفظ الحديث، ومن لا يعرف وجه الجمع بين العام والخاص والحاكم والمحكوم والمتعارضين.. الخ فليس متفقهاً بل مجرد راوٍ.

كما ان فقهاؤنا أغلقوا باب القياس تبعاً للأئمة عليهم السلام، ولا يقدح مخالفة الشاذ النادر جداً، وهل يستشكل على طائفة بها الألوف من العلماء بمخالفة واحد أو اثنين منهم([9]) (تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى)([10]).

 

4- والتقيد محددة الموارد

رابعاً: ان التقية وإن كانت في زمنهم عليهم السلام إلا ان مواردها قد حددها نفس الإمام عليه السلام أو ثقات أصحابه أو الأئمة اللاحقون فلاحظ مثلاً قولهم للراوي (( أَعْطَاكَ مِنْ جِرَابِ النُّورَةِ)) أي انه اتقّى منك ((قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام رَجُلٌ مَاتَ وَلَهُ عِنْدِي مَالٌ وَلَهُ ابْنَةٌ وَلَهُ مَوَالِي فَقَالَ لِيَ‏ اذْهَبْ فَأَعْطِ الْبِنْتَ النِّصْفَ وَأَمْسِكْ عَنِ الْبَاقِي فَلَمَّا جِئْتُ أَخْبَرْتُ بِذَلِكَ أَصْحَابَنَا فَقَالُوا أَعْطَاكَ مِنْ جِرَابِ النُّورَةِ قَالَ فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ إِنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا أَعْطَاكَ مِنْ جِرَابِ النُّورَةِ قَالَ فَقَالَ مَا أَعْطَيْتُكَ مِنْ جِرَابِ النُّورَةِ عَلِمَ بِهَذَا أَحَدٌ قُلْتُ لَا قَالَ فَاذْهَبْ فَأَعْطِ الْبِنْتَ الْبَاقِيَ))([11]) ويحتمل في (ما) في قوله ((مَا أَعْطَيْتُكَ مِنْ جِرَابِ النُّورَةِ)) كونها موصولة أي نعم الذي أعطيتك كان من جراب النورة، ويحتمل كونها نافية ليشدّد الإمام عليه بالكتمان إضافة إلى انها من الأمور الحسية غير المحتاجة للاجتهاد إذ ما طابق رأي علماء السلطة والسلطات، فهو تقية مع معارضته بمثله، وما لا فلا، وهذا غير الاجتهاد الحدسي كما لا يخفى.

ولذا يندر جداً ان تجد رواية يجهل فقهاؤنا انها وردت تقية أم لا، وعليه: فانه لم يكن وجود روايات التقية هو الحافز على فتح باب الاجتهاد، على انه لو كان لما كان مضراً بل كان حسناً، ثم انه لم يقل أحد بان التقية سبب لفتح باب القياس فتدبر في الفرق بينهما تعرف؛ ولذلك ترى الألوف من المسائل في فقهنا وهي معلومةً الحكم: إما بعناوينها الأولية أو بعناوينها الثانوية (كالاضطرار والإكراه الواردين في الكتاب الحكيم أيضاً) اما بأدلتها الاجتهادية أو بأصولها العملية.

وقال بعض المتتبعين انه لا توجد في شرائع الإسلام الذي يحتوي على ألوف المسائل في كل أبواب الفقه إلا أربع أحكام مبنية على التقية مع وضوح ان الحكم بها تقية فتدبر

 

5- والكلام عن الأحكام لا الموضوعات

خامساً: ان الحوادث والمستجدات هي (الموضوعات العامة أو الخاصة) والمرجع فيها المكلف نفسه أو الفقيه وذلك أجنبي عن البحث؛ إذ البحث عن فتح باب الاجتهاد في الأحكام وعن القياس فيها، لا عن الاجتهاد في الموضوعات..

والحكم في الموضوعات ان كانت موضوعات صِرفة، ككون هذا خمراً أو ماء، فالمرجع فيها المكلف نفسه، وإن كانت من المستنبطة اللغوية، كالصعيد والكعب، فالمرجع فيها أهل الخبرة من اللغويين، وإن كانت مستنبطة عرفية، كالغناء وشبهه، فالمرجع العرف العام، وإن كانت مستنبطة شرعية، كالصلاة والصوم، فالمرجع الشرع لأنه الجاعل لها([12])، واما الموضوعات والشؤون العامة فالمرجع فيها الفقيه أو شورى الفقهاء([13]) استناداً إلى ان النصب في زمن الغيبة الكبرى عام وليس خاصاً بل هو بادلة عامة كـ((مَجَارِيَ الْأُمُورِ وَالْأَحْكَامِ عَلَى أَيْدِي الْعُلَمَاءِ بِاللَّهِ الْإِمْنَاءِ عَلَى حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ))([14]) والأمور هي الموضوعات والأحكام واضحة وكـ((وَأَمَّا الْحَوَادِثُ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ وَأَنَا حُجَّةُ اللَّهِ‏))([15]) فان أمثال هذين الحديثين إن قُيل بدلالتها على ولاية الفقيه فإنما تدل على عموم الولاية لكل جامع للشرائط لا لأحدهم فقط فانه خلاف النصب العام، وترجيحٌ من غير مرجح، وما زعم من المرجحات مردود فراجع تفصيله إن شئت في كتاب (شورى الفقهاء والقيادات الإسلامية).

