• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : دروس في التفسير والتدبر ( النجف الاشرف ) .
              • الموضوع : 305- وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّه (10) السباب ظاهرة مُعدِية وبحث عن تعارض الروايات في السباب .

305- وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّه (10) السباب ظاهرة مُعدِية وبحث عن تعارض الروايات في السباب

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

(وَلا تَسُبُّوا الَّذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ)

(10)

السباب ظاهرة سيّالة مُعدِية

ووجوه الحل لتعارض الروايات في السباب

 

 

البحث في هذا الدرس يقع في فصلين:

الفصل الأول: مبحث فقهي أصولي.

الفصل الثاني: في الإشارة إلى موعظة أخلاقية تتعلق بالشاكلة النفسية.

اما المبحث الفقهي الأصولي فانه يشكل الامتداد للمبحث السابق والإكمال له، وقد سبق:

 

(وجوه العلاج

وحسب قواعد باب التعادل والتراجيح فان اللازم الفحص أولاً عن وجوه الجمع العرفية بين الروايات المعتبرة التي تبدو متعارضة فان وجدنا جمعاً عرفياً أو وجدنا جمعاً شهدت به روايات أخرى أو قرائن في احدى الروايتين فكلتاهما حجة فيعمل بهما، وإلا فالمرجع قواعد باب التعارض المستقر حينئذٍ من الرجوع إلى المرجحات المنصوصة على المشهور أو الأعم من المنصوصة حسب رأي الشيخ الانصاري قدس سره ومن تبعه، فان فقدت فالأصل الأولي التساقط أو التوقف، والأصل الثانوي التخيير كأصل عملي على رأي وكامارة نوعية على رأي آخر، وذلك كله على غير رأي الآخوند قدس سره الذي يرى الترجيح بالمرجحات والترتيب بينها تفضيلياً لا إلزامياً، وسيأتي الكلام عن ذلك بإذن الله تعالى.

 

وجه جمع عرفي: تعدد إطلاقات (السباب)

وقد يقال: ان هناك وجهَ جمع بين الروايتين وتدل عليه شواهد من الرواية الثانية ومن روايات أخرى أيضاً، ووجه الجمع هذا يبتني على تحقيق أمر هام جداً لم اجده فيمن رأيت كلماتهم، وهو ان للسبّ إطلاقين، أي: له معنيان وليس معنى واحداً فلم يرد النفي والإثبات في الروايتين على أمر واحد...)([1])

 

الخطوات الأصولية في معالجة الروايات المتعارضة

ومزيد التحقيق انه:

 

1- البحث عن الجمع العرفي

أولاً: لا بد من البحث لدى تعارض الروايات المعتبرة – والمراد التعارض في بادي النظر الأعم من البدوي والمستقر – عن وجوه الجمع الدلالي العرفي أو الذي عليه شاهد من الآيات او الروايات، فإن وُجد ذلك فلا يلتفت بعدها إلى اقوائية سند احدى الروايتين من الأخرى، وقد سبق وجه الجمع العرفي بين الروايتين.

 

2- الترجيح بموافقة الكتاب

ثانياً: فإن فُقد الجمع العرفي الدلالي، ووقع التعارض المستقر بين الروايتين فان الترجيح بموافقة الكتاب أو مخالفته، هو المقدم على المرجحات السندية([2]) ككون راوي أو رواة احدى الروايتين أعدل أو أوثق أو أصدق في الحديث أو أورع (وهي المرجحات الأربع في المقبولة) بل ان بعض الأعلام عدّ موافقة الكتاب ومخالفته مرجعاً وليس مرجحاً بمعنى ان مخالف الكتاب ليس بحجة أصلاً أي ليس فيه اقتضاء الحجية وليس انه حجة اقتضاء لكنها مرجوحة مغلوبة لحجة أخرى هي المعارض الأقوى؛ وذلك استناداً إلى صريح الأحاديث التي تفيد ذلك كقوله عليه السلام: ((قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليع واله وسلم بِمِنًى فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ مَا جَاءَكُمْ عَنِّي يُوَافِقُ كِتَابَ اللَّهِ فَأَنَا قُلْتُهُ وَمَا جَاءَكُمْ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ فَلَمْ أَقُلْهُصلى الله عليه واله وسلم([3]) و((كُلُّ شَيْ‏ءٍ مَرْدُودٌ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكُلُّ حَدِيثٍ لَا يُوَافِقُ كِتَابَ اللَّهِ فَهُوَ زُخْرُفٌصلى الله عليه واله وسلم([4]) وقال رسول الله صلى الله عليع واله وسلم: ((إِنَّ عَلَى كُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةً وَعَلَى كُلِّ صَوَابٍ نُوراً فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ فَخُذُوهُ وَمَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ فَدَعُوهُصلى الله عليه واله وسلم ورُوِيَ عن النبي صلى الله عليع واله وسلم  وعن الأئمة عليهم السلام  أنهم قالوا: ((إِذَا جَاءَكُمْ مِنَّا حَدِيثٌ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ فَخُذُوهُ وَمَا خَالَفَهُ فَاطْرَحُوهُ أَوْ رُدُّوهُ عَلَيْنَاصلى الله عليه واله وسلم([5])

فمخالف كتاب الله (زخرف) ولم (أقله) و(اطرحوه) و(دعوه) ويضرب عرض الحائط، ولا ينظر إلى ان سنده أقوى من سند الموافق، وقد حقق في الأصول انه لو تعارضت روايتان خاصتان وكان العام القرآني موافقاً لاحداهما كان مرجحاً أو مرجعاً، بعبارة أخرى: ان هذا المرجح أو المرجع غير خاص بتعارض روايتين احداهما موافقة للكتاب بالتساوي والأخرى معارضة له بالتباين بل قد قيل بعدم وجود مثل ذلك أصلاً فلا يعقل حمل روايات الترجيح بالكتاب على هذا الفرد المعدوم إطلاقاً أو النادر جداً، بل المراد غير هذه الصورة أي المراد: خصوص ما نسبتها إلى الكتاب العزيز من وجه أو الخصوص المطلق، أو الأعم منها جميعاً، وعلى كل التقادير فالكتاب مرجع أو مرجح.

