||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  


  




 77- (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)-2 ماهية وإطار العلاقة بين الدول والشعوب

 دواعي الخسران في ضوء بصائر قرآنية

 185- ( وأمضى لكل يوم عمله... ) حقيقة ( الزمن ) وتحديد الاولويات حسب العوائد

 76- تطوير تعريف الأصول بما يشمل أنواع الحجج

 112- فائدة روائية: فقه المصطلحات المزدوجة الاستعمال

 14- بحث رجالي: عن الغضائريين والكتاب المنسوب اليهما

 111- بحث اصولي قانوني: ضرورة تأصيل المصطلحات

 338- فائدة أصولية: أنواع الأحكام بلحاظ أنحاء تعلق متعلقاتها بها

 138- الفعل مولوي وإرشادي كـ(الأمر)

 169- فائدة فقهية: الفرق بين تقليد العامي للمجتهد واعتماد المجتهد على مثله



 مقومات القائد الإداري الناجح

 فاجعة البقيع: خطوات لمعالجة آثارها المسيئة للإسلام

 ليتني كنتُ طالباً في حوزته العلمية

 هل يتعظ المسؤول قبل فوات الأوان؟

 شهر رمضان: محاسبة النفس أيسر الطرق لتحقيق الذات



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية

 النهضة الحسينية رسالة إصلاح متجددة

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 قسوة القلب

 161- مفردات ومصاديق مبادئ الاستنباط (8): علم الاديان الفقهي والاصولي المقارن

 236- احياء أمر الامام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)

 204- مناشئ الانحراف والضلالة : الغرور والاستعلاء والجهل الشامل

 21- بحث اصولي: عن حجية قول اللغوي ومداها

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة



  • الأقسام : 73

  • المواضيع : 3498

  • التصفحات : 7280768

  • التاريخ : 26/06/2019 - 13:02

 
 
  • القسم : دروس في التفسير والتدبر ( النجف الاشرف ) .

        • الموضوع : 301- وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّه (6) الاصل العام (قولوا للناس حسنا) وحرمة سباب الاخرين .

301- وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّه (6) الاصل العام (قولوا للناس حسنا) وحرمة سباب الاخرين
الأربعاء 12 رجب 1440هـ

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

(وَلا تَسُبُّوا الَّذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ)

(6)

الأصل العام (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً )

وحرمة سباب الآخرين

 

 

قال الله العظيم في كتابه الكريم: (وَإِذْ أَخَذْنا ميثاقَ بَني‏ إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى‏ وَالْيَتامى‏ وَالْمَساكينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَليلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ‏)([1])و(وَقُلْ لِعِبادي يَقُولُوا الَّتي‏ هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبيناً)([2]).

قوله تعالى (يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ) أي يفسد بينهم وهو قريب من معنى النخس الذي يعني غرز مؤخر الدابة بعود ونحوه. وهكذا حال الشيطان فانه يستغل السباب وغيره من مطلق ما ليس بالأحسن ليهيِّج أحد الطرفين ضد الآخر بوكزة أو نخسةٍ أو دفعة فجائية حادة قوية يستثمر فيها سباب هذا لذاك وبالعكس ليثير فيه قوته الغضبية بأقصى طاقة ممكنة.

وقد سبق ان طوائف الآيات والروايات حول موقف الشريعة من سباب الآخرين، أربعة، وقد مضى بعض الكلام عن الطائفتين الثانية والثالثة وسنتطرق في هذا المبحث إلى الطائفة الأولى بإذن الله تعالى فنقول: ان الأصل الأولي العام هو قول الحسنى للناس وهو حرمة سباب الآخرين، وتدل على ذلك الآيات والروايات الكثيرة ومنها: قوله تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَليلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ‏) و(وَقُلْ لِعِبادي يَقُولُوا الَّتي‏ هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبيناً).

ومنها: قوله تعالى: (ادْعُ إِلى‏ سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتي‏ هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدينَ)([3])

وقوله تعالى (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) أمر وهو ظاهر في الوجوب، ولا يضر توجيه الخطاب في صدر الآية لبني إسرائيل؛ اما لأن الأصل في الشرائع هو العموم إلا ما خرج أو للاستصحاب، كما نقحناه في الأصول، كما ان ظاهر (وَقُلْ لِعِبادي يَقُولُوا الَّتي‏ هِيَ أَحْسَنُ) هو ان إيجاب الأمر به لوجوبه لا لمجرد رجحانه واستحبابه، كما ان قوله (ادْعُ إِلى‏ سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتي‏ هِيَ أَحْسَنُ) أوامر وكلها ظاهرة في الوجوب.