 

إتهام علمائنا بشيوع القياس بينهم

كما أشكل بعضهم بـ(وهذا لا ينفي أن الأصوليين منهم يستعملون القياس بشكل خفي، لكن هذا الاستعمال لم يكن يوما بالتصريح أن هذا الذي يستخدمونه هو بعينه القياس الذي يقول به أهل السنة، بل يسمونه الدليل العقلي .

ولعله لذلك شاع رمي بعض الفقهاء الإمامية لبعضهم بتهمة استعمال القياس، فهذا الخوئي يوجه اتهاما إلى الشيخ مرتضى الأنصاري أنه وقع في القياس دونما يشعر، وذلك في مسألة التشبيب بالأجنبية فيقول : " استدل المصنف على حرمة التشبيب بالأجنبية بفحوى أمور مكروهة : منها ما ورد في كراهة الجلوس في مجلس المرأة حتى يبرد المكان، ومنها ما ورد في رجحان تستر المرأة عن نساء أهل الذمة، ومنها ما ورد في التستر عن الصبي المميز، إلى غير ذلك من الموارد التى نهى الشارع عنها تنزيها، لكونها موجبة لتهيج الشهوة فتدل بالفحوى على حرمة التشبيب لكونه أقوى في إثارة الشهوة . ولكنا لا نعرف وجها صحيحا لهذا الاستدلال، إذ لا معنى لإثبات الحرمة لموضوع لثبوت الكراهة لموضوع آخر، حيث بناء الأمر على العمل بالقياس ") و(ويرى حسين بن شهاب الكركي العاملي أنه : " وقع للمتأخرين غفلات وأغاليط، لو ذكرناها لطال الكلام، حتى أنهم ربما عملوا بالقياس والاستحسان والرأي، من حيث لا يشعرون، وربما طرحوا الأخبار الصحيحة عندهم، أو ترددوا في العمل بها كذلك،... إن أكثر الإلحاقات التي ذكرها المتأخرون داخلة في القياس، نحو ما روي أن الأرض تطهر أسفل النعل والقدم، فألحقوا به خشبة الأقطع وأسفل العصا وسكة الحرث ونحوها، ... "، وقد ذكر أمثلة كثيرة على هذه المسائل التي تدخل في القياس من حيث لا يشعرون).

أقول: يرد عليه:

 

الجواب: المرجع الكتاب والسنة، والفقيه ليس بمعصوم

أولاً: ان المرجع في الصحة والبطلان والوجوب والحرمة هو الشارع كما هو بديهي، كما انه المرجع في الحجج بمعنى انه لو ثبت انه اعتبر شيئاً، كخبر الثقة، حجة تأسيساً أو إمضاءً، أو ألغى حجية أمر كان العرف أو بعضهم يراه حجة، كالقياس والاستحسان على فرض ان العرف كان يراهما حجة، فان الواجب إتباعه إذ (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)([16])، والفقيه غير مستثنى من ذلك إذ عليه إتباع الشارع وإلا لكان مخطئاً إن كان غافلاً أو عاصياً إن كان عامداً ولذا قالوا (المجتهد إن أصاب فله أجران وإن اخطأ فله أجر واحد)، غاية الأمر ان الفقيه قد يخطئ لأنه غير معصوم فلا يصح الاستدلال بخطأ الفقيه في التطبيق (لو فرض) على خطأ حكم الشارع ببطلان القياس أو حكمه بحجية خبر الثقة، فالعمدة دراسة الأدلة على حرمة القياس لا الاحتجاج بان عدداً من الفقهاء قاسوا من حيث لا يشعرون؛ ألا ترى ان الفقيه لو اخطأ فتوهَّمَ الروايةَ الصحيحة ضعيفةً أو العكس أو توهم غير الضابط ضابطاً أو غير الثقة ثقة أو توهم الثقة الضابط غير ضابط وغير موثوق به فانه لا يخل ذلك بمرجعية أدلة حجية خبر الثقة الضابط.

