• الموقع : مؤسسة التقى الثقافية .
        • القسم : الفوائد والبحوث .
              • الموضوع : 339- فائدة أصولية كلامية: تحقيق في قاعدة الملازمة بين حكمي العقل والشرع .

339- فائدة أصولية كلامية: تحقيق في قاعدة الملازمة بين حكمي العقل والشرع

التحقيق في قاعدة الملازمة بين حكمي العقل والشرع[1].
اعداد: الشيخ محمد علي الفدائي

نسب بعض متأخري الأصوليين تمامية الملازمة وقبولها إلى جماعة من الأصوليين، بينما نسب تماميتها إلى المشهور في موضع آخر من كتابه.
ولكن ذلك ليس بدقيق؛ إذ ليست الملازمة دعوى جماعة من الأصوليين، ولا مشهورهم، بل هي أمر شبه مجمع عليه كما ذكر ذلك الشيخ الأنصاري (رحمه الله) في كتابه مطارح الأنظار، حيث قال في المجلد الثاني:
(إن الحق ـ كما عليه المحققون ـ: ثبوت الملازمة الواقعية بين حكم العقل والشرع، وهذا الحكم هو مفاد قولنا كل ما حكم به العقل حكم به الشرع)[2].
ثم قال: (بقطع العقل الخالي عن شوائب الوهم بخلافه فإان العقل إذا أدرك حسن الشيء على وجه يستحق فاعله الثواب وجزاء الخير فقد أدرك من كل عاقلٍ حكيمٍ شاعرِ، فكيف بمن هو خالقهم؟ وكذلك إذا أدرك قبح الشيء فكذلك، ولعمري إن الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع بهذا المعنى مما لا يقبل الإنكار فإنها نار على منار)[3].
ثم قال: (ومما يعد من الوجوه الدالة على ثبوت الملازمة الواقعية بين حكمي العقل والشرع، الإجماع بأقسامه نقلاً وتحصيلاً مركباً وبسيطاً)[4] ويذكر وجوه ذلك.
ثم قال: (وبالجملة فمن تدبر في مطاوي كلماتهم وفي مجاري استدلالاتهم وموارد ثمراتهم وتحرير عنواناتهم لا يكاد يرتاب في ثبوت الملازمة بعد تسليم صغرى الإدراك)[5].
وعليه: فإن الإجماع على قاعدة الملازمة ثابت أو يكاد أن يكون كذلك، ولعل ذلك العَلَم الأصولي لم يلاحظ تتمة كلام الشيخ (رحمه الله) في المطارح.
ولتأكيد كلام الشيخ الأنصاري (رحمه الله) ـ مبدئياً ـ ننقل كلام الشيخ محمد تقي الاصفهاني (رحمه الله) في كتابه هداية المسترشدين لأهميته وفائدته، قال (رحمه الله):
(ثالثاً: إنه إذا قيل بإدراك العقل الحسن والقبح على نحو ما ثبت في الواقع، فهل يثبت بذلك حكم الشرع به كذلك فيكون ما تعلق به واجباً أو محرماً في الشريعة مثلاً على نحو ما أدركه العقل أو لا يثبت الحكم الشرعي إلا بتوقيف الشارع، وبيانه فلا وجوب ولا حرمة ولا غيرهما من الأحكام الشرعية إلا بعد وروده في الشريعة! ولا يترتب ثواب ولا عقاب على فعل شيء ولا تركه إلا بعد بيانه، فالمعروف من المذهب هو الأول، بل الظاهر إطباق القائلين بالحسن والقبح عليه عدا شذوذ منهم، فإنهم يقولون بالملازمة بين حكم الشرع والعقل فكل ما حكم به العقل حكم به الشرع وبالعكس)[6].
فليلاحظ قوله: (فالمعروف من المذهب)، وقوله: (بل الظاهر إطباق...)، وما قاله الشيخ من: أن الإجماع محصلاً ومنقولاً بسيطاً ومركباً متحقق في المقام.