 

وروايات كراهة السباب موافقة للكتاب

هذا كبرىً واما صغرىً فان رواية ((إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِينَ وَلَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ وَذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ كَانَ أَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ وَأَبْلَغَ فِي الْعُذْرِصلى الله عليه واله وسلم([6]) موافقة للكتاب إذ توافق قوله تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً)([7]) و(ادْعُ إِلى‏ سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتي‏ هِيَ أَحْسَنُ)([8]) بل وقوله (وَلا تَسُبُّوا الَّذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ)([9]) في الجملة، كما ان رواية ((أَكْثِرُوا مِنْ سَبِّهِمْصلى الله عليه واله وسلم تخالف تلك الآيات في الجملة أي في مورد تحقق تلك العلة.

 

3- مقارنة الروايتين من حيث قوة الإسناد

ثالثاً: سلّمنا لكن رواية ((إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ...صلى الله عليه واله وسلم المروية في نهج البلاغة ليس مرجوحة سنداً عن رواية ((أَكْثِرُوا مِنْ سَبِّهِمْصلى الله عليه واله وسلم المروية في أصول الكافي؛ وذلك لأن روايات نهج البلاغة لا تقصر في الحجية عن روايات الكافي ولأن مراسيل الثقات المعتمدة لا تقصر في الحجية عن مسانيدهم.

 

أ- مراسيل الثقات المعتمدة حجة

اما الثاني: فلما فصّلناه في كتاب (مراسيل الثقات المعتمدة) كما نقلنا هنالك أقوال جمع من أعاظم الأصوليين كالشيخ الطوسي في العدة (بل سبقه إلى ذلك البرقيان) والشهيد الثاني والشيخ البهائي وكما هو مبنى الشيخ الانصاري والسيد الوالد وغيرهم.

ولا بأس بنقل عبارة الشيخ في العدة لتضمنها احتجاجاً لطيفاً رائعاً على ذلك، فقد ذكرنا في الكتاب([10]): (من القائلين بحجّية مراسيل الثقات مطلقاً

فمن الذين ذهبوا الى حجية مراسيل الثقات بقول مطلق من قدماء الاصحاب "احمد بن محمد بن خالد البرقي" و"ابوه محمد بن خالد" على ما نقل عنهما([11]) بمعنى انهم ذهبوا الى الحجية مطلقا إذا كان المرسل ثقة سواء كان المرسل جليلا من الفقهاء أم لا، صحابياً أم لا، وسواء أ سَقَط راوٍ واحد او أكثر.

 

كلام الشيخ الطوسي في العدة

ومنهم الشيخ الطوسي([12]) على ما هو ظاهر عبارته في عدة الأصول، بل انه ادعى إجماع الفرقة المحقة على ذلك، قال: « فأما ما اخترته من المذهب فهو:

أن خبر الواحد إذا كان واردا من طريق أصحابنا القائلين بالإمامة، و كان ذلك مرويا عن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم أو عن واحد من الأئمة عليهم السلام، وكان ممن لا يطعن في روايته، ويكون سديدا في نقله، ولم تكن هناك قرينة تدل على صحة ما تضمنه الخبر، لأنه إن كانت هناك قرينة تدل على صحة ذلك، كان الاعتبار بالقرينة، وكان ذلك موجبا للعلم - ونحن نذكر القرائن فيما بعد - جاز العمل به.

والّذي يدل على ذلك: إجماع الفرقة المحقة، فإني وجدتها مجمعة على العمل بهذه الأخبار التي رووها في تصانيفهم ودونوها في أصولهم، لا يتناكرون ذلك ولا يتدافعونه، حتى أن واحدا منهم إذا أفتى بشي‌ء لا يعرفونه سألوه من أين قلت هذا؟ فإذا أحالهم على كتاب معروف، أو أصل([13]) مشهور، وكان راويه ثقة لا ينكر حديثه، سكتوا وسلموا الأمر في ذلك وقبلوا قوله، وهذه عادتهم وسجيتهم من عهد النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم ومن بعده من الأئمة عليهم السلام، ومن زمن الصادق جعفر بن محمد عليه السلام الّذي انتشر العلم عنه وكثرت الرواية من جهته، فلو لا أن العمل بهذه الأخبار كان جائزا لما أجمعوا على ذلك ولأنكروه، لأن إجماعهم فيه معصوم لا يجوز عليه الغلط والسهو.

والّذي يكشف عن ذلك أنه لما كان العمل بالقياس محظورا في الشريعة عندهم، لم يعملوا به أصلا، و إذا شذ منهم واحد([14]) عمل به في بعض المسائل، أو استعمله على وجه المحاجة لخصمه و إن لم يعلم اعتقاده، تركوا قوله و أنكروا عليه و تبرءوا من قوله، حتى إنهم يتركون تصانيف من وصفناه و رواياته لما كان عاملا بالقياس، فلو كان العمل بخبر الواحد يجري ذلك المجرى لوجب أيضا فيه مثل ذلك، و قد علمنا خلافه.

فإن قيل: كيف تدعون الإجماع على الفرقة المحقة في العمل بخبر الواحد، و المعلوم من حالها أنه لا ترى العمل بخبر الواحد، كما أن المعلوم من حالها أنها لا ترى العمل بالقياس، فإن جاز ادعاء أحدهما جاز ادعاء الآخر.

قيل لهم: المعلوم من حالها الّذي لا ينكر و لا يدفع أنهم لا يرون العمل بخبر الواحد الّذي يرويه مخالفهم في الاعتقاد، و يختصون بطريقه، فأما ما يكون راويه منهم و طريقة أصحابهم، فقد بينا أن المعلوم خلاف ذلك، وبينا الفرق بين ذلك وبين القياس أيضا، وأنه لو كان معلوما حظر العمل بخبر الواحد لجرى مجرى العلم بحظر القياس، و قد علم خلاف ذلك)([15])..

أقول: الذي يُطعن في رواياته وليس سديداً في نقله، ليس بثقة فيصح القول بانه ـ اي الطوسي ـ ذهب الى حجية مراسيل الثقات كمسانيدهم مطلقا، على ان «السديد في النقل» هو الضابط، ولا يخفى اشتراطه في المسنِد ايضاً فلا فرق بينهما من هذه الجهة.

ولا ينافي هذا ما سننقله عنه مما ظاهره التفصيل فان ذلك في باب الترجيح، قال: ((وإذا كان أحد الراويين معروفا والآخر مجهولا، قدم خبر المعروف على خبر المجهول، لأنه لا يؤمن أن يكون المجهول على صفة لا يجوز معها قبول خبره...صلى الله عليه واله وسلم انتهى([16]).