وهؤلاء الفقهاء مسلِّمونٍ ببطلان القياس؛ للأدلة المتواترة عليه، فإذا فرض ان بعضهم استعمل القياس غفلة فانه خطأ صادر من غير معصوم، ولا يصح به الاستدلال لرد الكبرى بل ولا التشنيع على الفقيه بانك كيف تحرّم العمل بالقياس ثم نجدك قد عملت به في بعض المواضع، فانه بشر قد يخطئ وقد يصيب.

 

والنادر العمل بالقياس غفلة، والمعهود التمسك بالإطلاقات

ثانياً: ان عمل الفقهاء بالقياس، لو فرض، فهو قليل بل قليل جداً بل نادر فلعلك لا تجد بين كل ألف مسألةٍ مسألةً عمل بها الفقهاء بالقياس، والجواد قد يكبو، والذي نضيفه هنا: ان كثيراً من الموارد التي اتهم فيها الفقهاء بالعمل بالقياس لم يكن من ذلك أبداً، بل كان مستندهم أدلة أخرى كالإطلاقات والعمومات وسائر الأدلة الاجتهادية أو الاصول العملية العامة، نعم ربما ذكروا الملاك للتقريب لذهن المخالف أو باعتباره مؤيداً لا دليلاً، أو فيما إذا قطعوا به مما يسمى بتنقيح المناط القطعي فيكون المرجع حجية القطع لا حجية الظن القياسي، والقطع حجيته ذاتية كما قالوا ولذا يجب عقلاً على القاطع إتباعه مادام قاطعاً وإن حصل له القطع من منشأ غير عقلائي، غاية الأمر انه غير معذور لو قصّر في المقدمات.

والحاصل: ان الفقيه إذا قطع بالملاك وأولويته في الالحاقات وغيرها فلا وجه للاعتراض عليه بانك عملت بالقياس وذلك لأنه – فيما يرى – عمل بالقطع لا بالظن القياسي، نعم يمكن مناقشته لزحزحة قطعه فان تزحزح وبقي له مجرد الظن بالملاك فانه حينئذٍ لا يقوم بتعدية الحكم من الأصل إلى الفرع قطعاً إذ يجده قياساً محضاً.

ولا بأس أن نضيف بان قوله (ولذا شاع رمي بعض الفقهاء الإمامية لبعضهم بتهمة استعمال القياس) تهويل غير دقيق، إذ موارد ذلك قليلة، ولعل السيد الخوئي الذي استدل بكلامه، إنما أشكل على الشيخ من بين ألوف المسائل بمسألة واحدة أو مسألتين فقط، فهو من النادر لا الشائع بل ترى المحقق الكركي دقيقاً في تعبيره إذ قال (حتى انهم ربما عملوا بالقياس) ورب للتقليل كما هو واضح وقوله (أكثر الإلحاقات) لا يفيد الكثرة بعد كون الإلحاقات قليلة جداً وعليه: فان أكثرها أقل من القليل من المسائل فهي نظير الشبهة غير المحصورة من حيث قلة مواردها جداً.

ومن الضروري الاستشهاد على ما ذكرناه من الجواب بنفس المثالين اللذين أشكل بها ذلك العامي وهما: مثال إلحاق خشبة الأقطع ومثال استدلال الشيخ على حرمة التشبيب بفحوى بعض المكروهات، فنقول:

 

تحقيق ان إلحاق خشبة الاقطع بالخفّ إنما هو للإطلاق لا للقياس

اما إلحاق خشبة الاقطع وشبهه فالمستظهر انه كان مستنداً إلى إطلاق الروايات، لا إلى تنقيح المناط وقياس خشبة الأقطع وغيرها على الخف والرجل، وتوضيحه:

ان الروايات الورادة في مطهرية الأرض، بعضها خاص بالخف أو الرجل فلا تصلح للاستدلال بها على تعميم الحكم إلى العصى وخشبة الاقطع إلا بالقياس كما قيل، ولكن وجه التعميم ليست هذه الروايات بل روايات أخرى مطلقة تشمل كل تلك الملحقات (خشبة الاقطع، أسفل العصا، سكة الحرث ونحوها) بإطلاقها فكان المرجع للتعميم هو إطلاق الرواية لا تنقيح المناط والقياس.

اما الروايات الخاصة فمنها (وصحيح فضالة وصفوان عن ابن بكير عن حفص بن أبي عيسى قال‌ للصادق عليه السلام: ((إِنِّي وَطِئْتُ عَذِرَةً بِخُفِّي وَمَسَحْتُهُ حَتَّى لَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئاً، مَا تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ))([17]) وكصحيح زرارة عن الباقر عليه السلام في: ((رَجُلٌ وَطِئَ عَلَى عَذِرَةٍ فَسَاخَتْ رِجْلُهُ فِيهَا، أَيَنْقُضُ ذَلِكَ وُضُوءَهُ؟ وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُهَا؟ فَقَالَ: لَا يَغْسِلُهَا إِلَّا أَنْ يَقْذَرَهَا، وَلَكِنَّهُ يَمْسَحُهَا حَتَّى يَذْهَبَ أَثَرُهَا وَيُصَلِّي))([18]).