وفرق الآيتين الأوليين عن الثالثة ان الأوليين أوسع دائرة من الثالثة إذ تفيد وجوب قول الحسن للناس فيشمل تعامل الرئيس مع موظفيه في كيفية إصداره الأوامر لهم أو حديثه معهم وكذلك كيفية حديث الأب مع ابنه وبالعكس أو الزوج مع زوجته وبالعكس والصديق مع الصديق سواء أكان ذلك في حالة دعوة ووعظ وجدال أم لا، اما الآية الثالثة فخاصة بإطار (الدعوة) و(الموعظة) و(الجدال) وان الدعوة إلى سبيل الله يجب ان تكون بالحكمة وان الموعظة يجب ان تكون حسنة وان الجدل يجب ان يكون بالتي هي أحسن.

وقد ذكر في تفسير الصافي: ((وَقُلْ لِعِبادي) يعني المؤمنين و(يَقُولُوا الَّتي‏ هِيَ أَحْسَنُ) أي يقولوا للمشركين الكلمة التي هي أحسن ولا يخاطبوهم بما يغيظهم ويغضبهم (إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ) يهيج بينهم المِراء والشرّ فلعل المخاشنة بهم تفضي إلى العناد وازدياد الفساد (إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبيناً )ظاهر العداوة.)([4])

ومن الواضح ان انتهاج منهج سباب الآخرين ليس مصداقاً لقوله تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) بل هو على النقيض من ذلك، وكذلك من الواضح ان الشخص السبّاب في تعامله الدعوي أو في حديثه الجدلي مع الآخرين مخالف لأمره تعالى الصريح بـ(ادْعُ إِلى‏ سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتي‏ هِيَ أَحْسَنُ).

فهذا إذاً هو الأصل العام في الحديث مع الآخر أو الحوار معه.

 

الفوائد من تأسيس أصل حرمة السباب بشكل عام

ولكن قد يتساءل عن الفائدة من تأسيس هذا الأصل مادامت موارد الاستثناء – وهي الطائفة الثانية من الروايات – محددة، كما في الرواية الآنفة الذكر ((إِذَا رَأَيْتُمْ أَهْلَ الرَّيْبِ وَالْبِدَعِ مِنْ بَعْدِي فَأَظْهِرُوا الْبَرَاءَةَ مِنْهُمْ وَأَكْثِرُوا مِنْ سَبِّهِمْ وَالْقَوْلَ فِيهِمْ وَالْوَقِيعَةَ وَبَاهِتُوهُمْ كَيْلَا يَطْمَعُوا فِي الْفَسَادِ فِي الْإِسْلَامِ وَيَحْذَرَهُمُ النَّاسُ وَلَا يَتَعَلَّمُوا مِنْ بِدَعِهِمْ، يَكْتُبِ اللَّهُ لَكُمْ بِذَلِكَ الْحَسَنَاتِ وَيَرْفَعْ لَكُمْ بِهِ الدَّرَجَاتِ فِي الْآخِرَةِ))([5]).

والجواب: ان الثمرات في تأسيس هذا الأصل متعددة:

فأولاً: يكون هذا الأصل هو المرجع لدى الشك في الشبهات المصداقية.

وثانياً: يكون هو المرجع لدى الشك في المفهوم (مفهوم موضوع المخصص) سعة وضيقاً.

فمثلاً لو شك في ان زيداً هل هو من أهل الريب والبدع أو لا، فلا يجوز سبه استناداً إلى الطائفة الثانية من الروايات لأنه يكون من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية؛ بل يرجع إلى الأصل العام وهو الحرمة.

ولو شك في حدود سعة معنى (البدعة) أو معنى (الريب) فالقدر المتيقن داخل في المستثنى وما عداه باق على حكم العام وهو الحرمة، فمثلاً هل منكر الضروري مطلقاً مبتدع؟ وذلك مبني على حدود الضروري ومدى سعته أو ضيقه وكذلك حال الريب أيضاً.