ضرورة تحليل معاني مفردات قاعدة الملازمة
على الرغم من دعوى الإجماع على قاعدة الملازمة، فإنه ينبغي تحقيق معنى مفردات قاعدة الملازمة، وكذلك معقد الإجماع بأقسامه، وبتحقيق ذلك سيتضح وجه الرأي المنصور، حيث نقول:
يجب تحديد مرجع الضمير في قاعدة الملازمة: (وهي كل ما حكم به العقل حكم به الشرع) فما هو مرجع الضمير في (به) في رأي المشهور أو الإجماع؟
ثم إنه يجب تحديد منشأ القبح، فإنه قد يكون الاقتضاء الذاتي أو الانبغاء، ولعل هذا هو محط نظر المجمعين والمشهور، وقد يكون منشأه هو تباني العقلاء عليه، ولعله محط نظر بعضهم.
وأما مناشئ القبح الأخرى فإن فيها تأملاً ولا ملازمة ظاهراً، كما أنه لا يعلم أن المشهور قد بنوا عليها في الملازمة، بل إنهم لم يطرحوها بالمرة، فلا يصح أن نقول: بأنهم يرتؤون الملازمة بين القبح مطلقاً ـ بأي معنى من المعاني العشرة ـ، وبين حكم الشرع بالحرمة أو بين الحسن والوجوب، بل لا بد من تحرير محل كلامهم ومعقد إجماعهم.
وهذا هو محل البحث في هذه الفائدة.

مناقشة كبرى الملازمة بوجوه
ويمكن مناقشة الكبرى المذكورة ـ دعوى الملازمة بين حكم العقل بقبح شيء وحكم الشرع بحرمته، أو الملازمة بين الحسن والوجوب ـ بوجوه عديدة:

الوجه الأول: إنّ بعض مناشئ القبح العقلي العشرة محرِّم لا كلها
وهذا الوجه يستند إلى تحقيق نوع القبح وتحديده من بين الأنواع العشرة[7]، إذ ليس كل نوع من أنواع القبح مما لو حكم به العقل حكم الشرع على طبقه حرمةً أو وجوباً، وذلك:
أ. لأن من أنواع القبح والحسن: النقص والكمال، فالناقص قبيح والكامل حَسَن، كالعلم والجهل، ولكن هل حكم العقل بحسن مطلق العلم دليل على إيجاب الشرع له؟
كلا؛ فإنه لا حكم من الشارع بوجوب كل علم، نعم العلم مستحب، غاية الأمر أن بعض أصنافه واجبٌ بوجه آخر.
ب. وكذلك الأمر في الملاءمة للطبع، فهل كل ما لاءم الطبع قد حكم الشرع بوجوبه؟ كما لو كان أحدهم يتلاءم طبعه مع الجو المعتدل أو مع الفراش الجيد، وكان الفراش الخشن أو الحر أو البرد مما تنفر منه نفسه وطبعه، فهل يحكم العقل بحرمته؟
وكذلك الحال في إصدار الأصوات العالية من غير إيجاب ضرر على الآخرين ـ وإلا حرم من هذه الجهة ـ، فهل هي محرمة شرعاً؟
وكذلك النظر إلى منظر مزعج تنكمش نفسه منه فهل هذا حرام؟ والجواب: قطعاً لا.
ج. وكذلك الحال في عدم تطابق العوالم وقبحه، فهل كل عدمِ تطابقٍ قبيحٌ؟ كأن يرسم أحدهم شجرة بما لا يطابق الواقع الخارجي عامداً، فهل هذا حرام؟ كلا، غاية الأمر أنه مرجوح أو مبغوض عقلائياً أو شرعياً.
د. بل نقول: إنه حتى في الانبغاء واللاانبغاء ـ وهو أقوى أسباب القبح أو الحسن، مما عبرنا عنه بالاقتضاء الذاتي ـ لا تصح دعوى الملازمة، وأن الكذب حرام لقبحه، والصدق واجب لاقتضائه لذاته الحسن، فلو سلمنا مثلاً أن الكذب حرام، ولكن هل الصدق مطلقاً واجب؟ كلا؛ وذلك أن الصدق والكذب ضدان لهما ثالث هو السكوت، والصدق بين واجب ومستحب فهو على نوعين؛ الصدق في الشهادة وغيرها من الأمور الخطيرة التي يتوقف عليها إحقاق الحق وهذا واجب، وأما القسم الآخر من الصدق فلا، وذلك كمن ذهب في سفر معين فصادف في طريقه الكثير من التفاصيل المباحة، فهل عليه أن ينقل جميع التفاصيل من المباحات؟ كلا؛ بل له أن يسكت، فالصدق والكذب ضدان ولها ثالث وهو السكوت.
فالقبح في الكذب اقتضى الحرمة، إلا أنّ الحسن في الصدق لم يستلزم الإيجاب.
وعليه: فإنه حتى في الحسن والقبح بمعنى الاقتضاء الذاتي يوجد هناك تفصيل، ولا إطلاق في التلازم.
والمتحصل: إنّه ليس كل نوع من أنواع القبح مما لو حكم العقل به حكم الشرع بحرمته، وكذا الحسن والوجوب، بل يحكم العقل بالرجحان الأعم من الوجوب والاستحباب.