واما الروايات العامة فكثيرة نقتصر على بعضها:

صحيح الحلبي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: ((نَزَلْنَا فِي مَكَانٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ زُقَاقٌ قَذَرٌ، فَدَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فَقَالَ: أَيْنَ نَزَلْتُمْ؟ فَقُلْتُ: نَزَلْنَا فِي دَارِ فُلَانٍ، فَقَالَ: إِنَّ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ زُقَاقاً قَذَراً، أَوْ قُلْنَا لَهُ: إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ زُقَاقاً قَذَراً، فَقَالَ: لَا بَأْسَ، الْأَرْضُ تُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضاً...))([19]).

والمروي في مستطرفات السرائر عن كتاب‌ البزنطي عن المفضل بن عمر عن محمد بن علي الحلبي عن الصادق عليه السلام قال: ((قُلْتُ لَهُ إِنَّ طَرِيقِي إِلَى الْمَسْجِدِ فِي زُقَاقٍ يُبَالُ فِيهِ فَرُبَّمَا مَرَرْتُ فِيهِ وَ لَيْسَ عَلَيَّ حِذَاءٌ فَيَلْصَقُ بِرِجْلِي مِنْ نَدَاوَتِهِ فَقَالَ أَ لَيْسَ تَمْشِي بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَرْضٍ يَابِسَةٍ قُلْتُ بَلَى قَالَ فَلَا بَأْسَ إِنَّ الْأَرْضَ يُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضاً))([20])

وحسن المعلى بن خنيس سأل الصادق عليه السلام ((عَنِ الْخِنْزِيرِ يَخْرُجُ مِنَ الْمَاءِ فَيَمُرُّ عَلَى الطَّرِيقِ فَيَسِيلُ مِنْهُ الْمَاءُ، أَمُرُّ عَلَيْهِ حَافِياً؟ فَقَالَ: أَلَيْسَ وَرَاءَهُ شَيْ‏ءٌ جَافٌّ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَلَا بَأْسَ؛ إِنَّ الْأَرْضَ تُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضاً))([21])

 

وجه التعميم قوله عليه السلام ((الْأَرْضَ يُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضاً))

فالاستدلال هو بإطلاق قوله عليه السلام ((الْأَرْضَ يُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضاً)) والمورد لا يخصص الوارد كما هو من بديهيات الأصول خاصة مع صراحة تعليله عليه السلام في حسن المعلى بن خنيس وما سبقه ((فَلَا بَأْسَ؛ إِنَّ الْأَرْضَ تُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضاً)) بل ومع إطلاق السؤال في صحيح الحلبي إذ لم يخص السائلُ السؤالَ عن الرجل بل أطلق السؤال عن ما لو كان بينهم وبين المسجد زقاق قذر ومن المعلوم ان الوصول للمسجد عبر الزقاق القذر عام يشمل الحافي والمنتعل واللابس خفاً والممسك بعصى وغير ذلك فتخصيصه بالأولين بلا وجه.. والأقوى من ذلك إطلاق تلك الصحاح وتوضيحه:

ان قوله عليه السلام ((الْأَرْضَ يُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضاً)) فيمن لصقت برجله نداوة البول كما في رواية المستطرفات أو مشى حافياً على أرض تنجست بماء سال من الخنزير كما في حسن المعلى أو مطلق من مرّ إلى المسجد وبينه وبين المسجد زقاق قذر كما في صحيح الحلبي، يحتاج إلى بعض التدبر لفهم معناه فبعد وضوح ان المراد من ((الْأَرْضَ يُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضاً)) ليس ان الأرض النجسة تطهّر الأرض المجاورة لها([22]) إذ مراد الإمام عليه السلام تطهير رجل المصلي مثلاً، فالمراد أحد أمرين:

الأول: ان الرِجل يعلق بها التراب النجس عندما يمشي الشخص على الأرض النجسة ثم انه إذا مشى على الأرض الطاهرة طهّرت الأرضُ الطاهرة الترابَ النجس الذي علق برِجله ثم ان لازم ذلك بحسب ما يفهم من الرواية ومصبّها، عرفاً، ان الرِجل تطهر بالتبع؛ فان السؤال بالأساس كان عن طهارة الرِجل لأنه يريد الصلاة بل قد يغفل بعضهم عن التراب أو النداوة نفسها خاصة انها تجف عادة سريعاً ويمكن إزالة التراب بالنفض ولكن تبقى نجاسة الرِجل.