وقال الشيخ الطوسي: (وإذا كان أحد الراويين مسندا والآخر مرسلا، نظر في حال المرسل، فإن كان ممن يعلم أنه لا يرسل إلا عن ثقة موثوق به فلا ترجيح لخبر غيره على خبره، ولأجل ذلك سوت الطائفة بين ما يرويه محمد بن أبي عمير([17])، و صفوان بن يحيى([18])، وأحمد بن محمد بن أبي نصر([19]) وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عمن يوثق به وبين ما أسنده غيرهم، و لذلك عملوا بمراسيلهم إذا انفردوا عن رواية غيرهم.

فاما إذا انفرد، وجب التوقف في خبره إلى أن يدل دليل على وجوب العمل به([20]).

فأما إذا انفردت المراسيل فيجوز العمل بها على الشرط الّذي ذكرناه، و دليلنا على ذلك: الأدلة التي قدمناها على جواز العمل بأخبار الآحاد، فإن الطائفة كما عملت بالمسانيد عملت بالمراسيل، فبما يطعن في واحد منهما يطعن في الآخر، و ما أجاز أحدهما أجاز الآخر، فلا فرق بينهما على حال.

و إذا كان إحدى الروايتين أزيد من الرواية الأخرى، كان العمل بالرواية الزائدة أولى، لأن تلك الزيادة في حكم خبر آخر ينضاف إلى المزيد عليه.

فإذا كان مع إحدى الروايتين عمل الطائفة بأجمعها فذلك خارج عن الترجيح، بل هو دليل قاطع على صحته وإبطال الآخر.

فإن كان مع أحد الخبرين عمل أكثر الطائفة، ينبغي أن يرجح على الخبر الآخر الّذي عمل به قليل منهم.

وإذا كان أحد المرسلين متناولا للحظر والآخر متناولا للإباحة، فعلى مذهبنا الّذي اخترناه في الوقف يقتضي التوقف فيهما، لأن الحكمين جميعا مستفادان شرعا و ليس أحدهما بالعمل أولى من الآخر.

وإن قلنا: إنه إذا لم يكن هناك ما يترجح به أحدهما على الآخر كنا مخيرين، كان ذلك أيضا جائزا كما قلناه في الخبرين المسندين سواء.

وهذه جملة كافية في هذا الباب»([21]) فتأمل.

وكلامه قدس سره كما قال؛ إذ لم نجد([22]) طوال حياة المعصومين عليهم السلام راوياً يسأل راوياً آخر إذا كان ثقة عنده (ولم تعارضه رواية أخرى) انه هل سمعت هذا بنفسك من الإمام عليه السلام أو انك تنقله بالواسطة؟ ومن هي الواسطة؟ بل إذا سمع أحد الرواة أو العامة من سلمان أو أبي ذر أو مالك أو جابر أو زرارة أو حمران أو يونس رواية، اعتمد عليها من غير استفصال عن كونها مرسلة أو مسندة! وما طرح التفريق بين المرسَل والمسنَد إلا أمر مستحدث لم يعهده معاصروا المعصومين عليهم السلام! ولو كان فرق بينهما لوجب التنبيه ولو في رواية بان عليك الاستفصال وسؤال الراوي عن سلسلة أسانيده والتحقيق عن حالهم أيضاً!

 

كلام السيد الوالد عن تعدد طرق حجية الرواية

وقال السيد الوالد: (وقد ذكرنا في بعض المباحث([23]) أن الحجية قد تكون من جهة تمامية السند بمقتضى بناء العقلاء والآيات والروايات، ومنها: قوله عليه السلام: ((لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتناصلى الله عليه واله وسلم([24]) الحديث.

وقد تكون من جهة قوة المتن، مما تكون دليلاً على الورود عنهم عليهم السلام وإن لم يكن قوي السند، لبناء العقلاء أيضاً، ولشمول ملاك (ثقاتنا) له([25]).

وقد تكون من جهة قوة المؤلف، فيما كان بناء العقلاء الاعتماد على إسناده أو أفاد الاطمينان وذلك كالشريف الرضي رحمه الله([26])، ونحن نرى حجية (نهج البلاغة) وإن لم يتسلسل إسناد العديد من الخطب والكلمات الواردة فيها – لمجموعة من القرائن الخارجية والداخلية -.

وقد تكون من جهة القرائن الخارجية([27])، كما ذكر ذلك العديد من علماء الأصول.

وقد تكون من جهة الشهرة المضمونية، لشمول قوله عليه السلام: ((خذ بما اشتهر بين أصحابك([28])... فإن المجمع عليه لا ريب فيهصلى الله عليه واله وسلم([29]).([30])

 

إشارة لوجه حجية نهج البلاغة

واما الأول: وهو حجية نهج البلاغة([31]) فبيان حاله في ضمن الأمور التالية بما يفيد حجيته دون ريب وبمستوى لا يقصر عن الكافي وعن المسانيد:

 