الوجه الثاني: أنّ القبح والحسن حقيقة ذات مراتب بعضها محرم
إن الحسن والقبح هما من الحقائق التشكيكية ذات المراتب المختلفة، فإنّ الحسن الشديد يقتضي الإيجاب، والقبح الشديد بحيث يرى العقل المنع من نقيضه يقتضي الحرمة، وهما على القاعدة، فلا تلازم بقول مطلق، بل الحق هو الانفكاك والتفصيل بين المراتب النازلة الضعيفة ممّا يحسِّنه العقل ويقبِّحه من الرذائل والفضائل كالصدق أو الكذب وغيره.
والحاصل: إن التلازم متحقق في بعض الصور والأنواع، لا كلها، فهو في الجملة لا بالجملة.

الوجه الثالث: إنّ المصلحة أو المفسدة الضعيفة لا تقتضي الإلزام
بل الكلام في نفس المصلحة والمفسدة كذلك، باعتبارهما من مناشئ الحسن والقبح بل هما المنشأ الوحيد لحرمة الكذب عند كل من المحقق الايرواني والسيد الخوئي و الشيخ التبريزي، ولكن الأظهر هو: أنه ليس كلما حكم العقل بوجود مصلحةٍ حَكَم الشارع بوجوبها وجرى على طبقها؛ وذلك لأن المفسدة والمصلحة من المفاهيم التشكيكية، وهي على درجات، فقد تقتضي المصلحة الاستحباب كما في صلاة الليل فإنها عبادة حسنة بلا شك، ولكن الحسن والمصلحة لم تستلزم الإيجاب، وكذا الحال في السواك وبقية المستحبات، وكذلك الحال فيما حسّنه العقل بعنوانه كالإحسان.
والأمر كذلك في الجهة المقابلة وهي المفسدة والقبح، فإن بعض مراتب إضاعة الوقت مثلاً ليست بحرام قطعاً، وإن كانت ذات مفسدة.
والخلاصة: إن العقل لو استقل بمصلحة بالغة ملزمة، أو استقل بوجود مفسدة بالغة ملزمة، فذلك هو المجرى لقاعدة التلازم حيث لا انفكاك حينئذٍ.