فإذا كان هذا هو مراد الإمام عليه السلام فالجواب عام إذ التراب اللاصق بخشبة الاقطع والعصا.. الخ مصداق للرواية فتفيد الرواية حكماً عاماً يشمل كل الموارد إذ تصرح بان الأرض تطهر التراب النجس ويلزمه تطهير محله وهو الرجل أو الخشبة أو غيرهما. فأين التخصيص في الرواية؟ وخصوصاً السؤال لا يخصص الجواب، على ان بعضها لم يكن السؤال فيها خاصاً كما سبق.

الثاني: ان المراد من ((الْأَرْضَ يُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضاً)) هو التطهير لنفس المتنجس بالأرض من أول الكلام وبدون التوسيط السابق في الوجه الأول، فكما يقال ان الماء يطهِّر الدم أو البول ولا يقصد به انه يطهره بل المقصود انه يطهّر موضعه (بعد إزالته أي بعد إزالة عين النجاسة) فكذلك عندما يقول عليه السلام ((الْأَرْضَ يُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضاً)) أي انها تطهر الموضع الذي أصابته النجاسة، وهو كما ترى عام غير خاص بالرجل والخف وشبهها.

وقد صرح بذلك في جواهر الكلام فلا يتوهم انه اختراع منّا لتوجيه قياس العلماء خشبة الاقطع ونحوه على الرِجل ونحوها، قال: (إذ الظاهر أن المراد تطهير بعض الأرض البعض الآخر منها النجس الملاقي للنعل ونحوه؛ على معنى إزالة أثره عمّا لاقاه بالبعض الآخر، كما يقال: الماء مطهر للبول والدم، أو تطهير بعض الأرض ما لاصق بعضا نجسا آخر منها مما كان عليها من القدم ونحوه، وإلا فاحتمال إرادة تطهير بعض الأرض بعض المتنجسات كالنعل - فلا يكون في المطهَّر بالفتح عموم أو إطلاق يتناول المقام - مما ينبغي القطع بفساده كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام، بل ينبغي القطع بفساد ما ذكرناه ثانياً؛ لبُعد هذا المجاز بل استقباحه حتى لو أُريد الإضمار منه، فيتعيّن الأول حينئذ، لكن في المعالم أنه "عليه يكون الحكم المستفاد من الحديث مختصّاً بالنجاسة المكتسبة من الأرض النجسة")([23]).

وقال: (ولعله لذا كان من معقد إجماع جامع المقاصد كل ما ينتعل به كالقبقاب، بل هو الأقوى وفاقا لجماعة منهم الإسكافي والسيدان في المنظومة والرياض؛ لإطلاق كثير من الأخبار السابقة([24]) خصوصاً المستفيض من‌ قوله عليه السلام: «إن الأرض يطهر بعضها بعضا» الذي لا يقدح في شهادته لما نحن فيه ندرة بعض ما يوقى به كما توهّم؛ ضرورة أن المطلق فيه نفس الأرض.

نعم، لو كان الدليل صحيح الأحول خاصة لأمكن المناقشة بذلك، بل قد يقال باستفادة طهارة خشبة الأقطع منه بعد الغضّ عن دعوى مساواتها للنعل أو القدم، بل وكعب عصاة الأعمى وعكاز الرمح ونحو ذلك، إلا أن الأحوط خلافه)([25]).

 

غاية الأمر الملاك مؤيد لا دليل

ومما يؤكد ان الفقهاء لو استندوا للملاك فإنما هو للتأييد بعد وجود المطلقات أو لتقريب الأمر إلى ذهن المخالف، ما جاء في الجواهر: (ثمّ المدار في التطهير بالأرض على زوال العين قطعاً، وهل يعتبر زوال الأثر أيضاً كما صرّح به في جامع المقاصد ومنظومة الطباطبائي، أو لا كما في كشف الأستاذ؟ وجهان ينشآن من الأصل وقول أبي جعفر في صحيح زرارة المتقدم: « يمسحها حتى يذهب أثرها» ومعروفية توقف تطهير النجاسات على إزالة آثارها، على أن المراد بالأثر هنا هو الأجزاء الصغار التي تبقى ملتصقة من عين النجاسة، فيدلّ على وجوب إزالتها حينئذ ما دلّ على وجوب إزالة أصل العين‌.