 

الموضوع في الرواية مَن جَمَعَ كونه أهل ريب وكونه أهل بدعة

ومن الجدير الإلفات في فقه رواية ((أَهْلَ الرَّيْبِ وَالْبِدَعِ)) إلى ان الموضوع فيها هو مَن جَمَعَ الصفتين أي كان من أهل الريب وأهل البدع أيضاً فهذا هو موضوع الأحكام في الرواية دون من كان من أهل البدع فقط دون الريب أو العكس، وذلك لأن ظاهر الواو الجمع، ولو اراد الإمام عليه السلام ترتيب تلك الأحكام حتى على كل واحد منهما منفرداً لقال (إذا رأيتم أهل الريب أو البدع) وذلك ظاهر.

 

المناقشة: الاستثناء في قوله: (إِلاَّ الَّذينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ)

ولكن قد يعترض على ما ذكر بان الآيتين الكريمتين وان افادتا وجوب القول بالتي هي أحسن مطلقاً ووجوب الجدال بالتي هي أحسن مطلقاً، ولكن توجد آية أخرى تفيد تقييد الآيتين فقد قال تعالى: (وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتي‏ هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) فمفاد هذه الآية أمران: (وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتي‏ هِيَ أَحْسَنُ) و(إِلاَّ الَّذينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) أي فجادلهوهم بالتي هي أسوأ.

 

الأجوبة:

ولكن هذا الكلام غير تام لوجوه:

 

المحتمل: إلا الذين ظلموا فلا تجادلوهم أصلاً

الأول: ان المحتمل في المراد من الآية الكريمة وجهان:

أولاً: ان يكون المراد (إِلاَّ الَّذينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) فجادلوهم بالتي هي اسوأ، وهذا هو الذي ينفع الطرف الآخر.

ثانياً: ان المراد (إِلاَّ الَّذينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) فلا تجادلوهم أصلاً لا بالأحسن ولا بالأسوأ أي اهملوهم تماماً ولا تدخلوا في حوار معهم أصلاً لأنهم معاندون لا يجدي معهم الحوار أبداً.

وتوضيحه: ان الأضداد ثلاثة وليست اثنتين فإذا نفيت واحدة بقي الضدان الآخران محتملين، والأضداد الثلاثة هي:

1- (إِلاَّ الَّذينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) فلا تجادلوهم أصلاً لا بالأحسن ولا بالأسوأ.

2- (إِلاَّ الَّذينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) فجادلوهم بالتي هي أسوأ.

3- (إِلاَّ الَّذينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) فجادلوهم بالتي هي أحسن والاستثناء صريح في نفي الأخير فيبقى الأولان محتملين.

لا يقال: الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات.

إذ يقال: ذلك وإن صح لكن خصوصية الآية ان ما سَبَق قوله (إِلاَّ الَّذينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) مركب من إيجاب ونفي إذ هو (وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتي‏ هِيَ أَحْسَنُ) فالشطر الأخير([6]) إيجاب وما قبله([7]) نفي، فتدبر.

 

أو: فجادلوهم لا بالتي هي أحسن

الثاني: سلّمنا لكن الآية تفيد على فرض التنزل انه (جادلوا الذين ظلموا منهم لا بالتي هي أحسن) وليس (جادلوا بالتي هي أسوأ) إذ الأول هو المعكوس الدقيق للمستثنى منه لا الثاني وذلك لأنه يقع في مقابل (لا تجادلوا): (جادلوا) ويقع في مقابل (إلا بالتي هي أحسن): (إلا بالتي ليست بأحسن) لا (إلا التي هي أسوأ) فان (النقيض) هو الأَوْلى بالمقابلة([8]) من الضد، وعلى أي تقدير فان كليهما محتمل فتكون الآية مجملة المراد (هل: لا تجادلوهم أصلاً لا بالأحسن ولا بالأسوأ، أو: جادلوهم بالتي هي أسوأ) وحيث تردّد أمر الخاص وأجمل بقينا على حكم العام وهو حرمة جدالهم بالتي هي أسوأ مطلقاً فتدبر.