الوجه الرابع: الاشكال في الانطباق والتطبيق
إن سلمنا عدم ورود الإشكالات الثلاثة السابقة، ولكن يبقى إشكال آخر دقيق وهو: عدم معلومية انطباق الكبرى على الصغرى، فإنه وإن كانت الكبرى الكلية مسلمة، لكن الكلام في الانطباق؛ إذ ثبوت الكبرى الكلية أمر، وتمامية الانطباق أمر آخر.
ويتضح ذلك جلياً بـ: ملاحظة العدل، فإنه لا شك في أن العقل يدرك حسنه الشديد، وكونه ذا مصلحة بالغة هذا صغرىً، ثم لنسلم الكبرى وهي: إن كل ما حكم به العقل حكم به الشرع، وإن الشرع يحكم بوجوب العدل لحسنه الشديد البالغ، وحرمة الظلم لقبحه الشديد، ولكن من أين الانطباق على الأصناف وعناوين الموضوعات؟!
فإن كثيراً من الناس ينتقلون خطأً من مسلَّمية الكبرى وثبوتها إلى مسلمية الانطباق، نظير الذين يُشكِلون على سهام الإرث وإنه كيف تعطى الفتاة سهماً ويعطى الذكر سهمين، مدعين أن ذلك خلاف حكم العقل لأنه خلاف العدل، فهذا الحكم بزعمهم ـ بسبب هذا الوهم ـ مختص بذلك الزمان الخاص.
والجواب: واضح بعد ملاحظة معادلة الانطباق؛ فإن كلي العدل ووجوبه وحسنه مما لا شك فيه، ولكن من أين أن المورد هو صغرى لتلك الكبرى الكلية؟ بل الأمر بالعكس؛ فإن هذا المدعي لاحظ عامل (المال) في دعواه: إن المورد صغرى لتلك الكبرى وإنه ظلم، وحكم على ضوئه، ولكنه غفل عن ملاحظة (عامل المسؤولية والتكليف)، فتصور الحكم ظلماً، ولو لاحظ جميع الأبعاد لما توهم ما توهمه.
وعليه: فإنه كثيراً ما يكون منشأ الخطأ والخلط، هو الخطأ في التطبيق والانطباق، فلا تجدي عندئذٍ قاعدة الملازمة لتنقيح حال الصغرى والمصداق.

تقييد الشيخ (رحمه الله) للحسن بكونه (على وجهٍ يستحق فاعله الثواب) يدفع الاشكالات
إن قلت: قال الشيخ الأنصاري (رحمه الله) في مطارح الأنظار: (إن العقل إذا أدرك حسن الشيء على وجهٍ يستحق فاعله الثواب وجزاء الخير فقد أدرك  من كل عاقلٍ حكيمٍ شاعرٍ، فكيف بمن هو خالقهم؟ وكذلك إذا أدرك قبح الشيء كذلك.
ولعمري إن الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع بهذا المعنى مما لا يقبل الإنكار، فكأنها نار على منار)[8] انتهى، فإن تقييده (رحمه الله) بـ(على وجهٍ ...) يدفع ما مضى من الإشكالات.

المناقشة: إنّ الكلام ليس تاماً لأنه من الاستدلال بالأعم
فالجواب: إنه يورد عليه: بأنّ فاعل المستحب ـ كصلاة الليل ـ يستحق الثواب أيضاً ـ وهذا مثال شرعي ـ، وكذا فاعل الإحسان ـ وهو مثال عقلي ـ يستحق الثواب أيضاً؛ لأن حسن الإحسان من المستقلات العقلية بلا شك، فلو أحسن شخص إلى شخص فإنه يستحق الثواب، وجاحدُه يعد فاعلاً للقبيح بلا شك، مع أن الإحسان ليس بواجب.
وعليه: فإن استحقاق الشخص للثواب وجزاء الخير على فعلٍ حَسَنٍ هو أعم من كونه واجباً؛ إذ قد يكون مستحباً، وكذلك الحال في استحقاقه الذم والعتاب فهو أعم من الحرمة والكراهة، فلا تتم قاعدة الملازمة حتى مع هذا القيد، فتأمل؛ لاحتمال كون مقصود الشيخ: (إن العقل لو أدرك حسن الشيء على وجه ... لأدرك أن الشرع أيضاً يراه حسناً على نفس ذلك الوجه)، ولا يقصد: لأدرك أن الشرع يراه واجباً فتأمل؛ إذ لعله خلاف ظاهر سائر كلمات الشيخ (رحمه الله).
وعلى أي حال لو كان هذا مراده فإنه تام، لكنه أجنبي عن قاعدة الملازمة التي تعدّ في علم الأصول من الأدلة على الحكم الشرعي.