توثيق الشريف الرضي بأعلى درجات التوثيق

الأول: ان الشريف الرضي وثّق ما جمعه فيه بأعلى درجات التوثيق وبأبلغ العبارات وأجزلها وأقواها قال في مقدمته لنهج البلاغة (ابتدأتُ تأليف كتابٍ في خصائص الأئمة عليهم السلام: يشتمل على محاسن أخبارهم، وجواهر كلامهم، حداني عليه غرضٌ ذكرتهُ في صدر الكتاب، وجعلته أمام الكلام، وفرغتُ من الخصائص التي تخصُ أمير المؤمنين علياً عليه السلام، وعاقت عن إتمام بقيّة الكتاب، محاجزات الأيام ومماطلات الزمان، وكنتُ قد بوّبت ما خرج من ذلك أبواباً وفصّلتهُ فصولاً، فجاء في آخرها فصلُ يتضمن مَحاسِنَ ما نُقل عنه عليه السلام من الكلام القصير في المواعظ والحكم والأمثال والآداب، دون الـخُطب الطويلة والكتب المبسوطة، فاستحسنَ جماعة من الأصدقاء ما اشتمل عليه الفصل المقدّم ذكره معجبين ببدائعه، ومتعجبين من نواصعه، وسألوني عند ذلك أن أبدأ بتأليف كتاب يحتوي على مختار كلام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في جميع فنونه ومتشعبات غصونه من خُطب وكتب ومواعظ، وأدب، علماً أن ذلك يتضّمن من عجائب البلاغة، وغرائب الفصاحة، وجواهر العربية، وثواقب الكلم الدينية والدنيوية، ما لا يوجد مجتمعاً في كلام، ولا مجموع الأطراف في كتاب، إذ كان أمير المؤمنين عليه السلام مَشْرَع الفصاحة ومورِدها، ومنشأ البلاغة ومولدها، ومنه عليه السلام ظهر مكنونها، وعنه أخذت قوانينها، وعلى أمثلته حذا كل قائل خطيب، وبكلامه استعان كل واعظ بليغ، ومع ذلك فقد سبق وقصّروا، وتقدّم وتأخروا، لأن كلامه عليه السلام الكلام الذي عليه مسحة من العلم الإلهي وفيه عبقةٌ من الكلام النبوي، فأجبتهم إلى الابتداء بذلك، عالماً بما فيه من عظيم النَّفع، ومنشور الذِّكر ومذخورِ الأجر، واعتمدت به أن أبيّن عن عظيم قدر أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الفضيلة، مضافةً إلى المحاسن الدثرة والفضائل الجمة، وأنه عليه السلام انفرد ببلوغ غايتها عن جميع السلف الأولين، الذين إنما يُؤثَرُ عنهم منها القليل النادر، والشَّاذّ الشارِدُ، فأما كلامه فهو البحر الذي لا يُساجَل، والجمّ الذي لا يُحافَل.

وأردتُ أن يسوغ لي التمثُّل في الافتخار به عليه السلام، بقول الفرزدق:

أولئك آبائي فجئني بمثلِهِم إذا جمَعَتْنا يا جريرُ الـمُجامعُ

 

    ورأيت كلامه عليه السلام يدور على أقطاب ثلاثة: أوّلها الـخُطَب والأوامر، وثانيها الكتب والرسائل، وثالثها الـحِكَم والمواعظ، فأجمعتُ بتوفيق الله سبحانه وتعالى على الابتداء باختيار محاسنِ الـخُطب، ثم محاسنِ الكُتُب، ثم محاسِن الحِكَم والأدب)([32])‏

وعباراته واضحة صريحة في إسناده القطعي لما اختاره من كلامه عليه السلام إليه عليه السلام إذ انه اعتبرها من (محاسن أخبارهم عليهم السلام وجواهر كلامهم) و(مَحاسِنَ ما نُقل عنه عليه السلام) و(كتاب يحتوي على مختار كلام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في جميع فنونه، ومتشعبات غصونه، من خُطب وكتب، ومواعظ، وأدب، علماً أن ذلك يتضّمن من عجائب البلاغة، وغرائب الفصاحة، وجواهر العربية، وثواقب الكلم الدينية والدنيوية، ما لا يوجد مجتمعاً في كلام، ولا مجموع الأطراف في كتاب) و(لأن كلامه عليه السلام الكلام الذي عليه مسحة من العلم الإلهي وفيه عبقةٌ من الكلام النبوي) و(وأنه عليه السلام انفرد ببلوغ غايتها عن جميع السلف الأولين، الذين إنما يُؤثَرُ عنهم منها القليل النادر، والشَّاذّ الشارِدُ، فأما كلامه فهو البحر الذي لا يُساجَل، والجمّ الذي لا يُحافَل) و(فأجمعتُ بتوفيق الله سبحانه وتعالى على الابتداء باختيار محاسنِ الـخُطب، ثم محاسنِ الكُتُب، ثم محاسِن الحِكَم والأدب).

ويؤكد ذلك انه قدس الله نفسه الزكية كلما لم يعتمد على رواية عبّر برُوي عنه أو قيل.. فتدبر

 

مؤيدات مضمونية أو أدلة على حجيته

الثاني: ان كلمات بعض الأعلام المفصحة عن قوة مضامين نهج البلاغة كاشفة عن ذلك أيضاً فتعد مؤيدة لما قلناه، والمرجع هو إحراز قوة مضامينه بحيث تشهد لصحته، مثلاً فلاحظ ما قال الشيخ هادي كاشف الغطاء: إن ( نهج البلاغة) من كلام مولانا أمير المؤمنين، وإمام الموحدين، باب مدينة العلم، علي بن أبي طالب عليه السلام، من أعظم الكتب الإسلامية شأناً، وأرفعها قدراً، وأجمعها محاسن، وأعلاها منازل، نور لمن استضاء به، ونجاة  لمن تمسَّك بعراه، وبرهان لمن اعتمده، ولب تدبَّره، أقواله فصل، وأحكامه عدل، حاجة العالم والمتعلم، وبُغية الراغب والزاهد، وبُلغة السائس والمسوس، ومُنية المحارب والمسالم، والجندي والقائد، فيه من الكلام في التوحيد والعدل، ومكارم الشيم، ومحاسن الأخلاق والترغيب والترهيب، والوعظ والتحذير، وحقوق الراعي والرعية، وأصول المدنية الحقة، ما ينقع الغلة، ويزيل العلة، لم تُعرف المباحث الكلامية إلا منه، ولم تكن إلا عيالاً عليه، فهو قدوة فطاحلها، وإمام أفضلها)([33])

وقال الاقا بزرك الطهراني: (لم يبرز في الوجود بعد انقطاع الوحى الإلهي كتاب آمن أمس به مما دُوَّنَ في نهج البلاغة، نهج العلم والعمل الذي عليه مسحة من العلم الإلهي، وفيه عبقة من الكلام النبوي، وهو صدف لئالي الحكم، وسفط يواقيت الكلم، المواعظ البالغة في طي خطبه وكتبه تأخذ بمجامع القلوب، وقصار كلماته كافلة لسعادة الدنيا والآخرة، ترشد طلاب الحقائق بمشاهدة ضالتهم وتهدي أرباب الكياسة لطريق سياستهم وسيادتهم، وما هذا شأنه حقيق أن يَعتكِف بفنائه العارفون وينقبه البحاثون، وحري أن تكتب حوله كتب ورسائل كثيره حتى يشرح فيها مطالبه كلاً أو بعضاً، ويترجم إلى لغات أخر؛ ليغترف أهل كل لسان من بحاره غرفة)([34])

وقال السيد محسن الأمين: (ولما كان نهج البلاغة له منه عليه شواهد، وهو كسائر كلام علي عليه السلام كما قيل عنه: ((انه بعد كلام النبي صلى الله عليع واله وسلم فوق كلام المخلوق، ودون كلام الخالقصلى الله عليه واله وسلم لا يرتاب في ذلك إلا أمثال من يريد التشكيك في الشمس الضاحية)([35])

والعمدة والمستند: ان الطريق إلى صحة الرواية لا ينحصر في صحة السند بل قد تكون قوة المحتوى والمضمون أو روعة الأدب والسمو في الفصاحة والبلاغة على سائر العرب، طريقاً مساوياً أو أقوى، كما قد تكون مطابقة المضمون للكتاب العزيز أو للشهرة الروائية أو الفتوائية أو شبه ذلك، هي الطريق إلى إحراز صحة المضمون، لدى نوع العقلاء.