 

الرواية تصرح بـ((وَالْجِدَالُ بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، مُحَرَّمٌ))

الثالث: ان بعض الروايات صريحة في ان المراد نفي جواز الجدال بالأسوأ وانه جادل بالأحسن كقاعدة عامة، واما الظالمون منهم فاترك الجدال وليس انه جادلهم بالأسوأ (كما هو مدعى الطرف الآخر).. فقد نقل في تفسير البرهان عن: (الْإِمَامُ أَبي مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيُّ عليه السلام، قَالَ: ((قَالَ الصَّادِقُ عليه السلام، وَقَدْ ذُكِرَ عِنْدَهُ الْجِدَالُ فِي الدِّينِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه واله وسلم وَالْأَئِمَّةَ عليهم السلام قَدْ نَهَوْا عَنْهُ، فَقَالَ الصَّادِقُ عليه السلام: لَمْ يُنْهَ عَنْهُ مُطْلَقاً، لَكِنَّهُ نُهِيَ عَنِ الْجِدَالِ بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، أَمَا تَسْمَعُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: (وَلاٰ تُجٰادِلُوا أَهْلَ الْكِتٰابِ إِلاّٰ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (اُدْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)؟ فَالْجِدَالُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ قَدْ قَرَنَهُ الْعُلَمَاءُ بِالدِّينِ، وَالْجِدَالُ بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ مُحَرَّمٌ، حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى شِيعَتِنَا...))([9]) فلاحظ عموم قوله: ((وَالْجِدَالُ بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ مُحَرَّمٌ، حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى شِيعَتِنَا)) فهو نص في حرمته مطلقاً وإنما الجائز الجدال بالأحسن مع غير الظالم منهم، واما الظالم فانه مندرج في عموم ((وَالْجِدَالُ بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ مُحَرَّمٌ، حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى شِيعَتِنَا)).

ثم قال الإمام عليه السلام: ((وَكَيْفَ يُحَرِّمُ اللَّهُ الْجِدَالَ جُمْلَةً، وَهُوَ يَقُولُ: (وَقٰالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّٰ مَنْ كٰانَ هُوداً أَوْ نَصٰارىٰ) وَقَالَ تَعَالَى: (تِلْكَ أَمٰانِيُّهُمْ قُلْ هٰاتُوا بُرْهٰانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ)([10])؟ فَجَعَلَ اللَّهُ عَلَمَ الصِّدْقِ وَالْإِيمَانِ بِالْبُرْهَانِ، وَهَلْ يَكُونُ الْبُرْهَانُ إِلاَّ فِي الْجِدَالِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ؟

فَقِيلَ: يَا بْنَ رَسُولِ اللَّهِ، فَمَا الْجِدَالُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَالَّتِي لَيْسَتْ بِأَحْسَنَ؟

قَالَ: أَمَّا الْجِدَالُ بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، بِأَنْ تُجَادِلَ مُبْطِلاً، فيُورِدَ عَلَيْكَ بَاطِلاً، فَلاَ تَرُدَّهُ بِحُجَّةٍ قَدْ نَصَبَهَا اللَّهُ، وَلَكِنْ تَجْحَدُ قَوْلَهُ، أَوْ تَجْحَدَ حَقّاً يُرِيدُ ذَلِكَ الْمُبْطِلُ أَنْ يُعِينَ بِهِ بَاطِلَهُ، فَتَجْحَدَ ذَلِكَ الْحَقَّ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْكَ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّكَ لاَ تَدْرِي كَيْفَ الْمَخْلَصُ مِنْهُ، فَذَلِكَ حَرَامٌ عَلَى شِيعَتِنَا أَنْ يَصِيرُوا فِتْنَةً عَلَى ضُعَفَاءِ إِخْوَانِهِمْ، وَعَلَى الْمُبْطِلِينَ: أَمَّا الْمُبْطِلُونَ فَيَجْعَلُونَ ضَعْفَ الضَّعِيفِ مِنْكُمْ إِذَا تَعَاطَى مُجَادَلَتَهُ، وَضَعْفَ مَا فِي يَدِهِ، حُجَّةً لَهُ عَلَى بَاطِلِهِ، وَأَمَّا الضُّعَفَاءُ مِنْكُمْ فَتُغَمُّ قُلُوبُهُمْ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ ضَعْفِ الْمُحِقِّ فِي يَدِ الْمُبْطِلِ.

وَأَمَّا الْجِدَالُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَهُوَ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ نَبِيَّهُ أَنْ يُجَادِلَ بِهِ مَنْ جَحَدَ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَإِحْيَاءَهُ لَهُ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى حَاكِياً عَنْهُ: (وَضَرَبَ لَنٰا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قٰالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظٰامَ وَهِيَ رَمِيمٌ)؟ فَقَالَ اللَّهُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ: (قُلْ) يَا مُحَمَّدُ (يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهٰا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نٰاراً فَإِذٰا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.