ومن إطلاق باقي النصوص، ومناسبته لسهولة الملّة وسماحتها، بل ولحكمة أصل مشروعيّة هذا الحكم من التخفيف ونحوه، بل في التكليف بوجوب إزالة ذلك من العسر والحرج ما لا يخفى، بل يمكن دعوى تعذّره عادةً، بل يمكن دعوى ظهور سائر النصوص في ذلك، بل يمكن تنزيل خبر الخصم على ذلك أيضاً؛ بأن يراد من الأثر الأجزاء التي لا يعتاد بقاؤها، ولا يصدق عرفاً ذهاب تمام العين مع وجودها، لا الأثر بالمعنى السابق، كما عساه يومئ إليه صحيح هذا الراوي - بعينه - الآخر المتقدم آنفاً المشتمل على حكم ما نحن فيه مع الاستنجاء الظاهر في مساواتهما في كيفية التطهير، وقد عرفت في ذلك الباب عدم وجوب إزالة الأثر)([26])

نعم بعض عبارات الأصحاب موهم لاستنادهم إلى الملاك الظني، وعلى أيّ فلو كان ذلك كذلك فانه، وكما سبق، خطأ من غير المعصوم فلا يحتج به بل المرجع عموم روايات بطلان القياس.

 

تحقيق استدلال الشيخ على حرمة التشبيب بملاك المكروهات

واما الشيخ الانصاري فمن الضروري نقل عبارته كلها ثم تقييم كلامه، لنرى مدى ورود الإشكال عليه.

قال: (المسألة الثالثة: التشبيب بالمرأة المعروفة المؤمنة المحترمة - و هو كما في جامع المقاصد: ذكر محاسنها وإظهار شدّة حبِّها بالشعر - حرام على ما عن المبسوط وجماعة، كالفاضلين والشهيدين والمحقّق الثاني.

واستدلّ عليه بلزوم تفضيحها، وهتك حرمتها، وإيذائها وإغراء الفسّاق بها، وإدخال النقص عليها وعلى أهلها، ولذا لا ترضى النفوس الأبيّة ذوات الغيرة والحميّة أن يذكر ذاكر عشق بعض بناتهم وأخواتهم، بل البعيدات من قراباتهم.

والإنصاف، أنّ هذه الوجوه لا تنهض لإثبات التحريم، مع كونه أخصّ من المدعى؛ إذ قد لا يتحقّق شيء من المذكورات في التشبيب، بل وأعمّ منه من وجه؛ فإنّ التشبيب بالزوجة قد يوجب أكثر المذكورات.

ويمكن أن يستدلّ عليه بما سيجيء من عمومات حرمة اللهو والباطل، وما دلّ على حرمة الفحشاء، ومنافاته للعفاف المأخوذ في العدالة.

وفحوى ما دلّ على حرمة ما يوجب - ولو بعيداً - تهييج القوة الشهوية بالنسبة إلى غير الحليلة، مثل:

ما دلّ على المنع عن النظر؛ لأنّه سهم من سهام إبليس.

والمنع عن الخلوة بالأجنبية؛ لأنّ ثالثهما الشيطان.

وكراهة جلوس الرجل في مكان المرأة حتى يبرد المكان.

وبرجحان التستّر عن نساء أهل الذمّة؛ لأنّهن يصفن لأزواجهن.

والتستّر عن الصبي المميّز الذي يصف ما يرى.

والنهي في الكتاب العزيز عن أن يخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، وعن أن يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن.

إلى غير ذلك من المحرَّمات والمكروهات التي يعلم منها حرمة ذكر المرأة المعيّنة المحترمة بما يهيّج الشهوة عليها، خصوصاً ذات البعل التي لم يرض الشارع بتعريضها للنكاح بقول: «رُبّ راغب فيك»)([27]).

وقد سبق نقل إشكال السيد الخوئي عليه.. وهنا نقول:

أولاً: ما سبق من انه إذا ثبت ان الشيخ أو غيره في مورد أو أكثر (وقيل ان الشيخ وقع في ذلك في موردين) استند إلى القياس وتنقيح المناط الظني، فهو من الخطأ الذي لم ينزّه عنه إلا المعصومون صلوات الله عليهم، وهو داع للفقيه للحذر وهو في مرحلة الاستنباط بان لا يخرج عن القواعد والأصول من حيث لا يدري، فذلك خيرّ منبه لنا ومحذّر، فكيف يتوهم بان ذلك مسوّغ لرد روايات بطلان القياس، وفاتح لباب العمل به في كل الفقه؟

ثانياً: ولكن مع ذلك، فالظاهر ان الشيخ لم يتمسك بتنقيح المناط الظني والقياس فانه إذا كان استند إلى الأمور الثلاثة فقط (كراهة الجلوس ورجحان التستر عن نساء أهل الذمة والصبي المميز) لكان الإشكال وارداً، ولكن الشيخ استند إلى المجموع من حيث المجموع فلاحظ قوله (ويمكن أن يستدلّ عليه بما سيجيء من عمومات حرمة اللهو والباطل، وما دلّ على حرمة الفحشاء) فان الظاهر ان هذا هو عمدة مستنده، سلمنا لكن الدليل لديه الإطلاقات بضميمة (وفحوى...) وقد ذكر (قدس سره) مجموعة أمور وأضاف قوله (إلى غير ذلك...) مما يظهر منه ان المجموع من حيث المجموع هو المستند لا خصوص الثلاثة.. ومن الواضح ان المؤيد الواحد لا يعد دليلاً ولا المؤيدان أو الثلاثة.. ولكن اجتماع عشر مؤيدات قد يعد دليلاً عرفاً بل قد يورث ذلك القطع؛ ألا ترى ان خبر الثقة لا يورث القطع ولكن اجتماع العشرات من أخبارهم يفيد القطع، فيكون الاستدلال بالمجموع من حيث المجموع لا بالآحاد والبعض.