 

رواية ((إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ...صلى الله عليه واله وسلم مستفيضة

الثالث: ان هذه الرواية ربما يقال بكونها مستفيضة لرواياتها في كتب العامة والخاصة، فراجع مصادر نهج البلاغة للسيد عبد الزهراء الخطيب وغيره. وتأمل

 

4- رواية ((أَكْثِرُوا مِنْ سَبِّهِمْصلى الله عليه واله وسلم معارضة للكتاب في مورده

رابعاً: سلّمنا ان رواية ((إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ...صلى الله عليه واله وسلم مرجوحة سنداً، ولنفرض انها ساقطة في مورد المعارضة اعتباراً، فان رواية ((أَكْثِرُوا مِنْ سَبِّهِمْصلى الله عليه واله وسلم تعارض حينئذٍ نص الكتاب أي قوله تعالى (وَلا تَسُبُّوا الَّذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) كلما لزم هذا المحذور (أي محذور ان يسبوا الله بغير علم مع تعميمه بنص الروايات لسب الرسول والأئمة والزهراء عليهم السلام كما سبق نقل بعض الروايات) ولا شك في تقدم الكتاب على الرواية، خاصة وانه ببركة التعليل فهو نص في مضمونه، فتدبر.

نعم، لو رفض شخص الوجوه الاربع السابقة، كانت رواية ((أَكْثِرُوا مِنْ سَبِّهِمْصلى الله عليه واله وسلم أرجح سنداً من رواية ((إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ...صلى الله عليه واله وسلم فلاحظ وتدبر وتأمل وراجع أيضاً ما ذكرناه حول مرجعية الفقهاء في الشؤون العامة ومنها هذا الشأن، واشتراط الشورى ورأي أهل الخبرة في حجية التشخيص والتطبيق. والله الهادي العاصم.

 

موعظة أخلاقية: الطبع سَرّاق والحالات النفسية سيّالة مُعدِية

الفصل الثاني: ويتضمن موعظة أخلاقية – مفتاحية هامة، وهي ان الفقيه لو توصل إلى جواز أو وجوب سبّ بعض الفئات، كأهل الريب والبدع، بعد استقرائه كافة الأدلة، وبحسب الشروط التي اعتقد بها، فان من الطبيعي حينئذٍ ان يتبعه مقلدوه وان تتحول هذه بالتدريج إلى ظاهرة فيهم إذ كان رأيه حجة عليهم، وهنا موطن النصيحة الأخلاقية وهي ان طبع الإنسان سرّاق أولاً وان الإنسان عادة لا يمكنه التفكيك بين الملفات ثانياً فان من اعتاد سب الجيران فانه سيسب أهله أيضاً ومن اعتاد سب الأهل فانه سيسب أصدقائه أيضاً كلما لم يوجد محذور مانع، ولذلك نجد ان الجندي إذا اعتاد الخشونة في المعسكر فانه سيتعامل كذلك بخشونة مع موظفيه إذا أسس شركة أو مع تلامذته إذا أصبح معلماً أو مع أهله إذا صار زوجاً فأباً، فهذه هي طبيعة الإنسان، ولا يمكن الفصل بين الملفات النفسية - الاجتماعية إلا للاوحدي أو لمن قام حكيم من الحكماء على تربيته بتركيز شديد على فصلها تماماً ليكون مثلاً في ساحة الحرب البطل المغوار المقدام والمقاتل الشرس العنيد ويكون مع أصدقائه وأهله الهيّن اللّين الهش البش المتواضع الخلوق المجازي للإساءة بالإحسان.

 

الواجب ان لا تسري حالة السباب إلى الدوائر المحرمة

وإذا كان ذلك كذلك وهو كذلك، فإن من أهم الواجبات على من يرون وجوب سباب أهل الريب والبدع، بأي حدّ وبأية درجة أو كيفيةٍ رأوها، هو التوجيه المركز والتأكيد المشدد والبرمجة الشاملة المستوعبة لكي لا يتجاوز إتباعهم الحدود فيتحول السباب لديهم إلى طبيعة ثانوية سيالة متعدية من سباب أهل الريب والبدع، إلى سباب الجهات أو التيارات الأخرى لمجرد اختلافهم معهم في المرجعية أو في الحزب أو التيار أو العشيرة أو النقابة أو الاتحاد، أو يتحول إلى سباب الآخرين لمجرد الاختلاف معهم على شأن من شؤون المؤسسة أو المسجد أو الحسينية، أو على أمر إداري أو اقتصادي أو اجتماعي أو عائلي أو شبه ذلك؛ ذلك ان المشاهَدَ ان الناس عادة لا يملكون ملكة المحافظة على الحدود العازلة بين دائرة الواجب ودائرة المحرم: فانه لئن كان سباب أهل البدع والريب واجباً – حسب نظر هذا الفقيه – فان سب المؤمنين لمجرد اختلاف إداري أو ثقافي أو عملي أو شبه ذلك، حرام قطعي.

 

كلام السيد الوالد عن التكفير والتفسيق

قال السيد الوالد: (الاتهام والتكفير والتفسيق

الثاني والأربعون: من فلسفة التأخر بل الانحطاط والتحطم، ما اعتادته بعض التيارات الإسلامية من توزيع الاتهامات والتكفير والتفسيق وما أشبه.

وليعلم أمثال هؤلاء أنهم يسعون في تحطيم أنفسهم، بله إن الناس لا يلتفون حولهم)([36]).