فَأَرَادَ اللَّهُ مِنْ نَبِيِّهِ أَنْ يُجَادِلَ الْمُبْطِلُ الَّذِي قَالَ: كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ هَذِهِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ؟ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهٰا أَوَّلَ مَرَّةٍ)، أَفَيَعْجِزُ مَنِ ابْتَدَأَهُ لاَ مِنْ شَيْءٍ أَنْ يُعِيدَهُ بَعْدَ أَنْ يَبْلَى؟ بَلْ ابْتِدَاؤُهُ أَصْعَبُ عِنْدَكُمْ مِنْ إِعَادَتِهِ.

ثُمَّ قَالَ: (اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نٰاراً)، أَيْ إِذَا كَانَ قَدْ أَكْمَنَ النَّارَ الْحَارَّةَ فِي الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ الرَّطْبِ، يَسْتَخْرِجُهَا، فَعَرَّفَكُمْ أَنَّهُ عَلَى إِعَادَةِ مَا يَبْلَى أَقْدَرُ، ثُمَّ قَالَ: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَالْأَرْضَ بِقٰادِرٍ عَلىٰ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلىٰ وَهُوَ الْخَلاّٰقُ الْعَلِيمُ)([11])، أَيْ إِذَا كَانَ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَعْظَمَ وَأَبْعَدَ فِي أَوْهَامِكُمْ وَقَدْرِكُمْ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِ مِنْ إِعَادَةِ الْبَالِي، فَكَيْفَ جَوَّزْتُمْ مِنَ اللَّهِ خَلْقَ هَذَا الْأَعْجَبِ عِنْدَكُمْ وَالْأَصْعَبِ لَدَيْكُمْ، وَلَمْ تُجَوِّزُوا مَا هُوَ أَسْهَلُ عِنْدَكُمْ مِنْ إِعَادَةِ الْبَالِي؟ فَقَالَ الصَّادِقُ عليه السلام: فَهَذَا الْجِدَالُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، لِأَنَّ فِيهِ انْقِطَاعَ عُرَى الْكَافِرِينَ([12])، وَإِزَالَةَ شُبَهِهِمْ، وَأَمَّا الْجِدَالُ بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَأَنْ تَجْحَدَ حَقّاً لاَ يُمْكِنُكَ أَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَاطِلِ مَنْ تُجَادِلُهُ، وَإِنَّمَا تَدْفَعُهُ عَنْ بَاطِلِهِ بِأَنْ تَجْحَدَ الْحَقَّ، فَهَذَا هُوَ الْمُحَرَّمُ، لِأَنَّكَ مِثْلُهُ، جَحَدَ هُوَ حَقّاً، وَجَحَدْتَ أَنْتَ حَقّاً آخَرَ))([13]).

وههنا احتمالان كلاهما دليل لنا على الطرف الآخر:

الأول: انه قد يقال: بان قوله عليه السلام: ((أَمَّا الْجِدَالُ بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، بِأَنْ تُجَادِلَ مُبْطِلاً، فيُورِدَ عَلَيْكَ بَاطِلاً، فَلاَ تَرُدَّهُ بِحُجَّةٍ قَدْ نَصَبَهَا اللَّهُ، وَلَكِنْ تَجْحَدُ قَوْلَهُ، أَوْ تَجْحَدَ حَقّاً يُرِيدُ ذَلِكَ الْمُبْطِلُ أَنْ يُعِينَ بِهِ بَاطِلَهُ، فَتَجْحَدَ ذَلِكَ الْحَقَّ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْكَ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّكَ لاَ تَدْرِي كَيْفَ الْمَخْلَصُ مِنْهُ، فَذَلِكَ حَرَامٌ عَلَى شِيعَتِنَا... )) هو تفسير بالمصداق والمحرم هو مطلق الجدال بغير الأحسن، حتى مع الذين ظلموا، ولئن شك في انه تحديد أو تفسير بالمصداق فالمرجع عموم قوله الواضح قبل ذلك ((وَالْجِدَالُ بِغَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ مُحَرَّمٌ، حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى شِيعَتِنَا)).

الثاني: ان يقال: بانه أراد الحصر لكان أنفى لقول الطرف الآخر إذ انه يريد إثبات جواز السباب بهذا الاستثناء مع ان الرواية ظاهره – بناء على انها محددّة – في الجدال بالبرهان والجدال بالباطل فغاية ما تدل عليه جواز الجدال بالباطل مع الظالم منهم لا سبّه! فتدبر جيداً يا من رعاك الله.