تحديد موطن الملازمة يدفع توهم انعقاد الإجماع عليها
ثم إن الظاهر: إن دعوى الشيخ الأنصاري (رحمه الله) وغيره الإجماع على قاعدة الملازمة بين حكم العقل بالحسن أو القبح، وحكم الشرع بالوجوب أو الحرمة، غير تامة، ولعل مكمن الخلل عدم ملاحظة مرجع الضمير في (به)، فإنه الذي أوجب الوهم واللبس عندهم فيما نستظهره، وذلك هو ما حصل في كلام بعض المتأخرين أيضاً حسب تتبعنا لكلمات العديد منهم، إذ ظهر الخلط واللبس في المورد نفسه، فإن ههنا كبريين:
أوّلاهما: (كلما حكم به ـ أي بوجوبه ـ العقل، حكم بوجوبه الشرع) والملازمة هنا تامة، وكذلك كلما حكم العقل بحرمته حكم الشارع بحرمته.
وثانيهما: (كلما حكم به ـ أي بحسنه ـ العقل، حكم بوجوبه الشرع)، وهذه ليست بصحيحة.
ولعل منشأ الخلط عندهم هو: أن الأعلام انطلقوا من مبحث التحسين والتقبيح العقليين، ثم فرعوا هذه القاعدة، فجعلوا التحسين والتقبيح العقلين صغرى لكبرى قاعدة الملازمة، فالصغرى: هي إن هناك ما هو حسن أو قبيح ثبوتاً وهذا مما يستكشفه العقل، والكبرى هي: كلما حسنه العقل أوجبه الشرع، فهذا هو سبب الخلط.
ودليلنا على ذلك: هو العبارات التي نقلها الشيخ الأنصاري (رحمه الله)[9] للاستدلال على الإجماع المدعى من قبله، فإن بعضها شاهد على عكس ما ادعاه، إذ هي صريحة أو ظاهرة في الملازمة بين الوجوبين والحرمتين.
أي: إن الحرمة العقلية تستلزم الحرمة الشرعية، وكذا الوجوب، فلاحظ مثلاً ما ذكره الشيخ (رحمه الله):
(ومما يعد من الوجوه الدالة على ثبوت الملازمة الواقعية بين حكم العقل والشرع، الإجماع بأقسامه نقلاً وتحصيلاً، مركباً وبسيطاً، أما الإجماع البسيط فيكشف عن تحققه أمور، منها: ما عزا الأستاذ إلى الشيخ في العدة من أنه لا خلاف في أن كل محظور عقلي فهو محظور شرعي)[10] انتهى، فإنه استشهد بكلام الشيخ في العدة من عدم الخلاف على التلازم بين المحظور العقلي والشرعي، والمحظور ظاهر في المحرم، وهو مما لا شك فيه، فالتلازم ثابت بين الحرمتين والوجوبين.

نقل كلمات بعض الاعلام في قاعدة الملازمة
ومن المحبّذ أن نستأنس في خاتمة المطاف برأي بعض الأعلام، ثم نعقب ببعض المناقشات:

1. كلام السيدالشيرازي الراحل (رحمه الله) في الأصول
قال السيد الوالد (رحمه الله) في الأصول: (ثم العقل يدرك المصلحة والمفسدة وما يتبعهما من الحسن القبح فإذا أدرك أحدهما بدون مزاحم مع المنع من النقيض تحقق الوجوب والحرمة)[11] انتهى، فقد حدّد مورد قاعدة الملازمة بـ(فإذا أدرك أحدهما بدون مزاحم من المنع من النقيض) وهو الحق.
ثم قال (رحمه الله): (وإلا فالاستحباب والكراهة وإلا فالإباحة، لتبعية الأحكام لهما عند العدلية)[12] انتهى.
الميرزا الشيرازي (رحمه الله): الملازمة هي في سلسلة علل الأحكام
وقد ذكر الميرزا الشيرازي الكبير (رحمه الله) وتبعه على ذلك الميرزا النائيني (رحمه الله) والسيد الخوئي (رحمه الله) تفصيلاً في مسألة قاعدة الملازمة، حيث قبلوا بها فيما لو كان الأمر في سلسلة علل الأحكام الشرعية، وأما لو كان الأمر في سلسلة المعاليل فلا ملازمة عندئذ، ونقتصر هنا على عبارة الأخير:

2. كلام السيد الخوئي (رحمه الله) في المصباح
قال السيد الخوئي (رحمه الله): (فتارة يدرك العقل ما هو في سلسلة علل الأحكام الشرعية من المصالح والمفاسد، وهذا هو مورد قاعدة الملازمة؛ إذ العقل لو أدرك مصلحة ملزمة في عمل من الأعمال وأدرك عدم وجود مزاحم لتلك المصلحة علم بوجوبه الشرعي لا محالة)[13] انتهى.
فمورد قاعدة الملازمة ـ كما يراه السيد الخوئي (رحمه الله) ـ ليس مطلق المصلحة والمفسدة، بل ما كانت مع قيودٍ وهي: أن يعلم بعدم وجود مزاحم، وأن يعلم بأن هذه المصلحة ملزمة، ومع هذين القيدين فإنّ العقل يستكشف حكم الشرع.
بيان ذلك: إن الأوامر الإلهية تسبقها علل، أي: مقتضيات من المصالح والمفاسد؛ فإن الأمر والحكم الشرعي ليس عبثاً ـ بحسب العدلية ـ، وسلسلة علل الأحكام هي المصالح والمفاسد في متعلقاتها، فإن المصلحة الثبوتية الملزمة تقتضي الأمر والإيجاب، وأما المصلحة الخفيفة فتنتج الاستحباب أي تقتضي تشريعه، وكذلك الحال في المفسدة الملزمة والخفيفة فهي تنتج الحرمة والكراهة، فبلحاظ وجود هذه المصالح والمفاسد يصدر الحكم الشرعي، ثم بعد ذلك تتولد في سلسلة المعاليل أحكام جديدة مثل وجوب الإطاعة؛ وذلك أن الأمر لو صدر عن المولى تعالى فلابد من طاعته، ووجوب الإطاعة متفرع على الأمر، متأخر عنه، لا قبله.
والحاصل: ان المصلحة الواقعية تستتبع الحكم الشرعي، والحكم الشرعي يستتبع وجوب الإطاعة.
وصفوة كلامهم: إنه لو كان الكلام في سلسلة المعاليل فقاعدة الملازمة غير جارية؛ لاستلزامها المحاذير الأربعة المعروفة وهي: التسلسل أو الدور، أو طلب الحاصل أو تحصيله، أو اللغو، وهذا ما ذكره مشهور المتأخرين[14]، فإنهم قالوا: بأنه حيث أمر الشارع بصلاة الصبح فالعقل يقول: (لابد من طاعته في حكمه؛ لأنه المولى والمنعم الحقيقي وقد أمر أمراً ملزماً فتجب الإطاعة)، وهذا هو عكس قاعدة الملازمة المعروفة، أي كلما حكم به الشرع حكم به العقل أي حكم العقل بالوجوب، وأما قاعدة الملازمة فإنه لا يصلح: كلما حكم به العقل في سلسلة المعاليل كوجوب الإطاعة حكم به الشرع لأنه يلزم من ذلك طلب الحاصل أو المحاذير الأخرى.