(وعلى أي، فالتكفير والتفسيق والحط من كرامات الناس يوجب أموراً:

*الأول:* إهانة الأفراد والحط من كراماتهم وتعريضهم للإذلال والتحقير، وكل ذلك محرم في الشريعة الإسلامية، ولا يمكن أن يكون فاعلها مورد اعتماد المسلمين وثقتهم)([37]).

 

من رَوَى على مؤمن روايةً أخرجه الله من ولايته فلا يقبله الشيطان!

أقول: وقد قال الإمام الصادق عليه السلام ((مَنْ رَوَى عَلَى مُؤْمِنٍ رِوَايَةً يُرِيدُ بِهَا شَيْنَهُ وَهَدْمَ مُرُوءَتِهِ لِيَسْقُطَ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْ وَلَايَتِهِ إِلَى وَلَايَةِ الشَّيْطَانِ فَلَا يَقْبَلُهُ الشَّيْطَانُ([38]).

 

الوجه في رفض الشيطان لقبوله

وفي هذه الرواية الشريفة نكات لطيفة شريفة:

منها: ان الولاية يمكن ان تكون بفتح الواو (الوَلايَة) ويمكن ان تكون بكسرها (الوِلاية) والوَلاية بالفتح تعني المحبة والنصرة، والوِلاية بالكسر تعني السلطة والحكومة.

وكلاهما في الرواية محتمل، فعلى الأول: يكون المعنى ان الله تعالى يخرجه من محبته له ونصرته له ثم لا يقبله الشيطان من دائرة محبيه ودائرة من ينصره، وعلى الثاني يكون المعنى: يخرجه الله من سلطانه وحكومته اعتباراً فلا يقبله الشيطان في حكومته ومملكته! وذلك نظير الحكومات التي قد تسقط جنسية أحدهم وتخرجه من مملكتها ثم لا تقبله الدولة الأخرى أبداً!.

ولكن لماذا لا يقبله الشيطان في دائرة محبيه ولا في مملكته وسلطانه؟

يمكن تعليل ذلك بوجوه:

منها: ان الشيطان لا يهمه أبداً ان يكون الضٌّلّال من دائرة مملكته وسلطانه أو من محبيه وخِلاّنه؛ فان الشيطان لا يحب الإنسان ولا يحتاجه وإنما هدفه تدمير الإنسان وتحطيمه وإذلاله واشقاؤه في الدنيا والآخرة لما يحمله من الحقد الدفين على آدم وذريته، قال تعالى (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْديهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرينَ)([39])، ثم انه لا تزداد بالضلّال قوة الشيطان فانه أقوى من البشر، في دائرة سلطانه، بما لا قياس.

وذلك هو ما استظهره العلامة المجلسي إذ قال في شرحه لهذه الرواية: (ولا يخفى ما في هذه الوجوه لا سيما في الأخيرين على من له أدنى مِسكة، بل المراد: إما المحبة والنصرة فيقطع الله عنه محبته ونصرته ويكله إلى الشيطان الذي اختار تسويله وخالف أمر ربه، وعدم قبول الشيطان له لأنه ليس غرضه من إضلال بني آدم كثرة الأتباع والمحبين فيودّهم وينصرهم إذا تابعوه بل مقصوده إهلاكهم وجعلهم مستوجبين للعذاب للعداوة القديمة بينه وبين أبيهم، فإذا حصل غرضه منهم يتركهم ويشمت بهم ولا يعينهم في شي‏ء لا في الدنيا كما قال سبحانه فمثله (كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِنْكَ) وكما هو المشهور من قصة برصيصا وغيره ولا في الآخرة لقوله (فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ).

أو المراد التولي والسلطنة أي يخرجه الله من حزبه وعداد أوليائه ويعده من أحزاب الشيطان وهو لا يقبله لأنه يتبرأ منه كما عرفت، ويحتمل أن يكون عدم قبول الشيطان كناية عن عدم الرضا بذلك منه بل يريد أن يكفره ويجعله مستوجبا للخلود في النار)([40]).

الثاني: ما قيل من ان الشيطان يرى هذا المغتاب لإخوانه، في ادنى درجات الخساسة والدناءة فلا يشرّفه أبداً ان ينتمي مثله إليه! وذلك لأن الشيطان عندما عارض السجود لآدم وعندما حسده لم يقم بحملة تسقيط ضده! ولم ينشغل بغيبته وتهمته ليسقط من أعين الملائكة مثلاً، بل غاية ما فعله انه اعترض على الله في تفضيله عليه بقوله: (خَلَقْتَني‏ مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طينٍ)([41]) ولذلك وحيث يرى الشيطان منتهى دناءة من يغتاب أخاه ويسقطه من أعين الناس لمجرد خلاف إداري أو مالي، وحيث يراه شريراً إلى درجة لا تطاق فانه لا يقبله في مملكته وسلطانه ولا يعتبره من أودائه وخِلّانه! وقال العلامة المجلسي: (السرّ في عدم قبول الشيطان له أن فعله أقبح من فعل الشيطان لأن سبب خروج الشيطان من ولاية الله هو مخالفة أمره مستندا بأن أصله أشرف من أصل آدم عليه السلام ولم يذكر من فعل آدم ما يسوء به ويسقطه عن نظر الملائكة، وسبب خروج هذا الرجل من ولايته تعالى هو مخالفة أمره عز وجل من غير أن يسندها إلى شبهة إذ الأصل واحد وذكره من فعل المؤمن ما يؤذيه ويحقره وادعاء الكمال لنفسه ضمنا وهذا إدلال وتفاخر وتكبر فلذا لا يقبله الشيطان لكونه أقبح فعالا منه على أن الشيطان لا يعتمد على ولايته له لأن شأنه نقض الولاية لا عن شي‏ء فلذلك لا يقبله انتهى)([42])

ولا يخفى ان الوجه الأول أقرب، وإنما ذكرنا الثاني لظرافته ولطافته.

 

سائر سلبيات اغتياب الناس وتسقيطهم

ثم قال السيد الوالد: (الثاني: إضاعة الأهداف السامية، إذ الناس يقعون في حيرة من أمرهم، هل أهل التكفير والتفسيق وما أشبه على حق؟ فان التيار إن كان صادقاً في دعواه أنه يريد ترويج الإسلام وتقديمه إلى الأمام والوصول إلى الحكم الإسلامي كيف يكون هو بنفسه آخذاً بمعول الهدم لتحطيم الإسلام أولاً في أنظار كثير من الناس، ولتحطيم نفسه ثانياً؟

الثالث: إيجاد جو من سوء الظن والفساد بين المسلمين، وبذلك تنصرف الألسنة والأقلام والأفكار إلى الهجوم والدفاع بدل صرفها في التقديم والتقدم.