 

الروايات الدالة على ثبوت التعزير في سبِّ المؤمنين

تنبيه: الكلام كله يدور حول سباب غير المؤمنين وان الأصل الأولي العام فيه الحرمة وانه يخرج ما يخرج بالدليل بعد إحراز شروطه وضوابطه الشديدة التي سبق بعضها، واما سبّ المؤمنين – كما جرى عليه دأب بعض الناس من سبه سائر المؤمنين لدى أدنى اختلاف فكري أو عقائدي أو إداري أو سياسي أو شخصي أو عشائري أو مرجعي أو حزبي معهم، فانه لا شك في حرمته بل وانه يوجب على السابّ بعضاً من العقوبة أي ما يصطلح عليه بالتعزير حسب المستفاد من بعض الروايات، وإليك بعض الروايات:

فقد ورد في الكافي الشريف: ((عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ رَجُلٍ سَبَّ رَجُلًا بِغَيْرِ قَذْفٍ يُعَرِّضُ بِهِ هَلْ يُجْلَدُ؟ قَالَ: عَلَيْهِ تَعْزِيرٌ))([14]) والمقصود انه لم يقذفه بالزنا مثلاً صراحة بل كان تعريضاً به فان القذف الصريح فيه الحد اما القذف تعريضاً ففيه التعزير.

وفي الوسائل (19-  بَابُ أَنَّ مَنْ سَبَّ وَعَرَّضَ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالْقَذْفِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ وَكَذَا لَوْ نَسَبَهُ إِلَى غَيْرِ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ وَكَذَا فِي الْهِجَاءِ وَحُكْمِ مَنْ قَالَ لَا أَبَ لَكَ وَلَا أُمَّ

مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ (عَنْ أَبِيهِ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ((سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ رَجُلٍ سَبَّ رَجُلًا بِغَيْرِ قَذْفٍ يُعَرِّضُ بِهِ هَلْ يُجْلَدُ؟ قَالَ: عَلَيْهِ تَعْزِيرٌ))

وَرَوَاهُ الشَّيْخُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ يُونُسَ مِثْلَهُ وَعَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْوَشَّاءِ عَنْ أَبَانٍ‏ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ.

وَعَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ جَرَّاحٍ الْمَدَائِنِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: ((إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: أَنْتَ خَبِيثٌ أَوْ أَنْتَ خِنْزِيرٌ فَلَيْسَ فِيهِ حَدٌّ وَلَكِنْ فِيهِ مَوْعِظَةٌ وَبَعْضُ الْعُقُوبَةِ))

وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ صَالِحِ بْنِ السِّنْدِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ أَبِي مَخْلَدٍ السَّرَّاجِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: ((قَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام فِي رَجُلٍ دَعَا آخَرَ ابْنَ الْمَجْنُونِ فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: أَنْتَ ابْنُ الْمَجْنُونِ فَأَمَرَ الْأَوَّلَ أَنْ يَجْلِدَ صَاحِبَهُ عِشْرِينَ جَلْدَةً وَقَالَ اعْلَمْ أَنَّهُ مُسْتَعْقِبٌ مِثْلَهَا عِشْرِينَ فَلَمَّا جَلَدَهُ أَعْطَى الْمَجْلُودَ السَّوْطَ فَجَلَدَهُ نَكَالًا يُنَكِّلُ بِهِمَا))([15])

وَرَوَاهُ الصَّدُوقُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَشِيرٍ مِثْلَهُ.

وَعَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنِ (الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمِنْقَرِيِّ) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: ((سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ رَجُلٍ قَالَ لآِخَرَ يَا فَاسِقُ قَالَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَيُعَزَّرُ))

وَرَوَاهُ الشَّيْخُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَاسَانِيِّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالَّذِي قَبْلَهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِي قَبْلَهُمَا بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى مِثْلَهُ.

وَعَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ: ((قَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام فِي الْهِجَاءِ التَّعْزِيرَ)) )([16])

 

الأدلة الأخرى على أصالة حرمة سب الآخرين

ثم انه قد يستدل على حرمة السباب كأصل أولي عام، بأصالة الحظر؛ وذلك استناداً إلى احدى الوجوه الآتية والتي فصّلناها في مباحث الأصول، ونذكر ههنا عناوين بعضها:

الأول: حق المملوكية الذاتية، فان الناس مملوكون بشراشر وجودهم لله تعالى والأصل في المملوك ان لا يجوز له فعل أو قول أو أي شيء إلا بعد وصول إذن من مولاه (عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ)([17]).