إشكالات على كلام المصباح
وبعد اتضاح ذلك، نذكر مرة أخرى عبارة مصباح الأصول مع الإشارة إلى بعض ما قد يورد عليه، وإن كنا نتفق مع كلامه في أصل المطلب.
قال: (فتارة يدرك العقل ما هو في سلسلة علل الأحكام الشرعية من المصالح والمفاسد وهذا هو مورد قاعدة الملازمة فلو أدرك مصلحة ملزمة في عمل من الأعمال وأدرك عدم وجود مزاحم لتلك المصلحة علم بوجوبه الشرعي لا محالة بعد كون الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد)[15].

وفي كلامه مواضع للتأمل:
الأول: إنّ الملازمة تجري في سلسلة المعاليل أيضاً
إن قاعدة الملازمة جارية فيما كان في سلسلة معاليل الأحكام الشرعية أيضاً، وليس فقط ما كان في سلسلة علل الأحكام.
الثاني: إن هناك مناشئ أخرى للقبح والحسن والحكم بالحرمة أو الوجوب
ليس الأمر في دائرة سلسلة علل الأحكام كما ذكره من مدارية المصالح والمفاسد فقط؛ إذ إن المصالح والمفاسد هي أحد مناشئ الحسن والقبح العشرة، وكلها واقعة في سلسلة علل الأحكام، والتخصيص بهما هو خلاف القاعدة، كما اوضحناه سابقاً.
الثالث: إنّ هناك قيوداً أخرى لازمة للعلم بالوجوب الشرعي للحكم
كما يرد على ما ذكره بقوله: (إذ العقل لو أدرك مصلحة ملزمة في عمل من الأعمال وأدرك عدم وجود مزاحم في تلك المصلحة علم بوجوبه الشرعي لا محالة)[16] إنه لا يكفي للعلم بالوجوب الشرعي مجرد ما ذكره من المصلحة الملزمة وعدم وجود مزاحم لها، وإنما ينبغي أن تتوفر قيود ثلاثة أخرى لو ترتبت لعُلِم بالحكم الشرعي.

وهذه القيود الأخرى هي:
أولاً: إحراز العقل وجود الشروط كافة.
ثانياً: وإحراز انتفاء الموانع كافة.
وثالثاً: إدراك صحة الانطباق، وقد مضى تفصيله فلا نعيد.
والخلاصة: إن تحقق المصلحة الملزمة وعدم المزاحم لا يكفي، بل لابد من وجود القيود الثلاثة الأخرى ليتحصل بعدها العلم بالحكم الشرعي.

الإشكال الرابع: إنّ قاعدة اللطف هي المتممة للاستدلال
كما يرد على قوله: (علم بوجوبه الشرعي لا محالة بعد كون الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد)[17]، إنه لابد من ضم قاعدة كلامية أخرى لولاها لما تم المطلوب، فإننا حتى لو قلنا: بأنّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد في المتعلقات، وإن المصلحة ملزمة، ولا مزاحمة ولا مانع في البين، وإن التطبيق صحيح، فإن كل ذلك لا يكفي لـ(العِلم بالحكم الشرعي) أي: بإنشاء الشارع أحكامه على طبق المصالح والمفاسد، بل لابد من ضم القاعدة الكلامية المعروفة وهي: (قاعدة اللطف) لحصول المطلوب، وكي (نعلم بالوجوب الشرعي لا محالة) فإن هذه هي الموجبة للعلم بالوجوب الشرعي؛ فإن المصلحة الواقعية الملزمة، لولا قاعدة اللطف، لا توجب على الله تعالى أن يجعل الأحكام على طبقها، بل اللطف، فإنه بلحاظه أوجب الله تعالى على نفسه أن يحكم على طبق المصالح والمفاسد الثبوتية الواقعية، ولهذا تفصيل يترك لمظانه.