ويؤكد ما قلناه ان الشيخ اعتبر ان مجموع ذلك مورث للعلم إذ قال: (إلى غير ذلك من المحرَّمات والمكروهات التي يعلم منها حرمة ذكر المرأة المعيّنة المحترمة بما يهيّج الشهوة عليها، خصوصاً ذات البعل التي لم يرض الشارع بتعريضها للنكاح بقول: «رُبّ راغب فيك») فلم يكن مستنده حقيقةً إلا العلم، وتلك الأمور كانت عللاً مُعدّة فقط، غاية الأمر ان يشكل عليه بانها لا تورث العلم، لا ان يشكل عليه بانك عملت بالقياس الظني إذ الشيخ لم يعمل به أبداً بل عمل بالعلم وإن كان قد تولّد من مجموعة من الأدلة (كالإطلاقات) والمؤيدات (كالقياس فرضاً) فتدبر وتأمل جيداً.                                    

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

 

-----------------------------------------------------------------------

([1]) جاء في مقبولة بن حنظلة ((الْحُكْمُ مَا حَكَمَ بِهِ أَعْدَلُهُمَا وَأَفْقَهُهُمَا وَأَصْدَقُهُمَا فِي الْحَدِيثِ وَأَوْرَعُهُمَا وَلَا يَلْتَفِتْ إِلَى مَا يَحْكُمُ بِهِ الْآخَرُ قَالَ قُلْتُ فَإِنَّهُمَا عَدْلَانِ مَرْضِيَّانِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا لَا يُفَضَّلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ قَالَ فَقَالَ يُنْظَرُ إِلَى مَا كَانَ مِنْ رِوَايَتِهِمْ عَنَّا فِي ذَلِكَ الَّذِي حَكَمَا بِهِ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِكَ فَيُؤْخَذُ بِهِ مِنْ حُكْمِنَا وَيُتْرَكُ الشَّاذُّ الَّذِي لَيْسَ بِمَشْهُورٍ عِنْدَ أَصْحَابِكَ فَإِنَّ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَإِنَّمَا الْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ أَمْرٌ بَيِّنٌ رُشْدُهُ فَيُتَّبَعُ وَأَمْرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ فَيُجْتَنَبُ وَأَمْرٌ مُشْكِلٌ يُرَدُّ عِلْمُهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه واله وسلم حَلَالٌ بَيِّنٌ وَحَرَامٌ بَيِّنٌ وَشُبُهَاتٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَمَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ نَجَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَمَنْ أَخَذَ بِالشُّبُهَاتِ ارْتَكَبَ الْمُحَرَّمَاتِ وَهَلَكَ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ قُلْتُ فَإِنْ كَانَ الْخَبَرَانِ عَنْكُمَا مَشْهُورَيْنِ قَدْ رَوَاهُمَا الثِّقَاتُ عَنْكُمْ قَالَ يُنْظَرُ فَمَا وَافَقَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَخَالَفَ الْعَامَّةَ فَيُؤْخَذُ بِهِ وَيُتْرَكُ مَا خَالَفَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَوَافَقَ الْعَامَّةَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَ رَأَيْتَ إِنْ كَانَ الْفَقِيهَانِ عَرَفَا حُكْمَهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَوَجَدْنَا أَحَدَ الْخَبَرَيْنِ مُوَافِقاً لِلْعَامَّةِ وَالْآخَرَ مُخَالِفاً لَهُمْ بِأَيِّ الْخَبَرَيْنِ يُؤْخَذُ قَالَ مَا خَالَفَ الْعَامَّةَ فَفِيهِ الرَّشَادُ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَإِنْ وَافَقَهُمَا الْخَبَرَانِ جَمِيعاً قَالَ يُنْظَرُ إِلَى مَا هُمْ إِلَيْهِ أَمْيَلُ حُكَّامُهُمْ وَقُضَاتُهُمْ فَيُتْرَكُ وَيُؤْخَذُ بِالْآخَرِ قُلْتُ فَإِنْ وَافَقَ حُكَّامُهُمُ الْخَبَرَيْنِ جَمِيعاً قَالَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَرْجِهْ حَتَّى تَلْقَى إِمَامَكَ فَإِنَّ الْوُقُوفَ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ خَيْرٌ مِنَ الِاقْتِحَامِ فِي الْهَلَكَاتِ) (الكافي: ج1 ص67).