الثاني: حق المملكة فان التصرف في مملكة الغير بدون وصول إذنٍ منه ورضى غير جائز، وكما لا يجوز لك إذا كنت في بيت غيرك ان تتحرك ههنا وهنالك أو ان تجلس هنا وهنالك إلا بإذن منه كذلك في مملكة الباري جل وعلا لا يجوز أي قول أو فعل إلا بإذنه.

الثالث: حق الطاعة، فان عظيم حق مولى الموالي علينا يقتضي منجزية الاحتمال في الشبهة التحريمية بل والشبهة الوجوبية أيضاً، فكل ما يحتمل حرمته فان نفس احتماله منجِّز موجب لاستحقاق العقاب بالمخالفة.

والكلام كله – كما ذكرنا – عن الأصل لا عن الاستثناء، نعم لو احتمل وجوب أمر (لكونه من الاستثناء) أو حرمته (لكونه من المستثنى منه) كان من دوران الأمر بين المحذورين فان كان داخلاً في الأصل وشُكّ في خروجه كان الأصل عدم الخروج، وإن تعارضا بدواً – فرضاً – تساقطا ورجع للأصل الفوقاني وهو حق المملوكية الذاتي. فتأمل وتدبر.

الرابع: الاستحقاق الذاتي. وله تفصيل، كما ان لكل النقاط السابقة واللاحقة تفصيل وأخذ ورد ذكرناه في تلك المباحث فراجع([18]).

الخامس: أصالة حرمة إيذاء الغير، ومن الواضح ان السباب إيذاء نوعاً، ويدل على هذا الأصل الكثير من الأدلة النقلية أيضاً.

ثم ان هنالك أدلة أخرى عامة قد يستند إليها في أصالة حرمة السباب كأصل أولي عام، وقد نتطرق لها في بحث قادم إذا شاء الله تعالى ومنها قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَني‏ آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى‏ كَثيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضيلاً)([19]) وقوله: (وَهُوَ الَّذي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ في‏ ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَريعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحيمٌ)([20]) و(هُوَ الَّذي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزيدُ الْكافِرينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلا يَزيدُ الْكافِرينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَساراً)([21]) وذلك على أحد تفسيري الآية الكريمة مما سيأتي تفصيله والأخذ والرد فيه قبولاً أو رفضاً، إذا اذن الله تعالى ويسّر.

 

 

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

 

 

--------------------------------------------------------

([1]) سورة البقرة: آية 83.

([2]) سورة الإسراء: آية 53.

([3]) سورة النحل: آية 125.

([4]) الفيض الكشاني، تفسير الصافي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات – بيروت، ج2 ص358.

([5]) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج2 ص275.

([6]) (إلا بالتي).

([7]) (وَلا تُجادِلُوا)

([8]) وقوعه مقابلاً.

([9])  السيد هاشم البحراني، البرهان في تفسير القرآن، الناشر: مؤسسة البعثة، ج4 ص323.

([10]) سورة البقرة: آية 111.

([11]) سورة يس: آية 81.

([12]) لاحظ قوله عليه السلام: ((لِأَنَّ فِيهِ انْقِطَاعَ عُرَى الْكَافِرِينَ، وَإِزَالَةَ شُبَهِهِمْ)) فهذه فائدة الجدال بالتي هي أحسن، لا سبهم وشتمهم!

([13]) السيد هاشم البحراني، البرهان في تفسير القرآن، الناشر: مؤسسة البعثة، ج4 ص323-324.

([14]) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج7 ص240.

([15]) والسبب في تعزيرهما (حق المعتدى عليه الراد) انه سب أباه ولو كان سبه فسبه لم يستحق الراد العقوبة.

([16]) محمد بن الحسن الحر العاملي، وسائل الشيعة، مؤسسة آل البيت – قم، 1409هـ، ج28 ص202-204.

([17]) سورة النحل: آية 75.

([18]) موقع مؤسسة التقى الثقافية m-alshirazi.com.

([19]) سورة الإسراء: آية 70.

([20]) سورة الأنعام: آية 165.

([21]) سورة فاطر: آية 39.

 

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : الأربعاء 12 رجب 1440هـ  ||  القرّاء : 406



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net