سلامة عبارة (الأصول) عن أكثر الإشكالات
ثم إنه لا ترد الإشكالات السابقة على ما اختاره السيد الشيرازي الراحل (رحمه الله) فإنه عبر بعبارة موجزة جامعة دافعة للإشكالات المتقدمة إلا آخرها حيث قال: (فإذا أدرك العقل أحدها بدون مزاحم مع المنع من النقيض...)[18] وبقيده الأخير أي: (مع المنع من النقيض) تندفع مجموعة من الإشكالات التي ذكرناها؛ إذ مع لحاظ هذا القيد يثبت أنه لا مانع في المقام، فإن العقل لو أحرز أنه لا مانع لمنع من النقيض، وإلا فلا، وكذلك يثبت أن الشروط موجودة والانطباق صحيح؛ إذ العقل لا يحكم بالمنع من النقيض إلا إذا أحرز وجود الشرط وفقد المانع وصحة الانطباق، فتدبر وتأمل.

الرأي المنصور
وأما الرأي المنصور فهو بعكس ما ذكروه، وإجمال ذلك إننا نقول: في سلسلة المعاليل كلما حكم به العقل حكم به الشرع؛ إذ في سلسلة المعاليل قد حكم العقل بوجوب الإطاعة على ضوء صدور حكم من الشرع بوجوب الفعل، وهذا الحكم العقلي أنشأه الشارع أيضاً بالعمومات، بل يكفي حكم العقل نفسه في إنشاء الشارع، فإنه هو هو، حسب وجه من الوجوه الثلاثة في معنى قاعدة الملازمة، وأن (به) أي بمثله أو به هو هو، أو غير ذلك، ولا ترد على ذلك الإشكالات الأربعة السابقة[19].
وأما في سلسلة العلل: فنرى التفصيل فإنه ينبغي أن نلاحظ العلة، وأنها أي وجه من وجوه القبح العقلي هي؟ فإن بعضها يستلزم حكم الشارع بالحرمة، دون بعضها الآخر.
كما لابد أن نرى القبح، وأنه في أية درجة من درجاته؟ فإن بعض الدرجات يستلزم حكم الشارع فقط، وقد سبق ذلك.


----------
[1] اقتباس من كتاب "حرمة الكذب ومستثنياته" لسماحة السيد مرتضى الشيرازي الحسيني: ص٩٩-١١٧.
[2] مطارح الأنظار: ج٢ ص٣٣٥.
[3] مطارح الأنظار: ج٢ ص٣٤٠.
[4] مطارح الأنظار: ج٢ ص٣٧١.
[5] مطارح الأنظار: ج٢ ص٣٧٢.
[6] هداية المسترشدين: ج٣ ص٥٠٢-٥٠٣.
[7] راجع (بحث كلامي اصولي: المعاني العشرة للحسن والقبح) "موقع مؤسسة التقى الثقافية".
[8] مطارح الأنظار: ج٢ ص٣٤٠.
[9] مطارح الأنظار: ج٢ ص٣٣٥.
[10] مطارح الأنظار: ج٢ ص٣٧١.
[11] الأصول: ج٢ ص٣٤.
[12] الأصول: ج٢ ص٣٤.
[13] مصباح الأصول: ج١ ص٢٦ مباحث الحجج والأمارات.
[14] ناقش سماحة السيد (حفظه الله) بشيء من التفصيل في كتابه (الأوامر المولوية والإرشادية) وأيضاً في كتاب (فقه التعاون على البر والتقوى) وقد أجاب على الإشكالات الأربع، فليراجع.
[15] مصباح الأصول: ج١ ص٢٦.
[16] مصباح الأصول: ج١ ص٢٦.
[17] مصباح الأصول: ج١ ص٢٥.
[18] الأصول: ج٢ ص٣٤.
[19] كما فصل ذلك في كتابي (فقه التعاون) و (الأوامر المولوية والإرشادية)

 


  • المصدر : http://www.m-alshirazi.com/subject.php?id=3483
  • تاريخ إضافة الموضوع : 10 رجب 1440هـ
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 10 / 20