الرابع: إيجاد جو صالح للاستعمار والاستثمار، ولتقدم أعداء الإسلام وسيطرتهم على المسلمين، حيث يعرفون بذلك نقاط الضعف في المسلمين، فيأخذون في الهجوم عليهم.

الخامس: انعزال الصالحين عن الميدان، حيث إن الصالحين قلماً ولساناً وأخلاقاً يبتعدون عن الاجتماعات الموبوءة، قال سبحانه: (إِنَّ الَّذينَ فَرَّقُوا دينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ في‏ شَيْ‏ءٍ)، وبذلك تخسر الحركة الإسلامية الهدف والسمعة في وقت واحد معاً.

السادس: وحينما يكون الجو مشحوناً بالتوتر وانزواء الصالحين، ينفسح المجال أمام المتزلفين والمتملقين ووعاظ السلاطين وفقهاء البلاط لهدم الإسلام والمسلمين.

السابع: وبذلك يتحطم العمق الإسلامي في كل الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتربوية والفكرية وغيرها، لأن الفراش يصبح الجوال في الميدان، على مثل معروف في الألسنة، فلا عمق ولا تعميق، ولا حق ولا تحقيق، ولا لب ولا تلبيب، وإنما قشور وظواهر وسطوح ومظاهر، ومثل هذه الحياة ظلمات بعضها فوق بعض)([43]).

ثم قال: (وقد كان من نصائح والدي رحمه الله لي أن قال: لا ترد السيئة، فإنه إذا سّبك إنسان كان هناك سّب واحد، أما إذا رددته يكون هناك سبان، وسّب واحد أقل شراً من سبّين، وقال رحمه الله: وعلاج ذلك أن ترد السيئة بالحسنة.

ويحكى عن الشيخ البهائي رحمه الله أنه اغتابه إنسان فأهدى إليه سلة من الفواكه)([44])

 

لماذا أهدى الشيخ البهائي سلة الفواكه لمن اغتابه!

أقول: ولعل الوجه في إهداء الشيخ البهائي سلة الفواكه إليه أمران:

الأول: انها هدية في مقابل خدمة عظيمة أسداها له من اغتابه! وذلك لأن الأعمال الصالحة تنتقل من المغتاب بالكسر إلى المغتاب بالفتح، أي انه إذا كان قد صلى مثلاً صلاة الليل بخشوع أو كان قد تصدق بصدقة عظيمة بخلوص نية بدون رياءٍ وسمعة فأعطاه الله بها قصوراً فخمة عظيمة في الجنة فانه بغيبته لزيد مثلاً يعوض الله زيداً بان ينقل قصر من اغتابه إليه! أفلا يستحق هذا الشخص ان يهديه المغتاب هدية بل هدايا!

والآن فكر أيها القارئ الكريم معي: لو ان كل من اغتابه شخص فكّر بهذه الطريقة فانه قطعاً سوف لا ينشغل بالردّ ولا النزاع والصراع وسوف لا تروج بضاعة السباب والغيبة بعدها أبداً!

الثاني: ان ذلك – وكما ألمحنا إليه – طريق فاعل لإغلاق بوابات الغيبة والعداوات بين المؤمنين إذ ان الشخص إذا سبّ شخصاً آخر أو اتهمه فتواضع وأهداه هدية – بطريقة لطيفة – فانه عادة – سوف يستشعر الذنب وسيخجل من نفسه بل وسيتحول إلى صديق بالتدريج قال تعالى (ادْفَعْ بِالَّتي‏ هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَميمٌ * وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظيمٍ)([45]) فإن لم يخجل ولم يرتدع في المرة الأولى فانه سيخجل في المرة الثانية أو الثالثة أو حتى العاشرة والعشرين... وستجد حينئذٍ المجتمع مجتمعاً إيمانياً مثالياً نموذجياً طوباوياً لا نظير له – ربما – حتى في أحلام أشد الناس تفاؤلاً!

 

 

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

 

 

----------------------------------------------

([1]) الدرس (302) بتصرف.

([2]) بل وعلى الترجيح بموافقة أو مخالفة العامة، واما الترجيح بالشهرة فحسب المقبولة فانه المقدم، إن لم نقل بمقالة الآخوند في الترتيب، وههنا كلام لا يسعه المقام.

([3]) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج1 ص69.

([4]) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج1 ص69.

([5]) الشيخ الطوسي، التهذيب، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج7 ص275.

([6]) نهج البلاغة : الخطبة 206 ، بحار الأنوار : ج 32 ص 561 ح 466 .

([7]) سورة البقرة: آية 83.

([8]) سورة النحل: آية 125.

([9]) سورة الأنعام: آية 108.

([10]) (حجية مراسيل الثقات المعتمدة - الصدوق و الطوسي نموذجاً -) ص13-14.

([11]) الرواشح السماوية (للميرداماد م1041‏): ص254، مبحث حجية المراسيل، اذ نقل ذلك عن احمد بن محمد بن خالد، وقال المحقق القمي في القوانين ج1 ص478: (نسبه ابن الغضائري الى احمد بن محمد بن خالد البرقي). وايضاً: أصول علم الرجال (للشيخ الداوري): ج1 ص409، اذ نقل ذلك عنهما معا.

([12]) هذا إذا فسرنا الاطلاق والتفصيل بما سبق «سواء كان المرسل جليلاً...‏» والّا فهو مفصّل، وعلى اية حال فالإطلاق والتفصيل اضافيان، فلاحظ ذلك في جملة مما نقلناه من الكلمات فقد يلحق المطلِق بالمفصِّل او بالعكس على حسب المقصود من الاطلاق. فلاحظ وتدبر.