([2]) وفي مرفوعة زرارة ((مَرْفُوعاً إِلَى زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ سَأَلْتُ الْبَاقِرَ عليه السلام فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ يَأْتِي عَنْكُمُ الْخَبَرَانِ أَوِ الْحَدِيثَانِ الْمُتَعَارِضَانِ فَبِأَيِّهِمَا آخُذُ فَقَالَ عليه السلام يَا زُرَارَةُ خُذْ بِمَا اشْتَهَرَ بَيْنَ أَصْحَابِكَ وَدَعِ الشَّاذَّ النَّادِرَ فَقُلْتُ يَا سَيِّدِي إِنَّهُمَا مَعاً مَشْهُورَانِ مَرْوِيَّانِ مَأْثُورَانِ عَنْكُمْ فَقَالَ عليه السلام خُذْ بِقَوْلِ أَعْدَلِهِمَا عِنْدَكَ وَأَوْثَقِهِمَا فِي نَفْسِكَ فَقُلْتُ إِنَّهُمَا مَعاً عَدْلَانِ مَرْضِيَّانِ مُوَثَّقَانِ فَقَالَ انْظُرْ مَا وَافَقَ مِنْهُمَا مَذْهَبَ الْعَامَّةِ فَاتْرُكْهُ وَخُذْ بِمَا خَالَفَهُمْ قُلْتُ رُبَّمَا كَانَا مُوَافِقَيْنِ لَهُمْ أَوْ مُخَالِفَيْنِ فَكَيْفَ أَصْنَعُ فَقَالَ إِذَنْ فَخُذْ بِمَا فِيهِ الْحَائِطَةُ لِدِينِكَ وَاتْرُكْ مَا خَالَفَ الِاحْتِيَاطَ فَقُلْتُ إِنَّهُمَا مَعاً مُوَافِقَانِ لِلِاحْتِيَاطِ أَوْ مُخَالِفَانِ لَهُ فَكَيْفَ أَصْنَعُ فَقَالَ عليه السلام إِذَنْ فَتَخَيَّرْ [فَتَخَيَّرُ] أَحَدَهُمَا فَتَأْخُذُ بِهِ وَتَدَعُ الْآخَرَ) (عوالي اللآلئ: ج4 ص133).

([3]) توفي الشيخ المفيد 413هـ والشيخ الطوسي 460هـ وتوفي ابن الجنيد 381هـ.

([4]) محمد بن الحسن الحر العاملي، وسائل الشيعة، مؤسسة آل البيت – قم، 1409هـ، ج27 ص62.

([5]) سورة الحج: آية 78.

([6]) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج3 ص33.

([7]) سورة النساء: آية 83.

([8]) سورة التوبة: آية 122.

([9]) مثل ابن الجنيد مثلاً، والذي تأثر بأصوله العامية، لكنه رجع عن القول بالقياس بعد ذلك.

([10]) سورة النجم: آية 22.

([11]) الشيخ الطوسي، التهذيب، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج9 ص332-333.

([12]) فصلنا الحديث عن أنواع الموضوعات المستنبطة في فقه التعاون على البر والتقوى فراجع.

([13]) أو عدول المؤمنين أو من اختاره الناس أو غير ذلك مما فصّل في محله.

([14]) الحسن بن شعبة الحراني، تحف العقول، مؤسسة النشر الإسلامي – قم، 1404هـ، ص237.

([15]) أبو منصور أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، نشر المرتضى – مشهد، 1403هـ، ج2 ص469.

([16]) سورة الحشر: آية 7.

([17]) أبو منصور أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، نشر المرتضى – مشهد، 1403هـ، ج1 ص274.

([18]) المصدر نفسه: ج1 ص275.

([19]) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج3 ص38.

([20]) محمد بن إدريس الحلي، مستطرفات السرائر، مؤسسة النشر الإسلامي – قم، 1411هـ، ص555.

([21]) المصدر نفسه: ج3 ص39.

([22]) على انه لو عمّه لما أضرّ.

([23]) الشيخ محمد حسن النجفي، جواهر الكلام، مؤسسة النشر الإسلامي – قم، 1417هـ، ج6 ص477-478.

([24]) لاحظ قوله (لإطلاق...)

([25]) المصدر نفسه: ص481.

([26]) المصدر نفسه: ص487.

([27]) الشيخ مرتضى الانصاري، كتاب المكاسب، مجمع الفكر الإسلامي – قم، ط23، 1437هـ، ج1 ص177.

 

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : الاربعاء 23 محرم الحرام 1440 هـ  ||  القرّاء : 105



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net