([13]) المقصود من الأصل عند الإمامية: هو الكتاب الّذي جمع فيه مصنفه الأحاديث التي رواها عن الإمام المعصوم مباشرة أو عن الراوي من الإمام المعصوم، لا منقولا عن كتاب مدون فيه روايات الإمام عليه السلام. و لم يعرف بالضبط عدد أصحاب الأصول المؤلفين لها، إلا أن المشهور عند قدماء الإمامية أنهم لم يكونوا أقل من أربع مائة رجل و هم أصحاب و تلاميذ الإمامين الصادق و الكاظم عليهما السلام، و قد اعتمدت الإمامية على هذه الأصول في استنباط الأحكام الشرعية، و تعتبر هذه الأصول المادة الأساسية للمدونات الروائيّة الكبرى عند الإمامية أي الكافي، و من لا يحضره الفقيه، و التهذيب، الاستبصار. راجع:

[الذريعة 2: 135 - 125].

([14]) ممن نسب إليه العمل بالقياس فتركوا لذلك العمل بتصانيفه و آرائه محمد بن أحمد بن الجنيد الإسكافي (توفي قبل 377 ه).

انظر: «رجال النجاشي، رجال الشيخ الطوسي، رجال العلامة، رجال المامقاني، و معجم رجال الحديث 14: 323 - 318».

([15]) الشيخ الطوسي، العدة في أصول الفقه، ج1 ص126-128.

([16]) ما نقلناه من كتاب حجية مراسيل الثقات المعتمدة.

([17]) هو محمد بن زياد بن عيسى الأزدي البغدادي، من متقدمي شيوخ الإمامية و من أصحاب الإمامين الكاظم و الرضا عليهما السلام جليل القدر، عظيم المنزلة و من الثقات. كان جلدا في تشيعه، حبس أربع سنوات أيام الرشيد و المأمون و عذب ليدل على أسماء الشيعة لكنه صبر و قاوم ففرج اللَّه عنه، و قيل أن أخته دفنت كتبه أيام حبسه فهلكت الكتب، فكان يحدث من حفظه، و الإمامية تعتمد على مراسيله و تعتبرها مسانيد، صنف 94 كتابا في مختلف المجالات، و توفي ببغداد سنة 217 ه.

([18]) هو صفوان بن يحيى البجلي، الكوفي، من الفقهاء و المحدثين الثقات، كان بياعا للسابري (نوع من الثياب)، عد من أورع الناس و أتقاهم و كانت له منزلة من الزهد و العبادة كثير الخشوع و الصلاة. كان من أصحاب الإمامين الكاظم و الرضا عليهما السلام و روى عنهما، صنف ثلاثين كتابا - توفي سنة 210 ه.

([19]) هو أحمد بن محمد بن عمرو البزنطي الكوفي، من الفقهاء و المحدثين الثقات، صحب الإمامين علي بن موسى الرضا و الجواد عليهما السلام و روى عنهما، توفي سنة 221 ه.

([20]) الظاهر ان في هذا الجملة (فاما إذا انفرد، وجب التوقف في خبره إلى أن يدل دليل على وجوب العمل به) خطأ ما، ولعلها زائدة خطأ.

([21]) الشيخ الطوسي، العدة في أصول الفقه، ج1 ص154-155.

([22]) ومن وجد (بالشرطين في المتن) فليرشدنا إليه، وله الشكر والفضل.

([23]) راجع (الأصول) و(الوصول إلى كفاية الأصول) للسيد محمد الحسيني الشيرازي قدس سره.

([24]) وسائل الشيعة: ج149-150 27 ب11 ح33455.

([25]) الملاك: (الوثاقة) كما تطرق له السيد محمد الحسيني الشيرازي قدس سره في (الأصول).

([26]) الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام، ولد في بغداد عام 359هـ من أسرة شريفة وأصيلة، يصل نسبه إلى الأئمة المعصومين عليهم السلام. يعود نسبه من أبيه إلى الإمام الكاظم عليه السلام، ومن أمه إلى الإمام السجاد عليه السلام. وهو عالم مفكر ذو ذكاء خارق وفهم عالٍ، أسس مدرسة علمية في بغداد قام فيها بتربية وتدريس طلاب العلوم الدينية وفيها مكتبة كبيرة. لقبه بهاء الدولة سنة 388ه‍ ب‍((الشريف الجليل))، ولقب سنة 398ه‍ ب‍ ((ذي المنقبتين))، وفي تلك السنة لقبه بهاء الدولة ب‍((الرضي ذي الحسبين))، ولقبه أيضاً قوام الدين ب‍ ((الشريف الأجل)).

له مؤلفات قيمة وعلى رأسها جمعه كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب أسماه (نهج البلاغة).

توفي عام 406ه‍ في السابعة والأربعين من عمره، بعد عمر قضاه في خدمة الإسلام والتشيع، ودفن في الكاظمية بجوار قبر الإمامين الكاظم والجواد عليهم السذم.

([27]) بعض ما سبق وسيأتي من مصاديق ذلك كما لا يخفى، فهو من باب ذكر الخاص بعد العام أو قبله.

([28]) حيث يستفاد الشمول للشهرة الفتوائية أيضاً.

([29]) راجع وسائل الشيعة: ج106- 107 27 ب9 ح33334.

([30]) السيد محمد الحسيني الشيرازي، من فقه الزهراء، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر – بيروت، ج1 ص6-7.

([31]) وعدم قصوره عن الكافي الشريف.

([32]) السيد الشريف الرضي، نهج البلاغة، دار الكتاب اللبناني – بيروت، ج1 ص34-35.

([33]) مستدرك نهج البلاغة: 3.

([34]) آقا بزرك الطهراني، الذّريعة إلى تصانيف الشّيعة، الناشر: إسماعيليان – قم، ج4 ص144.

([35]) السيد محسن الأمين، أعيان الشيعة، دار التعارف للمطبوعات – بيروت، ج1 ص535.

([36]) السيد محمد الحسيني الشيرازي، موسوعة الفقه، ج 102 ص 230 – 233.

([37]) السيد محمد الحسيني الشيرازي، موسوعة الفقه، ج 102 ص 230 – 233.

([38]) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج2 ص358.

([39]) سورة الأعراف: آية 17.

([40]) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء – بيروت، ج72 ص168.

([41]) سورة الأعراف: آية 12.

([42]) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء – بيروت، ج72 ص168.

([43]) السيد محمد الحسيني الشيرازي، موسوعة الفقه، ج 102 ص 230 – 233.

([44]) المصدر نفسه.

([45]) سورة فصلت: آية 34-35.

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3537
  • تاريخ إضافة الموضوع : الاربعاء 18 شعبان 1440هـ
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 09 / 23